لماذا مُنعت فرقة مشروع ليلى من دخول الأردن!

لماذا مُنعت فرقة مشروع ليلى من دخول الأردن!

مشروع ليلى, الأردن, عمّان, الموسيقى العربية, الرقابة, الحريات, أمانة عمان, المثلية الجنسية

ما إن أعلن عن إلغاء حفل فرقة مشروع ليلى في الأردن، حتى امتلأت صفحات مناصري الفرقة أو الغاضبين أو الرافضين لإلغاء الحفل، بصور لمغنيات في حفلات في الأردن، مع إشارات إلى لباسهن وأغانيهن، وتساؤل يبدو منطقيًّا، عن مبرر إلغاء حفلة مشروع ليلى لأنها غير مناسبة للقيم العامة، في حين تتواصل وتتالى الفعاليات الفنية التي لا تختلف عما يقدمه مشروع ليلى من فن، بل ربما هي أقسى في مخالفتها للقيم، التي ترد دوما وكأنها شيء ثابت ومتعارف عليه.

ما إن أعلن عن إلغاء حفل فرقة مشروع ليلى في الأردن، حتى امتلأت صفحات الرافضين لإلغاء الحفل، بصور لمغنيات في حفلات في الأردن

من البديهي أن هذا الرد إشكالي، فهو وإن كان يعرض للتناقض في الخطاب "القيميّ المحافظ"، ولكنه في الوقت نفسه، يعترف له بالسيطرة والسلطة بل ويرضخ له، ويمكن بسهولة المضي نحو "تطرف" أكبر والقول إن كل ما يجري من نشاط فني وترفيهي مرفوض أصلًا.

والسؤال هنا، لماذا تُلغى فعالية دون غيرها، وكيف تبرر جهات رسمية إلغاء فعالية بمبررات صالحة للاستخدام مع كثير من الأنشطة التي توافق عليه؟

اقرأ/ي أيضا: "مشروع ليلى" في ألبومها الجديد.. انحراف حاد

مهم هنا القول إن هذا ليس نقاشًا أردنيًّا فقط، بل هو يشمل معظم الدول العربية، ولا يمر شهر إلا ونسمع النقاشات نفسها في دول عربية أخرى، أو أجزاء منها. ولذلك فمحاولة الإجابة هذه ليست متصلة بالحالة الأردنية فقط.

ما يحدث في كثير من الأحيان متصل بالفعاليّة والحركيّة التي تتمتع بها حملات أو جهات، وقدرتها على تجييش الرأي العام، أو على الأقل تحريك وسائل التواصل الاجتماعي ضد قضية بعينها، بل ويصل الأمر إلى مستوى آخر، من رفع العرائض والخطابات للجهات المعنية، وفي أحيان كثيرة التلميح/ التهديد بنشاطات أوسع منها ما يكون الشارع مكانها.

السلطة في الغالب، أو ما نسميه الجهات الرسمية، تتعامل مع هذه القضايا بمنطق أبسط بكثير من وجود تصور لديها عن الحياة العامة وكيف تسير وتنظّم. الجهات الرسمية تختار الخيارات المريحة، فمثلًا، ضجيج وصخب الرافضين للفعالية أكبر من مناصريها والمطالبين بالإبقاء عليها، بالتالي فالقرار يكون بما يرضي الطرف الأكثر صخبًا أو تأثيرًا أو قوة.

الجهات الرسمية تختار الخيارات المريحة، فإن كان ضجيج الرافضين لحفل مشروع ليلى أعلى من ضجيج المطالبين به، فالقرار سيكون مع الإلغاء

لدينا مشكلة هنا، فالمطالبون بالإلغاء في حالات كحفل مشروع ليلى هم مدفوعون أصلًا بقناعة دينية أو مجتمعية، تُشعِرُهم بالواجب والمسؤولية المستمرة والشخصية إزاء نشاطات من هذا النوع، شيء يشبه قناعة المتدين أنه مُطالَب ومكلف شرعًا بدعوة الناس للإيمان، في حين لا يشعر الملحد، بأي رغبة أو واجب في دعوة الناس إلى الإلحاد، وبذلك تنتصر حركيّة المتدينين وفعاليتهم.

في مجتمعاتنا العربية، دعونا نستثني حالات خاصة مثل بعض التخوم في تونس ولبنان، لا يوجد من يعتقد أنه مسؤول ومن واجبه الدفاع عن حفلة لفرقة غنائية.

في الغالب تنتصر الحركيّة والفعالية بأشكالها التنظيمة البسيطة، خاصة إن لعبت على أوتار مجتمعيّة دينية، فأين ما نظر الداعي لإلغاء فعالية من هذا النوع سيجد مناصرين يعتقدون أنهم ملزمون بالوقوف معه، بينما المدافعون عن الفعالية الفنية بالكاد يجمعهم ما هو أكثر من حبهم للفرقة ورغبتهم بحضور أمسيتها، وإن كان هنالك تيار يتشكل يأخذ على عاتقه الدفاع عن المناخات "المنفتحة" فهو بالتأكيد لا يزال أضعف من تياره النقيض.

اقرأ/ي أيضا: مكادي نحاس.. الثقافة ليست من أولوياتنا

وبالعودة إلى تصرف الجهات الرسمية، فمهم فهم أنها ليست محافظة ولا منفتحة، هي في الغالب تراقب المشهد وتحسب المكاسب والأضرار، ترصد مناسيب الحنق في الفضاء الشعبي وتتخذ قرارًا، على قاعدة إرضاء من يسبب "وجع رأس أكثر". ألم تلغ أمانة عمان قبل فترة إفطارًا "مختلطًا"، ثم وتحت الضغط الإعلامي والشعبي عادت ووافقت عليه مع احتفاء واسع؟!

في مجتمعاتنا العربية، باستثناء حالات خاصة مثل بعض التخوم في تونس ولبنان، لا يوجد من يعتقد أن من واجبه الدفاع عن حفلة لفرقة غنائية

كلما زاد الضغط الشعبي صعدت القضية في مستويات صنع القرار، وما كان يمكن لمحافظ اتخاذ قرار بشأنه، قد يغدو من اختصاص رئيس وزراء. وبالتالي ففي الحالات الكثيرة التي تُسْكِت فيها الجهات الرسمية أي صوت معارض لنشاط ما، فإن الأمر متعلق بتأثير القوى المحركة للنشاط بالدرجة الأولى. مثلًا القوة الاقتصادية أساسية، ورجل أعمال وازن يمكنه الدفاع عن وجود ناديه الليلي وتسخير جهود هائلة لبقائه، أو لتنظيم حفلة لمايا دياب.

وعلى سيرة مايا دياب وصورها في مهرجان جرش، فهذه الصور تكرست، وعمليًّا هي نوع من "المفاسد" التي يتعايش معها المحتجون على مشروع ليلى، فجماهير رافضي الإخلال بالقيم السائدة، أيضا يحبون التجديد، ومشروع ليلى هدف جديد مثير يمكن التحميس ضده أكثر من مشاهد مكررة في المهرجانات الغنائية السنوية.

هل هنالك تدخل ما لشغل المجال العام بهذه النقاشات؟ ممكن، مع شك كبير بالأمر. هل الفرقة تقول شيئًا ذا محتوى سياسي يزعج جهات ما؟ ربما، ولكن سقفه أقل بكثير مما يُقال بسهولة في الأردن. هل لأن بعض أعضاء الفرقة مثليّون؟ وارد جدًا، هذا موضوع ساخن ومثير ويسهل تجييش الرأي العام ضده، هنا نفهم أن طول فستان نانسي عجرم بل قصره، صار شيئًا مكررًا ولا يثير ضجيجًا.

اقرأ/ي أيضا:

أسرار الرقيب الأردني

هجاء الفنّ الهابط