لماذا يشكّل الإفراج عن الأصول الإيرانية صداعًا سياسيًا لترامب؟
18 يونيو 2026
يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب انتقادات متزايدة بسبب تعهده بالمساعدة في الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، ضمن اتفاق يهدف إلى إنهاء الحرب التي استمرت ثلاثة أشهر بين واشنطن وطهران.
وبينما ترى الإدارة الأميركية أن هذه الخطوة تمثل جزءًا من تسوية أوسع لإعادة الاستقرار إلى المنطقة والأسواق العالمية، يعتبرها معارضو ترامب، بمن فيهم شخصيات بارزة في الحزب الجمهوري، تنازلًا خطيرًا قد يمنح إيران موارد مالية ضخمة في وقت لا تزال فيه المخاوف قائمة بشأن برنامجها النووي ونفوذها الإقليمي.
أموال مجمدة مقابل إنهاء الحرب
ونقلت وكالة "بلومبيرغ" عن مسؤولين أميركيين، بأن الاتفاق الذي دخل حيز التنفيذ في 17 يونيو/حزيران يتضمن تعهدًا أميركيًا بجعل الأصول الإيرانية المجمدة متاحة بالكامل لطهران، في إطار حزمة مكونة من 14 بندًا لإنهاء الصراع بين البلدين.
بالنسبة لإيران، لا يتعلق الأمر فقط باستعادة أموال مجمدة، بل بالحصول على شريان حياة اقتصادي في مرحلة شديدة الصعوبة
ورغم الإعلان عن الالتزام الأميركي، لا تزال تفاصيل التنفيذ غير واضحة، خصوصًا فيما يتعلق بما إذا كان الإفراج سيشمل فقط الأموال الموجودة داخل الولايات المتحدة، أم سيمتد إلى عشرات المليارات من الدولارات المحتجزة في دول أخرى بسبب العقوبات الأميركية.
وتُعد هذه القضية من أهم المطالب الإيرانية خلال المفاوضات، إذ ترى طهران أن استعادة أموالها المجمدة تمثل شرطًا أساسيًا لإنعاش اقتصادها المتضرر بشدة.
إرث يعود إلى أزمة الرهائن
ترتبط قضية الأصول الإيرانية المجمدة بتاريخ طويل يعود إلى عام 1979، عندما أطاحت الثورة الإسلامية بنظام الشاه محمد رضا بهلوي، الحليف الرئيسي لواشنطن آنذاك.
وفي أعقاب اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز 52 دبلوماسيًا أميركيًا رهائن، أصدر الرئيس الأميركي جيمي كارتر قرارًا بتجميد نحو 12 مليار دولار من الأصول الإيرانية الموجودة تحت الولاية القضائية الأميركية.
وبعد توقيع اتفاق الجزائر عام 1981 وإنهاء أزمة الرهائن، أُفرج عن نحو 8 مليارات دولار من هذه الأموال، فيما خُصص جزء آخر لسداد ديون إيرانية لبنوك أميركية وأوروبية. أما المبالغ المتبقية فقد ظلت عالقة في نزاعات قانونية متعددة، لتتراجع قيمتها مع الوقت إلى نحو ملياري دولار فقط.
عشرات المليارات خارج الولايات المتحدة
لكن الأموال الموجودة داخل الولايات المتحدة تمثل جزءًا صغيرًا فقط من إجمالي الأصول الإيرانية المجمدة حول العالم.
وتشير التقديرات إلى أن قيمة الأصول الإيرانية المحتجزة خارج الولايات المتحدة تتراوح بين 24 مليار دولار وأكثر من 100 مليار دولار، وهي أموال تعود في معظمها إلى عائدات صادرات النفط والغاز.
وتحول العقوبات الأميركية دون وصول هذه الأموال إلى إيران، مستفيدة من النفوذ الكبير للدولار الأميركي داخل النظام المالي العالمي. كما تتجنب العديد من البنوك الأجنبية التعامل مع الأموال الإيرانية خشية التعرض لعقوبات أميركية أو فقدان إمكانية الوصول إلى الأسواق المالية الأميركية.
اقتصاد منهك يبحث عن شريان حياة
بالنسبة لإيران، لا يتعلق الأمر فقط باستعادة أموال مجمدة، بل بالحصول على شريان حياة اقتصادي في مرحلة شديدة الصعوبة.
فقد كان الاقتصاد الإيراني يعاني أصلًا من معدلات تضخم مرتفعة وتراجع في النمو وأزمة حادة في قيمة العملة المحلية قبل اندلاع الحرب الأخيرة. وأدى انهيار الريال الإيراني إلى احتجاجات واسعة واجهتها السلطات بحملة أمنية عنيفة أسفرت عن سقوط آلاف الضحايا، بحسب تقارير دولية.
وجاءت الحرب لتفاقم الأزمة، إذ تعرضت أجزاء واسعة من البنية التحتية الإيرانية لأضرار كبيرة نتيجة الضربات الأميركية والإسرائيلية، كما تسبب الحصار البحري الأميركي في تعطيل صادرات النفط، المصدر الرئيسي لإيرادات الدولة.
وتشير بيانات اقتصادية إلى أن إنتاج النفط الإيراني هبط خلال مايو/أيار الماضي إلى أدنى مستوى له منذ خمس سنوات، ما زاد الضغوط على الخزانة الإيرانية.
معارضة أميركية حادة
ورغم أن الإدارة الأميركية تقدم الإفراج عن الأموال باعتباره جزءًا من تسوية سياسية لإنهاء الحرب، فإن الخطوة تواجه معارضة قوية داخل الولايات المتحدة.
ويؤكد منتقدو الاتفاق أن أي تخفيف للضغوط الاقتصادية على إيران سيسمح لها بتعزيز برامجها العسكرية والنووية، إضافة إلى مواصلة دعم حلفائها في المنطقة.
وتستند هذه المخاوف إلى سوابق سابقة أثارت جدلًا واسعًا في واشنطن، منها قرار إدارة باراك أوباما عام 2016 إرسال 400 مليون دولار إلى إيران ضمن تسوية مالية قديمة، وكذلك محاولة إدارة جو بايدن عام 2023 الإفراج عن 6 مليارات دولار من الأموال الإيرانية المحتجزة في كوريا الجنوبية لأغراض إنسانية، قبل أن يتم التراجع عن القرار بعد السابع من أكتوبر.
ترامب يغيّر موقفه
المفارقة أن ترامب نفسه كان من أبرز المنتقدين سابقًا لأي خطوات تمنح إيران متنفسًا اقتصاديًا. فخلال ولايته الأولى، هاجم الاتفاق النووي لعام 2015 واعتبر أن السماح لطهران بالوصول إلى أصولها المجمدة منحها موارد ساعدتها على تعزيز نفوذها الإقليمي.
إلا أن الرئيس الأميركي يتبنى اليوم موقفًا مختلفًا، إذ دافع عن فكرة إعادة الأموال الإيرانية مؤكدًا أن هذه الأموال "ليست أموالًا أميركية"، وأن احتجازها بشكل دائم قد يضر بثقة الدول الأخرى في النظام المالي الأميركي والدولار.
انقسام جمهوري
لكن هذا التبرير لم ينجح في إقناع جميع الجمهوريين. فقد هاجم السيناتور الجمهوري تيد كروز الخطة بشدة، معتبرًا أن الإفراج عن مليارات الدولارات لصالح إيران يمثل مخاطرة كبيرة، وقال إن "التاريخ يعلمنا أن منح مليارات الدولارات لمتعصبين دينيين يريدون قتلنا ليس فكرة جيدة".
ومع استمرار الجدل، يبدو أن ملف الأصول الإيرانية المجمدة لن يكون مجرد بند مالي ضمن اتفاق لإنهاء الحرب، بل قد يتحول إلى واحدة من أكثر القضايا السياسية إثارة للانقسام داخل الولايات المتحدة خلال المرحلة المقبلة، خصوصًا إذا مضت إدارة ترامب في تنفيذ تعهداتها تجاه طهران.