لماذا يزعج عزمي بشارة إعلام السيسي.. إلى هذا الحد؟

لماذا يزعج عزمي بشارة إعلام السيسي.. إلى هذا الحد؟

عزمي بشارة (ألترا صوت)

لا تمضي عدة أسابيع إلا ويطلق إعلام السيسي حملة ضد عزمي بشارة، أجواء من التهويل والعناوين المتضخمة، آخرها ما تسميه صحيفة اليوم السابع "تسريبا صوتيا" وتصفه بـ"الخطير والمتآمر على مصر". كل هذا يختفي عند الاستماع لـ"التسريب"، ويتبدى أنه دون قيمة، إلا أن هذه مناسبة للتساؤل المتكرر، لماذا يزعج عزمي بشارة إعلام السيسي إلى هذا الحد؟ ولماذا كل هذه الجهود والحملات لاستهداف الرجل؟ ولماذا يسارع الإعلام الإسرائيلي لالتقاط تقارير صحيفة اليوم السابع لعرضها على شاشاته والنقاش حولها حين يكون بشارة موضوعها؟

لماذا يسارع الإعلام الإسرائيلي لالتقاط تقارير "اليوم السابع" لعرضها على شاشاته حين يكون عزمي بشارة موضوعها؟

الإعلام المسارع للاحتفاء بافتتاح السفارة الإسرائيلية في القاهرة، ثم تبادل زيارات الصحفيين المصريين الموالين للسيسي إلى إسرائيل، واستقبال أبواق النظام للسفير الإسرائيلي في عشاءات حميمة، الإعلام المحتفي والمروّج لدعوات السيسي للتطبيع مع إسرائيل وتوسيع خانة المسارعين لتوقيع اتفاقيات سلام معها، مع غزل مستمر بنتنياهو، الإعلام الداعي ليل نهار للتنسيق المستمر مع إسرائيل في الحرب على المقاومة في غزة وقتل الفلسطينيين. إعلام الأوهام والأكاذيب والشائعات. لماذا هو منشغل كل الانشغال منذ أشهر بشخص كعزمي بشارة؟

اقرأ/ي أيضًا: إعلام إسرائيل الحاقد على عزمي بشارة

من حيث المبدأ فإن مجرد الوقوف على النقيض من هذا الإعلام، وفي خانة مَن تستهدفه هذه الصحف ومحطات التلفزة بشكل مستمر، لا شك يبعث في نفس بشارة شعورا بالرضى، إن كان هولاء هم المتضررون مما يفعله الرجل فسيكون مطمئنا إلى أنه يفعل خيرا، على الأقل ما يفعله ويزعجهم ويتضررون منه. يزعجهم إلى درجة تجعلهم يكابدون في صياغة مواد إعلامية يحملونه فيها مسؤولية كل ما يجري في المنطقة العربية، حتى انخفاض أسعار النفط والتغير المناخي وتقليصات مالية على مؤسسات إعلامية في شتى بقاع العالم. الإعلام المصري المهووس "فيتيشيا" بالحجم والكثرة والعظمة والكبرياء والضخامة، لا يجد مفارقة في تحميل شخص واحد كعزمي بشارة مسؤولية كل ما يجري في المنطقة العربية ومصر "أم الدنيا"!

وقبل الخوض في مرامي هذه الحملات وطبيعتها، مهم التنبه إلى أن آخرها، وهو مرتبط بما تسميه صحيفة اليوم السابع "تسريبا خطيرا" عن عمل وسيلة إعلامية يتحدث بشارة مع عاملين فيها كما تدعي الصحيفة، وما سبقه من نشر رسائل بريد إلكتروني تنسبها الصحيفة لبشارة، لا يحمل أي تفصيل يختلف عما يجاهر به الرجل ليل نهار وفي كل المساحات التي يظهر بها! هذه فرصة نادرة توفرها وسائل إعلام النظام المصري للتأكد من مواقف بشارة التي لا يختلف حديثه عنها، سواء في جلساته الخاصة أو شاشات التلفزة. طبعا هذا مما يعجز من يقفون خلف "اليوم السابع" عن فهمه، هم لا يفهمون السياسة والإعلام إلا تدليسا وكذبا على الشعوب.

التمعن في طبيعة المواد التحريضة التي تستهدف عزمي بشارة، يسفر بوضوح عما يزعج نظام السيسي وإعلامه ومموليه والمطبعين معه، هناك هجوم واسع على علاقات الرجل والمؤسسات التي ساهم في إنشائها، إعلامية كانت أم بحثية أم غيرها.

التمعن في طبيعة المواد التحريضة التي يستهدف بها عزمي بشارة، يسفر بوضوح عما يزعج نظام السيسي وإعلامه ومموليه 

الواضح هنا من خلال تربيط كل المؤسسات والمشاريع والمواقف في حزمة أخبار مؤلّفة على عجل، هو أن وجود أي جسم، إعلامي أو مؤسسي أو وجود شخص ذي حضور ونفوذ في أي دولة، يجابه سياسات السيسي وداعميه منذ انقلابه يشكل مصدر تهديد وموضوع استهداف، وتحديدا في سياق الموقف المصري من غزة والمقاومة الفلسطينية فيها، ودعم حقوق الشعوب في التحرر من استبداد الأنظمة وقبضة العسكر والثورات المضادة.

ولتبسيط الأمر وبناء على ما ينشر باطراد مستمر عن الرجل: في عداء بشارة وأمثاله يجتمع مشروعان، مشروع التطبيع العربي المتجدد مع إسرائيل وفتح السفارات والميادين لها، ومشروع إجهاض كل محاولة عربية لإنشاء حكم ديمقراطي حر بعيدا عن الاستبداد وكل أشكاله.

اقرأ/ي أيضًا: تهمة "التجمع".. عربي فلسطيني

مكانة بشارة فلسطينيا ودوره ودور مؤسساته في تحشيد موقف عربي مناصر لغزة وفصائل المقاومة (أمس واليوم)، تجعله خصما مهما للمشروع الأول، وهذا ما تشهد عليه الفصائل الفلسطينية وقياداتها جميعا، من لا يملّون من مجالسة الرجل وطلب مشورته وغيرها، اليوم وأمس وقبل الثورات العربية، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. ودور بشارة في الانحياز إلى الشعوب العربية والتنظير لصالح ثوراتها منذ بدايتها، جعله خصما بديهيا للمشروع الثاني. ولعل توحد مشروعي التطبيع مع الاستبداد وعداوتهما مع بشارة هو في حقيقته توحد ضد القناعة الراسخة التي كررها بشارة مرارا عبر القول إن أي تغيير ثوري نحو حكم ديمقراطي عربي هو في النهاية في صالح قضية فلسطين، وطريق إلى تحريرها. بكل ما في القناعة من مباشرة ووضوح.

حكم اللغط فترات طويلة من عمر الثورات العربية، وقاد التدخل الخارجي بمآلات الأحداث على الأرض في دول الربيع العربي نحو خلط مستمر وكيل اتهامات لا ينتهي في شتى الاتجاهات، وبدا متوقعا بل ومفهوما تضاؤل وضوح الرؤية حيال ما يجري، وظل الموقف من إسرائيل ملتبسا ويستخدمه الجميع ضد الجميع، وأهم ما يستدعي اليوم تنبها هو القناعة المعلنة عند أقطاب الثورة المضادة أن علاقات طيبة مع إسرائيل وترويجا للتطبيع معها وفتح الباب على مصراعيه لأموالها ورجالها في المنطقة العربية، يعني ببساطة توفير ضمانة حماية لنظم الاستبداد والعسكر. ورقة إسرائيل رابحة حين يُساوم عليها في أمريكا وأوروبا، بل وتخرج إسرائيل لتمارس بدورها حملة علاقات عامة ترويجية للنظم الاستبدادية التي تحميها وتطبع معها وتنسق معها في كل خطوة ضد الفلسطينيين ومقاومتهم.

الفلسطيني الذي يناور في مساحة ضيقة لتعديل مواقف نظم ودول لصالح القضية الفلسطينية بات محل استهداف مستمر

لا أدل على ذلك من متابعة حركة الحملات الإعلامية ضد الرجل، وتنقلها بين أقطاب الثورة المضادة وكارهي الفلسطينيين وأعدائهم، بل يمكن دون أي تفكير توقّع كيف ستنتشر هذه المقالات المكتوبة بنفس مخابراتي، من صحافة السيسي إلى إعلام دحلان إلى التلفزة الإسرائيلية إلى مواقع اليسار المفتون بدموية الأسد والممول منه.

اقرأ/ي أيضًا: "التجمّع".. نتنياهو يقود الهجوم

وهذا تحديدا هو مدخل فهم التساوق العجيب بين الطروحات الإعلامية المصرية والإسرائيلية، ثم دعوات تطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية الصريحة على لسان السيسي، والاقتداء بنموذجه في الامتثال للإرادة الإسرائيلية لحفظ مكتسبات انقلابه.

هنالك من يريد للفلسطيني أن يظل أداة بيد النظم والكيانات السياسة، ينفذ سياساتها وتستخدم العلاقة به في سبيل مصالحها وحتى في قمع معارضيها، هذا الفلسطيني المفضل لدى نظم الاستبداد العربية منذ وجدت، أو الفلسطيني القادم بتزكية من إسرائيل كما يفضله نظام السيسي.

أما الفلسطيني الذي يناور في مساحة ضيقة لتعديل مواقف نظم ودول في المنطقة والتأثير في نخبها لصالح القضية الفلسطينية فهو محل استهداف مستمر. هذا فلسطيني مكروه لدى نظم المتاجرة بالفلسطيني وقضيته، وتحديدا حين يجاهر برفض الاستبداد المغلّف بمناصرة الفلسطينيين. والأهم هنا في حالة عزمي بشارة، أن الإعلام الإسرائيلي يبدو في الآونة الأخيرة مهووسا بالرجل وبالتحريض عليه، ولا تغيب التقارير الصحفية المخابراتية عن التلفزة الإسرائيلية، ربما لما يمثله الرجل من مشروع ومواقف مقولة سياسية.

ما يهم هنا بشكل أساسي، هو التنبه إلى المتغير المستمر، في ظل التضييق المتصاعد على أي حضور فلسطيني ضاغط سياسيا في المنطقة العربية، وحشر الفلسطيني في جغرافيا معازل ضيقة تتحكم بها إسرائيل وأعوانها، وتخييره بين الاتساق مع الاستبداد والدفاع عنه أو الطرد والنفي والملاحقة، في واقع كهذا يبدو عزمي بشارة موضوعا للاستهداف المستمر كسياسي ومثقف فلسطيني يعتقد أن الفعل في الساحة العربية لصالح تحرير الشعوب، لا يزال ممكنا، ولو بإكراهات كثيرة.

اقرأ/ي أيضًا: 

"فلسطينيو الداخل" ... خط الدفاع الأول

"هبة القدس" على الحيز الإعلاني في فلسطين