لماذا يتحسن الاقتصاد المصري بالنشرات الحكومية فقط؟

لماذا يتحسن الاقتصاد المصري بالنشرات الحكومية فقط؟

مصر تواجه مستقبلًا غامضًا وسط الاضطرابات السياسية والاقتصادية (Getty)

قبل أسابيع قليلة، كانت وسائل الإعلام المصرية المحسوبة على النظام تردد كلامًا حول وجود إشادة دولية بالاقتصاد المصري بسبب تراجع سعر الدولار خلال فترة وجيزة لم تتعد الشهر، ولم يكتف المهللون بهذا الأمر، بل أخذوا يرددون ما أعلن عنه البنك المركزي المصري من وجود مؤشرات تؤكد بدء تحسن المؤشرات الاقتصادية، بعد تدفق العملة الأجنبية وتحسن أداء الجنيه مستدلًا بتراجع سعر الدولار، كاشفًا عن أن رئيس البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية سوما شاكرابارتي أشاد بالتحسن المتواصل في مناخ الاستثمار بمصر، في تصريحات نقلتها وكالة رويترز، حيث أكّد خلالها أن ظروف الأعمال في مصر تتحسَّن في أعقاب اتفاق قرض مع صندوق النقد الدولي بقيمة 12 مليار دولار.

أعلنت بعثة صندوق النقد الدولي أن قيمة الجنيه انخفضت أكثر من المتوقع أمام الدولار منذ قرار الحكومة بتعويم الجنيه

الغريب في الأمر أن وسائل إعلام النظام لا تكاد تصل إلى نتيجة من وراء زنّها المتواصل وإيهام الناس بقرب انفراج أزمة الأسعار التي لا تتوقف عن الارتفاع حتى يعاجلها الواقع بتغيّرات تدمّر وتنفي كل تلك الاستيهامات والأكاذيب المنوِّمة التي تداوم على إلهاء الشعب الغلبان بها.

اقرأ/ي أيضًا: مصر..أحلام انهيار الدولار أمام الجنيه قبل تعويمه

فخلال الفترة الماضية، ووفقًا لوسائل إعلام مصرية "حريصة على مصلحة النظام"، كان جميع المسؤولين كافة يشيدون بالتحسن في الاقتصاد المصري. ولأن البيّنة على من ادّعى، فإن هذا التحسن "غير الواضح" لا يشعر به أحد ولا نراه ملموسًا على أرض الواقع، وبالتالي فهو غير موجود سوى في خيال من يروّج له.

الأسعار نار، وتطول كل شيء تقريبًا، والدولار ارتفع من جديد، والخبراء يحذّرون من ارتفاعات كبرى في رمضان القادم، والحكومة لا تزال تقف عاجزة أمام غول الأسعار، فلا هي قادرة على خفض الأسعار ولا هي قادرة على توفير السلع عبر منافذها التابعة لوزارة التموين بأسعار مناسبة.

الاعتراف بالحق فضيلة لا يعرفها شريف إسماعيل وحكومته ولا من جاء به رئيسًا للوزراء، فالأزمة تكمن في عدم اعتراف المسؤولين بالعجز ووصول معاناة المواطنين إلى مدى بعيد (ربما يتمنّون أن تصل إلى أقصاها ويتخلّصون منهم نهائيًا)، وفي الوقت نفسه تصدّق الحكومة المُبجّلة ما تنشره وسائل الإعلام إياها عن الإشادات الدولية بحقّها، وكأن الجميع ينسى فجأة أن هناك دولًا كثيرة أشاد بخطوات الإصلاح بها صندوق النقد الدولي، دون أن يتوقع حجم المخاطر التي تمرّ بها تلك الدول، وانهيار اقتصاديات دول جنوب شرق آسيا في 1997 ليس ببعيد والذي لم تمنع حدوثه إشادة الصندوق بسياساتها الاقتصادية، ومأساة اليونان وغانا مع ديون الصندوق ليست ببعيدة هي الأخرى.

في كانون الثاني/يناير الماضي، أعلنت بعثة صندوق النقد الدولي أن قيمة الجنيه انخفضت أكثر من المتوقع أمام الدولار منذ قرار الحكومة بتعويم الجنيه آواخر العام الماضي، وفي نفس المؤتمر أكدت البعثة تحقيق مصر لتقدم ملحوظ في برنامج "الإصلاح الاقتصادي" وحاجتها لبعض الوقت لتحسين مستويات المعيشة لمجمل الشعب.

اقرأ/ي أيضًا: 5 دول تمنع استيراد سلع مصرية لـ"عدم صلاحيتها"

حينها، ارتفعت جوقة الأصوات المتفائلة من داخل معسكر النظام بشائعات ملأت الشوارع وتناقلتها ألسنة المواطنين عن انخفاض في أسعار السلع بحلول شهر آذار/مارس، وها قد جاء مارس ولم تنخفض أسعار أي شيء، بل سيكون على هؤلاء المواطنين ممن انتظروا تحقق الوعد المستحيل التأهب لمواجهة موجة قادمة من ارتفاع أسعار الخدمات والسلع المدعومة حكوميًا مع بدء العام المالي الجديد.

الحكومة المصرية غارقة في وحل سياساتها الغامضة والمرتبكة والمتهافتة، ليس لديها أي رؤية أو إحساس بما يحدث في الشارع

الحكومة المصرية تحلّق في سماء بعيدة، أو ربما تكون غارقة في وحل سياساتها الغامضة والمرتبكة والمتهافتة، ليس لديها أي رؤية أو إحساس بما يحدث في الشارع، فالتحسن الذي تتحدث عنه بياناتها يجب أن ينعكس ولو بشكل نسبي على المواطنين، هؤلاء الذين تركوهم فريسة لوحوش الأسعار والتضخم والتجار. هناك مصريون كثيرون لا يعرفون لماذا زادت أسعار كل شيء فجأة، يتعلّقون بأهداب وعود النظام و"صبيانه" من المنتشرين في الميديا والشارع، وينتظرون مجيء الفَرَج، لا تهمهم الإشادات التي تعلنها الحكومة ولا حيثياتها، كل ما يشغل بالهم هو البحث عن لقمة العيش ليحيا أبناؤهم وعوائلهم حياة كريمة أفضل من حياتهم.

هؤلاء المصريون ينتظرون أن تتحسّن أوضاعهم المعيشية خارج البيانات الرسمية، ينتظرون ولا يريدون من رئيسهم أن يخرج عليهم بعد فترة ليطالبهم بالصبر "كام شهر كمان علشان مصر"، فالوعود المُرسلة والعائمة لا تسمن ولا تغني من جوع، ثم إنه لا يصح أصلًا أن يطلق الرئيس المسؤول وعدًا ويربطه بمدى زمني محدد غير مدروس لحل الأزمة، ثم يطالب المواطن بالتحمُّل و"شدّ الحزام" من أجل عبور المرحلة وهزيمة "أهل الشرّ".

اقرأ/ي أيضًا:
لماذا لن يحل تعويم الجنيه الأزمة في مصر؟
خزائن مصر يصيبها الخوف من الإفلاس