لماذا يحاور السيسي صحافته؟

لماذا يحاور السيسي صحافته؟

توجه صحافة السلطة للسيسي الأسئلة التي تسمح له بالحديث عن إنجازاته (جستن سوليفان/Getty)

لم يمض أكثر من شهرين على حوار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع رؤساء تحرير الصحف الحكومية الثلاث، "الأهرام" و"الأخبار" و"الجمهورية"، حتى فوجئ القرّاء بالصحف ذاتها تُجري حوارًا جديدًا مع السيسي، نُشر على جزأين يومي السبت والأحد الماضيين وتصدّرت عناوينه الصفحات الأولى لكبرى الجرائد الحكومية المصرية. الحوار الصحفي استغرق 4 ساعات، وتم بحضور عباس كامل، مدير مكتب السيسي.

في حوار السيسي مع صحافته يبدو واضحًا من طبيعة الأسئلة أن هدفها محدد وهو"تبييض صورة السيسي" وإبراء ذمته من أي فشل

ما الجديد الذي حمله حوار السيسي مع رؤساء صحفه الموالية؟ 

تطرق السيسي في حديثه إلى قرض صندوق النقد الدولي والجدل المثار حول شروط هذا القرض، وقال إن "مصر ستحصل على القرض بشروط أفضل من الشروط المتبعة عادة مع الدول الأخرى"، ولا يمكن لأي خبير اقتصادي إعطاء تفسير لمثل هذا التصريح ومثل تلك التسهيلات التي يتحدث عنها السيسي، فصندوق النقد ليس مؤسسة خيرية تسعى لمساعدة الدول الفقيرة مثلاً أو مكتبًا لتسهيل تطوير الدول النامية.

اقرأ/ي أيضًا: الأزمة تنفجر..ضبط مواطن متلبسًا ب10 كيلو سكر

وواصل السيسي دعوته المواطنين إلى ضرورة "الصبر" إلى أن "تخرج مصر من عنق الزجاجة"، ولم ينسَ تذكير المصريين في بشارته الاقتصادية بأن نتائج هذا الإصلاح ستكون عظيمة للغاية وستحسّن من وضع الأجيال الحالية والقادمة. طموح عظيم وكلام جميل، ولكن هل يعلم السيسي أنه قال الكلام ذاته منذ عامين؟ وهل تأكد السيسي من صحة مقدماته كي ينتظر منه المصريون نتائجًا طيبة؟

كلام السيسي يأتي في وقت تضج فيه شبكات التواصل الاجتماعي بهيستيريا أوجدها مقطع فيديو لسائق "توك توك" مصري، ينتقد من خلاله الأوضاع الاقصادية البائسة والصعبة التي حلّت بمصر، الأمر الذي يشير إلى تصدع في جدار الثقة بين الرئيس المصري ومؤيديه المحتملين، أو السابقين. من ناحية أخرى، لا يبدو أن تكرار الحديث عن الفوائد القادمة والخير الكثير الآتي قد بات يؤتي أكله، مع الأخذ في الاعتبار وجود قطاع عريض من الشعب المصري الرازح حاليًا تحت ثقل أعباء اقتصادية لا مثيل لها من قبل، يبحث عن حلول فورية أو على الأقل ينتظر من السلطة تقديم الأسباب الحقيقة وراء الأزمات التي تعصف بالمواطن المصري.

غياب الشفافية في تعامل السلطة المصرية مع المواطنين مثّل عاملًا مهمًا في خسارة السيسي للكثير من شعبيته، فلا يمكن الارتكان إلى الأبد إلى كلام مكرر حول وعود بعيدة في حين أن المعنيين بالخطاب لا يستطيعون رؤية أنفسهم في ذلك المستقبل الذي يتحدث عنه الرئيس. وليس أدل على ذلك التغير سوى تحوّل تصريح السيسي الشهير "بكرة تشوفوا مصر دي هتبقى إزاي بعد سنتين" إلى مادة للتندّر والضحك الممتزج بالمرارة بين المصريين في الأماكن العامة وفي وسائل المواصلات وفي غرف العمل. سوء الأحوال المعيشية والارتفاعات المتكررة للأسعار والضرائب المتزايدة وبدايات خطة التقشف التي ستنتهجها الحكومة، كل هذا يفرض تبعاته على أحوال المصريين ونقاشاتهم وتطلعاتهم، في وقت تجد أصداء الدعوة للتظاهر يوم 11-11-2016 مجالًا لأخذها على محمل الجد في ظل غموض الوضع المصري.

الحديث عن السياسة الخارجية المصرية كان له نصيبه من الحوار ولكن ما من شيء يمكن التعليق عليه في هذا الجزء نظرًا للطبيعة الهلامية والمجردة التي تسيطر على ردود السيسي، مثله في ذلك مثل الدبلوماسية المصرية عمومًا، سواء كان الأمر يتعلق بمحاربة الإرهاب الدولي أو بالعلاقة مع السعودية أو حتى التقائه المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون والمرشح الجمهوري دونالد ترامب.

توجه صحافة السلطة للسيسي الأسئلة التي تسمح له بأكبر مساحة ممكنة للحديث عن دوره في "تهذيب وتطوير المسؤولين" تحت إمرته

اقرأ/ي أيضًا: لأول مرة.. مصر وروسيا تقيمان مناورات عسكرية مشتركة

في الحوار يبدو واضحًا من طبيعة الأسئلة أنها موجودة لهدف محدد هو "تبييض صورة السيسي" وإبراء ذمته من أي تخاذل أو فشل إداري أو سياسي. يمكن في هذا الصدد الوقوف على مجموعة الأسئلة التي جاءت بترتيب في الحوار، فبعد إجابة طويلة من السيسي، محتشدة بالأرقام والإحصاءات، حول الوضع الاقتصادي، وضرورة الإصلاح و"حتميته"، تأتي مجموعة من الأسئلة تتعلق بالمسؤولين، والفساد، وإعطاء الفرص الثانية لمن أخفق، وأكثر الأشياء التي لا يمكن للرئيس أن يتسامح فيها مع المسؤول، وغير ذلك من أسئلة تسمح للسيسي بأكبر مساحة ممكنة لإبراز دوره في "تهذيب وتقويم وتطوير المسؤولين" تحت إمرته، المسؤولين الذين يعيّنهم في الغالب.

ولكن الأمر الأبرز، رغم أنه ليس بجديد على الجنرال السابق، هو اعترافه بتفضيله بيئة العمل العسكري على مثيلتها المدنية، وهو ضمنًا يؤكد أسطورة مصرية خالصة تقول إن الفرد العسكري أفضل من المدني. وبينما يصعب التأصيل لتلك الأسطورة، إلا أنه يمكن فهمها، من دون تفهّمها، في ضوء الاستلاب الواقع على المجندين وأفراد المؤسسات العسكرية واستعمالهم كقوى عاملة مجانية صالحة لعمل أي شيء يُطلب منها. يقول نص الحوار:

سؤال: ما الفرق بين آلية اتخاذ القرار في المؤسسة العسكرية وقد كنت قائدًا عامًا، وفي القطاع المدني وقد أصبحت رئيسًا للجمهورية؟

الرئيس: الفرق بين آلية القرار العسكري والقرار المدني، هو في الفاعلية والانضباط ودقة المتابعة ومسؤولية الأداء.

سؤال: هل يمكن أن تتحسن آلية القرار بالقطاع المدني؟

الرئيس: بالتأكيد، قد تأخذ بعض الوقت، لكنها قابلة للتطور، وإلا كيف تتقدّم الدول!

فى ختام الحوار، قال السيسي، فى إجابته على سؤال عن التحدي الأكبر والخطر الأكبر، إن التحدي الأكبر هو وعي المصريين وتكاتفهم على قلب رجل واحد، مشيرًا إلى أن كل المخططات ضد مصر لا تقوم على عمل خارجي وإنما تستهدف الدولة من الداخل، إلا أنه عاد وذكّر بأنه لا يزال يؤمن بأن الشعب المصري أكثر وعيًا مما يتصور كل من يحاول التشكيك والإساءة إليه.

وقال السيسى إن الزيادة السكانية هي الخطر الأكبر لأنها تؤدي إلى تآكل جهود التنمية، حيث يستوجب علينا الوصول بمعدل التنمية إلى 7.5% سنويًا من أجل أن يشعر المواطنون بالتحسن. وردًا على سؤال حول إذا ما كان يهتم بتدوين يوميات أو مذكرات عن أحداث مرت به، يقول السيسي إن الله حباه بذاكرة قوية، يرى من خلالها الأحداث الماضية وكأنها تدور أمامه ودائمًا ما يستدعي التجارب والقراءات والأحداث في دول العالم. ولا يسعنا أمام تلك الإجابة سوى تذكير الرئيس المصري بدرس التاريخ الذي علّمناه إياه في فترات مرتبكة وقلقة من الزمان البشري، فالأنظمة زائلة والشعوب باقية، ولا يبقى أحد ليكتب تاريخه بعد موته بل سيتكفل بذلك شهود ووثائق وأحداث ستكون لها الكلمة العليا في تحديد مكانة كل فرد في سجلات التاريخ.

اقرأ/ي أيضًا:

مصر..هجمة سلفية على إلغاء خانة الديانة

بقطع البترول..هل بدأت السعودية بالتخلي عن مصر؟