لماذا يترك المغاربة بلادهم ويخاطرون عبر الهجرة غير النظامية؟

لماذا يترك المغاربة بلادهم ويخاطرون عبر الهجرة غير النظامية؟

مهاجرون مغاربة في ميناء طريفة الإسباني بعد إنقاذهم من المغرق في البحر المتوسط (ماركوس مورينو/ أ.ف.ب)

كانت ستحتفل بعيد ميلادها الـ22 في تشرين الثاني/نوفمبر القادم، وكانت ستبدأ سنتها الثانية في كلية الحقوق. ومثل ملايين المغاربة، لم يكن لديها أي أمل في مستقبل يضمن لها العيش الكريم في بلدها؛ لذلك قرّرت حياة بلقاسم، الفتاة المنحدرة من مدينة تطوان، عبور البحر المتوسط مجازفة بحياتها، ​​بحثًا عن حياة أفضل في إسبانيا ولمساعدة أسرتها البسيطة. لكنها الآن في عداد الموتى بعد أن تلقت رصاصة من نيران حرس السواحل المغربي.

تزداد محاولات الهجرة غير النظامية من المغرب، فمنذ بداية العام الحالي، وصل إلى إسبانيا وحدها أكثر من 36 ألف مهاجر مغربي

وفقاً للسلطات المحلية، فإن "زورقًا سريعًا يقوده إسباني في المياه المغربية، رفض الامتثال لأمر التوقف، وأجبر البحرية المغربية على فتح النار، بينما كان يلوذ بالفرار"، ما تسبب في مقتل حياة بالإضافة إلى إصابة ثلاثة مهاجرين مغاربة آخرين، بإصابات خطيرة. وهي الحادثة التي خلّفت سخطًا شعبيًا وحقوقيًا.

اقرأ/ي أيضًا: "مافيا" للهجرة على الحدود الإسبانية.. ذريعة هوس السلطة باللاجئين

ووقعت هذه المأساة في سياق "هجرة هستيرية" يشهدها المغرب صوب أوروبا هذا العام، فيما يشبه حالة من النزوح الجماعي من البلاد، إذ وصل إلى إسبانيا وحدها عن طريق البحر، منذ بداية هذا العام، أكثر من 36 ألف مهاجر بصورة غير قانونية، منهم آلاف المغاربة، وفقًا للمنظمة الدولية للهجرة (IOM)، وهو عدد تضاعف لأكثر من ثلاث أضعاف في عام 2017 مقارنة بنفس الفترة في عام 2017.

وتوفي على الأقل 363 مهاجر في هذه السنة، أثناء محاولتهم عبور البحر الأبيض المتوسط. ناهيك عن معطيات رسمية للرباط تقول بأنها أوقفت 54 ألف من المهاجرين السريين، منهم 7020 مهاجر مغربي، منذ بداية عام 2018.

لكن مقتل حياة لم يوقف موجة الهجرة، بل زاد زخمها، وانتشرت على الشبكات الاجتماعية فيديوهات لمهاجرين مغاربة وهم ينقلون رحلتهم المحفوفة بالمخاطر، على البث المباشر، وسط الأمواج وأسماك القرش، وفي نفس الوقت يبدون فرحين بهروبهم من البلاد.

كما ظهر آلاف المتظاهرين الشباب في تطوان، وهم يلوحون بالعلم الإسباني، ويهتفون "الشعب يريد إسقاط الجنسية". وفي مشهد آخر لا يقل قتامة، أعلن سكان أحياءٍ فقيرة في الدار البيضاء، نيتهم السير جماعة إلى الجيب الإسباني في سبتة المحتلة وطلب اللجوء، بعد أن هدمت السلطات منازلهم.

وضع يدُق ناقوس الخطر، لِما آلت إليه الأحوال المعيشية في المغرب، ويشير إلى درجة مخيفة من الاحتقان الاجتماعي، حتى بات ملايين الشباب المغاربة يراهنون، بعد أن فقدوا الأمل في بلادهم، على الهجرة كطريق لبناء المستقبل، وإن تطلّب الأمر المجازفة بالحياة وركوب الأمواج.

وفي هذا الصدد، كتب المدون خالد البكاري، بأن تهافت المغاربة على الهجرة هذه الأيام، ورفع شعارات تدعو لإسقاط الجنسية من قبل شباب غاضب، هو في الحقيقة، "محصلة نهائية لسياسات التفقير، والتجهيل، والحكرة، والفوارق الطبقية، وانعدام تكافؤ الفرص في التعليم والصحة وأمام العدالة".

فيما قالت الأمينة العامة لحزب الاشتراكي الموحد، أمينة منيب، إن ما أدى بحياة وبغيرها من الشباب إلى التفكير في مغادرة المغرب، هو "انسداد الأفق"، موضحةً: "بلادنا في حاجة إلى انفراج سياسي، وتعاقد سياسي جديد وقوي بين القوى السياسية والمؤسسة الملكية لبناء الملكية البرلمانية، ودولة الحق والقانون، وتطبيق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة".

وكانت المحللة السياسية الإسبانية، إلينا سانشيز، قد أَعدّت مع فريقها تقريرًا حول "هجرة المغاربة" لفائدة هيئة الاتحاد الأوروبي، ووجدت أن "هناك شعورًا عامًا بالإحباط والتهميش الاجتماعي في المغرب"، مضيفة أن الشباب يرون أنفسهم عاجزين عن الاستقلال بأنفسهم وإيجاد وظيفة والزواج، ما يؤخر انتقالهم إلى حياة الراشدين. وأرجعت الخبيرة هجرة الشباب المغاربة إلى "فقدان الثقة في السياسيين والعملية السياسية برمتها، والبطالة كحصيلة للأنظمة التعليمية التي لا تمت بصلة إلى واقع سوق الشغل".

وتشير أرقام المندوبية السامية للتخطيط، وهي مؤسسة رسمية مغربية، إلى أن هناك أزيد من مليون ونصف بالمغرب، ممن تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، لا يعملون ولا يدرسون ولا يتابعون أيّ تكوين. مثلما وصل مؤشر البطالة لدى حاملي شهادات التعليم الجامعي إلى 19.7%، في حين ارتفع معدل البطالة في صفوف حاملي شهادات التكوين المهني إلى 25.5%. وعلاوة على ذلك، لا يزال يعيش 2.8 مليون مغربي في مستنقع الفقر المدقع، منهم 2.4 مليون من سكان القرى والبوادي.

وعلى مستوى الخدمات العامة، التي يسدد المواطنون الضرائب لأجل الحصول عليها، فحوالي "70% من المستشفيات المغربية العمومية الموزعة على مختلف الجهات، غير صالحة، ولا تتوفر على أدنى الشروط اللازمة لاستقبال المرضى وتقديم العلاج لهم، كما أن 76% من الفقراء الذين يلجؤون إلى المستشفيات العمومية يتحملون كلفة التطبيب على عاتقهم"، بحسب تقرير الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة.

أما بالنسبة للمدرسة العمومية، فقد باتت أداة لإنتاج الجهل، ودأبت على تبوؤ ذيل التقارير الدولية ومؤشرات التعليم. فيما تحرص النخبة السياسية في البلاد، ومعها الطبقة البورجوازية، على التمتع بخدمات التعليم والصحة بفرنسا وغيرها من البلدان الأوروبية.

حرية الصحافة هي الأخرى، لم تسلم من ضربات السياسات السلطوية، حيث أصبحت قوانين الصحافة والنشر أكثر تشددًا، وأيضًا تعرض عدد من الصحفيين والمدونين إلى المتابعة، وبعضهم انتهى به المطاف في السجن، مثل الصحفي المعروف حميد المهداوي، وبسبب ذلك احتل المغرب المرتبة 133 في تقرير مراسلون بلا حدود 2018.

وقد أدى خَنْقُ نَفَس الإعلام إلى حرمان الدولة من أبرز آليات تصريف الغضب الشعبي من جهة، ومن جهة أخرى حرمانها من قوة اقتراحية مدنية من شأنها المساهمة في حل الأزمة، فنتج عن ذلك كله احتقانا اجتماعيا خطيرا وانسداد في الأفق.

وهكذا دفعت البطالة المستفحلة، ومنظومة التعليم العاجزة، وتدهور الصحة، وغلاء المعيشة، وكتم الأصوات، وانعدام الفرص؛ الكثير من الشباب المغربي إلى اختيار الهجرة طريقًا لبناء حياة أكثر أمانًا وحرية وراحة، وإن استدعى ذلك المخاطرة بركوب الأمواج.

سواءً بسبب البطالة المستفحلة أو منظومة التعليم العاجزة أو تدهور الصحة وغلاء المعيشة، فكلها أسباب دفعت كثيرًا من المغاربة إلى اخيتار الهجرة

وتعزّز هذا الاتجاه بتأثير مواقع التواصل الاجتماعي، التي تظهر صباح مساء الفوارق الطبقية الفجة بين فئات المجتمع المغربي، وتعطي أيضًا، من خلال قصص المهاجرين الواصلين إلى أوروبا، أملًا للكادحين والبائسين في حياة أفضل.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هجرة أطفال المغرب.. حين يقسو الوطن

هجرة الشباب المغربي سريًا.. حلم النجاة الأخير!