لماذا يتصرف المسنون كالأطفال؟
17 مايو 2026
يعاني كبار السن في كثير من الأحيان من أعراض جسدية ونفسية، تبعًا للتقلبات التي يفرضها التقدم في السن، ما يجعل التعامل معهم ورعايتهم، ليس بالأمر السهل، ولا يمكن حصر رعايتهم بتوفير الاحتياجات الأولية فقط، فالأمر قد يحتاج لبذل مجهود مضاعف، للحفاظ على جودة حياة المسن قدر الإمكان.
في هذا التقرير، يحاول "الترا صوت" رصد التغيرات النفسية والجسدية التي تطرأ على حياة المسن، والأمور التي تساهم في تحسين جودة حياته وجعلها أكثر متعة وصحة وراحة.
التغيرات النفسية المصاحبة للتقدم في السن
المختصة النفسية "سلام بركات" أوضحت خلال حديثها لـ"الترا صوت"، أن "التقدم بالسن يلقي بتأثيره على جسم الإنسان وهيئته وصحته الجسدية والنفسية وعالمه الداخلي أيضًا، فيميل المسنون للتأمل والسكينة والراحة"، كما "تتأثر الذاكرة العقلية لديهم وتضعف جزئيًا، وتصبح اهتماماتهم أبسط وأكثر عمقًا، ويتغير إحساسهم بالزمن، ويزداد وعيهم حيال الشعور بالوقت".
رعاية كبار السن والتعامل معهم ليس بالأمر السهل، فلا يمكن حصر رعايتهم بتوفير الاحتياجات الأولية فقط، والحفاظ على جودة حياة المسن يحتاج إلى بذل مجهود مضاعف
وتضيف "بركات" أن "الجهاز العصبي يتأثر بتقدم العمر، ويصبح أبطأ في تنظيم الانفعالات، ما يجعل بعض المشاعر أقوى وأطول، وتزداد الحساسية تجاه المواقف العاطفية". و"يصبح المسنون مع الوقت أكثر تعلقًا بالأشخاص من حولهم" وفق "بركات"، وذلك يعود لـ"الخسارات المتتالية التي مروا بها في محطات حياتهم، وفقد الأصدقاء والشركاء، وتراجع الصحة البدنية، وتراجع أدوارهم ضمن عوائلهم، الأمور التي تولد مشاعر خوف داخلي من الفقد والوحدة لديهم، وينعكس ذلك بأشكال الحساسية المفرطة والتعلق بالآخرين، في محاولة نفسية لإيجاد الشعور بالأمان".
وحول تحول بعض المسنين لما يشبه الأطفال في طلب الاهتمام ولفت الانتباه، تؤكد "بركات" أن ذلك "أمر وارد، يعود لحاجة المسن للاهتمام والاحتواء، الأمر الذي يُطلق عليه في علم النفس مصطلح النكوص أو الانحدار العمري، والذي يعني العودة لأنماط سابقة من مراحل العمر، ممارسة السلوكيات التي كانت حينها، كانعكاس للشعور بعدم الأمان، وتعتبر حيلة دفاعية لتجنب مشاعر القلق والخوف التي ترافق التقدم في العمر".
الأخطاء الشائعة في التعامل مع كبار السن
وترى "بركات" من خلال احتكاكها بواقع الاستشارت النفسية، أن أكثر الأخطاء التي يرتكبها مقدمو الرعاية للمسنين من ذويهم، تتمثل في "معاملتهم كأطفال، وتجاهل آرائهم ومفاطعة كلامهم، واستعجالهم بالحركة والكلام"، لافتة إلى أن "الحماية المبالغ بها أيضًا تعتبر خطًأ شائعًا في معاملة المسنين".
وتتمحور فكرة رعاية المسنين حسب "بركات" حول "تقديم المساعدة لا الإلغاء، وعدم سلب المسنين كافة قراراتهم، وضمان استقلاليتهم، وذلك جزء من الصحة النفسية لكبار السن"، مشيرة إلى أهمية "الإصغاء لهم واحترام قراراتهم ومشاورتهم، كل هذه الأمور تعيد لهم الثقة بأنفسهم والشعور بقيمتهم".
وترى "بركات" أن "أكثر ما يحتاجه كبار السن، منحهم مشاعر الأمان والتقدير والانتماء، لتخفيف مشاعر القلق والاكتئاب التي عادة ترافق التقدم في السن".
دور التغذية في تحسين جودة حياة المسن
في السياق ذاته تؤكد أخصائية التغذية "أسماء جبري" لـ"الترا صوت"، أن "الجسم مع التقدم بالعمر، يحتاج غذاء أعلى جودة، فالشهية تتأثر بالسن، وكذلك حاستي التذوق والشم، وتبدأ الكتلة العضلية بالانخفاض، فيصبح توفر عناصر البروتين والكالسيوم وفيتامين د، بالإضافة للألياف والماء، أهم من كمية الطعام".
وتضيف "جبري" أن "التغذية بالنسبة لكبار السن، تحسن من جودة الحياة، وتمثل حماية من الانهيار والوهن، والإصابة بالإمساك وضعف المناعة، والاكتئاب وتدهور الذاكرة"، حيث "تؤكد جامعة كوبنهاغن، أن فقدان العضلات المرتبط بتقدم السن، يمكن مقاومته عبر رفع جودة البروتين، والاستمرار بالحركة والتمارين الملائمة".
وتقول "جبري": "إن أكثر المشكلات المرتبطة بتغذية كبار السن، تتمثل في نقص البروتين، وقلة شرب الماء، والإفراط في تناول السكر والخبز بدل الوجبات المتوازنة، وضعف المضغ، وفقدان الشهية ونقص الفيتامينات والمعادن"، مضيفة أن "نمط mind diet الذي يعتمد على الخضار الورقية والمكسرات وزيت الزيتون، والبقول والحبوب الكاملة والسمك، يمثل الحمية الأفضل؛ للحفاظ على صحة الدماغ حسب "هارفرد".
وتتحدث "جبري" عن العادات الصحية التي تحسن جودة الحياة بالنسبة للمسنين، وهي "المشي الخفيف وشرب الماء بوفرة، وتناول البروتين في كل وجبة، والتعرض المعتدل لضوء الشمس، والنوم المنتظم لساعات كافية"، بالإضافة إلى "الأكل الجماعي قدر الإمكان".
وتسلط "جبري" الضوء على بعض السلوكيات والأخطاء الشائعة في رعاية المسنين من خلال مشاهداتها، إذ "يهمل البعض استخدام المسن للملح والسكر بكثرة، وعدم معالجة مشاكل الأسنان والمضغ".
وتضيف أن أكثر الأمراض شيوعًا لدى كبار السن والتي ترتبط بالتغذية، هي "السكري والضغط وهشاشة العظام وضعف المناعة"، موضحة أن "السكري يتطلب تقليل السكريات والنشويات السريعة، وزيادة الألياف والبروتين المتوزان"، فيما يجب "تقليل الملح والمعلبات وزيادة الخضار لمرضى الضغط، والتركيز على البروتين والكالسيوم والحركة الخفيفة لمرضى هشاشة العظام، وتوفير البروتين والخضار الملونة والدهون الصحية لمرضى ضعف المناعة".
الأمراض الأكثر شيوعًا لدى كبار السن
من جهته يوضح الطبيب "حمزة الحكيم" لـ"الترا صوت" أن "الأمراض المرتبطة بتقدم العمر، هي "ارتفاع ضغط الدم، الذي يسبب مشاكل بالقلب والدماغ، والسكري من النوع الثاني، وأمراض القلب والشرايين كقصور القلب وتصلب الشرايين، والتهاب المفاصل وهشاشة العظام، وضعف السمع والبصر، وسلس البول ومشكلات التوازن، وأمراض الجهاز التنفسي المزمنة"، بالإضافة إلى "ارتفاع احتمالة الإصابة بسرطانات الثدي للنساء، والبروستات للرجال والقولون لكليهما".
ويضيف "الحكيم" أن "ضعف المناعة أحد أكثر الأمراض التي يصاب بها المسنون، إلى جانب "الخرف والزهايمر وضعف الذاكرة والاكتئاب والقلق".
ويؤكد أن "الحفاظ على صحة كبار السن، يرتبط ارتباطًا مباشرًا، بالمتابعة الطبية والفحوصات الدورية الشاملة، التي تشمل قياس الضغط والسكر، وفحص النظر والسمع والأسنان، والحرص على التغذية الجيدة والمتوازنة، والحركة المناسبة بانتظام، كالمشي الخفيف يوميًا، لتقوية العضلات والقلب، وتحسين التوازن".
ويشدد "الحكيم" على " ضرورة مراعاة الحالة النفسية للمسن، التي تنعكس بدورها على صحته الجسدية، والحرص على التواصل الاجتماعي وممارسة الهوايات وتجنب العزلة"، إلى جانب "ضمان حصوله على ساعات نوم كافية، للحفاظ على صحة الذاكرة وتحسين المزاج، وتنشيط العقل والذاكرة، من خلال المطالعة والمشاركة بالنقاشات ومتابعة الأحداث بشكل متوازن، والابتعاد عن التدخين والكحول، لأنها تزيد من خطر الإصابة بأمراض الرئة والقلب، والحفاظ على الروتين، بشكل يعزز قدرة المسن على الاعتماد على نفسه قدر الإمكان".
رعاية المسنين والاهتمام بتفاصيلهم، وتوفير سبل الراحة لهم، مسؤولية مجتمعية متكاملة، تبدأ من التوعية بأهمية هذه المرحلة وحساسيتها، مرورًا بجعل رعايتهم أسلوب حياة ينبع من الشعور بالمسؤولية، وصولًا إلى تحقيق التكافل الاجتماعي، الذي يضمن بناء مجتمعات متماسكة، تؤمن بانقلاب الأدوار والمسؤوليات.