لماذا نكتب عن سوريا؟

لماذا نكتب عن سوريا؟

لاجئون سوريون عند الحدود التركية - اليونانية (Getty)

قد يكون سؤال: لماذا نكتب عن سوريا؟ سؤالًا غير صحيح، إذ أن الكتّاب يكتبون دائمًا/ وينبغي لهم أن يكتبوا عن بلدانهم، خاصة عندما تتعرض بلدانهم لكارثة تهدد وجودها برمته. لكن السؤال يبدو صحيحًا وضروريًا إذا تذكرنا أن الكتابة عن سوريا لم تفد الناس بأي شيء، لم تمنع قتلهم، واعتقالهم، وموتهم تحت التعذيب، وهجرتهم، ونزوحهم... قبل كل ذلك لم تواسهم في مصاباتهم المتكررة والمستمرة. مع شعور لدى بعض الكتّاب ذوي الحساسية الإنسانية والوطنية أنهم جعلوا من آلام السوريين مادة لكتاباتهم، وعوضًا عن أن يشاركوا الناس نضالهم الثوري والتحرري وعذاباتهم فإنهم يكتبون عنها، وقد قال الشاعر العراقي بدر شاكر السياب مخاطبًا بورسعيد لدى تعرضها للعدوان الثلاثي: "أحسست بالذل أن يلقاك دون دمي/ شِعري، وأني بما ضحّيتِ أنتصرُ".

الكتابة التي تحلل وتستشرف مسارات سياسية للثورة وللحرب وللحدث السوري كاملًا أخفقت غالبًا منذ العام 2011 وحتى تاريخه

علاوة على ذلك فإن الكتابة التي تحلل وتستشرف مسارات سياسية للثورة وللحرب وللحدث السوري كاملًا أخفقت غالبًا منذ العام 2011 وحتى تاريخه، ولم يسبق لكاتب توقع مسارًا ما وصحّ توقعه إلا في حالات نادرة، أو شبه معدومة. فلماذا نكتب إذًا؟

اقرأ/ي أيضًا: السيادة الوطنية.. رخصة للقتل

لكن السؤال يبدو صحيحًا أكثر فأكثر في عصر الصورة والفيديو. العالم ينحو نحو أن يشاهد عوضًا عن أن يقرأ، وقد أثبتت الصورة والفيديو مقدرة باهرة على توثيق الحدث ونقله ونشره والتأثير في العالم جراء ذلك، الصورة تنقل الحدث لحظة وقوعه live فقد نقلت الثورة منذ اللحظة الأولى لانطلاقتها، نقلت تطورات الثورة ثم الحرب والقتل وتهديم البيوت وأماكن العبادة والنزوح واللجوء... كما نقلت ماجري في أكثر الأماكن توحشًا وسرية على امتداد الجغرافية السورية: المعتقلات، وثقت تعذيب المعتقلين وقتلهم وجثثهم، المثال الكبير هنا صور "قيصر"، رجل الأمن السوري الذي وثّق حوالي 50000 صورة لمعتقلين قضوا تحت التعذيب في سجون الأسد.

الصورة تنقل تفاصيل يهملها عادة المؤرخون: طفل وحيد أمام عائلته الميتة تحت الأنقاض، دموعه، صراخه، شهقاته، عيناه اللتان من خلف الدموع تضعان العالم أمام حقيقته العارية: عالم العار. أب يحمل جثث أطفاله بيديه ويدور على نفسه وفي الشوارع باحثًا عن معجزة لإعادة الحياة لهم. أم تبحث عن ابنها بين جثامين القتلى بصاروخ أو برميل متفجر.. تفاصيل ربما لا تهملها الكتابة الأدبية والشعرية والوجدانية لكنها، مهما ارتقت، لا تنقل معها أحاسيسها ومشاعرها وطزاجتها وحرارتها، الصورة تفعل.

الصورة والفيديو وثيقة الآن ووثيقة المستقبل، وقد حلت بجدارة محل الكتابة في التوثيق، فلماذا نكتب؟

كما أن الكتابة لم تمنع مجزرة وعذابات وتهجير. الصورة أيضًا لم تفعل ذلك. وكما أن الكتابة أخفقت مرة تلو المرة برسم مسار ما يمكن للحدث أن يتخذه، فإن الصورة أعفت نفسها منذ البداية من هذه  المهمة الشاقة أصلًا: الصورة لا ترسم مسارات. والصورة أيضًا لم تعلن عن نفسها كمستشرفة لما سيحدث على خلاف الكتابة التي طالما ادعت ذلك وحاولته.

فلماذا نكتب طالما أنه لا يوجد أفضلية للكتابة على الصورة، وطالما أن الأفضلية تعود للصورة على صعد كثيرة أهمها نقل الحدث مباشرة لحظة وقوعه، والتوثيق.

مع ذلك نكتب، مع ذلك ينبغي أن نكتب، ولسنا بحاجة للعودة إلى ما قاله الكتّاب عن أسبابهم للكتابة. نكتب لنكون شهودًا على جريمة يرتكبها بلا توقف نظام تعفيش القبور والبراميل المتفجرة والكيماوي، شهودًا على جريمة  مستمرة ويراها العالم مباشرة على الشاشات ووسائل التواصل والميديا ويشارك فيها بشتى الطرق.

نكتب لنكون شهودًا على جريمة يرتكبها بلا توقف نظام تعفيش القبور والبراميل المتفجرة والكيماوي

نكتب لأننا أصحاب قضية وعلينا أن نكتب باستمرار قضيتنا، نُظهر عدالتها والظلم الذي يقع عليها وعلينا كأصحاب قضية. نكتب عن قضيتنا بوصفنا أصحاب حق ويجب أن نُبقي حقوقنا حية وندافع عنها بكل شيء حتى بالكتابة، نكتب قضيتنا نحن كي لا يكتبها الآخرون حسب ميولهم وتوجهاتهم السياسية والأيديولوجية وغيرها... نكتبها بلساننا نحن، وبقلوبنا نحن، وبأقلامنا نحن، نكتبها في مواجهة التشويه والزيف والكذب الذي يفعله أعداؤنا وأعداء القضايا العادلة. نكتبها بلا توقف كي تبقى ما أمكن حية نابضة بحرارة تطلعنا لحلمنا، وبطزاجة دمائنا المهدورة.

اقرأ/ي أيضًا: السوري التائه

كذلك نكتب كي نعوّض ما أمكننا تلك الفضيحة الأخلاقية التي أقدم عليها "يوتيوب" و"فيسبوك" عندما حذفوا مئات، بل آلاف الفيديوهات والصور التي توثق مأساتنا ونضالنا من أجل الشرف والكرامة... ولم يزالوا يحذفون!

وربما نكتب أيضًا لنكون جزءًا من معركة الشرف العظيمة التي يخوضها السوريون منذ العام 2011 بلا توقف وبإصرار لا ينمحي ولا يكل.

الكتابة عن سوريا شاهد على انهيار فظيع للقيم الكونية التي ماتت لأجلها شعوب.

الكتابة عن سوريا مجاز عن دق الرأس في الجدار أيضًا، وعن العواء بالمقلوب في الشوارع.

أن تكتب عن سوريا يعني أن تقول للعالم: بيني وبينك أيها العالم دم السوري.

 

اقرأ/ي أيضًا:

نبش القبور.. محاولة فاشلة للتفسير

حملة بوتين على إدلب.. الخفايا والمآلات