لماذا لن يحل تعويم الجنيه الأزمة في مصر؟

لماذا لن يحل تعويم الجنيه الأزمة في مصر؟

جدل تعويم الجنيه متواصل(Getty)

أعلنت الحكومة المصرية في خطوة غير مسبوقة، تعويم الجنيه المصري، والسماح للسوق بتحديد أسعاره وفق معادلات العرض والطلب، مع وضع سعر مبدئي وهو 13 جنيه مقابل الدولار، والسماح للبنوك بزيادة وتخفيض 10% حول السعر المحدد.

خفضت العديد من دول العالم سابقًا في قيمة عملتها الوطنية كسياسة اقتصادية لحل الضعف الاقتصادي ونزوح رؤوس الأموال

منذ 30 عامًا تقريبًا، اجتمع قادة الخمس دول الصناعية الأكثر ثراء في العالم، لبحث أزمة ارتفاع قيمة الدولار الأمريكي، وما ترتب عليه من تضخم واسع وقلة الإقبال على المنتج الأمريكي. توصل هذا الاجتماع، الذي عقد في فندق بلازا بنيويورك، بحضور ممثلين عن الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا واليابان وألمانيا الغربية، لما تعرف بـ "اتفاقية بلازا"، التي نصت على العمل لتخفيض قيمة الدولار، والسماح لأمريكا بمعالجة الركود الاقتصادي والعجز في الموازنة، الذين باتا أمرًا مهددًا للاقتصاد الأمريكي، وكذلك مواجهة الآثار السلبية الناجمة عن الواردات اليابانية بالأسعار الرخيصة، التي كانت مفضلة داخل أمريكا حتى على المنتج المحلي.

اقرأ/ي أيضًا: تعويم الجنيه المصري.. خلفيات ونتائج القرار

ومع قدوم أكبر عاصفة مالية هزت العالم منذ الحرب العالمية الثانية في 2008، حاول قادة العالم إيجاد آلية تسمح بمنع السقوط المدوي للتجارة العالمية، وفي تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه، اجتمع قادة دول العشرين في واشنطن لترتيب أوراقهم لوضع حد لهذه الأزمة، وخرجوا في بيان نهائي بأنهم لن يتدخلوا وسيتركون الوضع للسوق من أجل إنعاش الاقتصاد، لكن هذه السياسات قد فشلت.

غير أن الدول الناشئة، وعلى رأسها الصين، تمكنت من إخراج الاقتصاد العالمي من هذا الركود، باتباع سياسات مالية جديدة، وهي تدخل البنوك المركزية وضخ أموال كبيرة للسوق بأقل فائدة عرفها التاريخ ما ترتب عليه خفض قيمة العملة لتعزيز الاستثمار والتنافسية فيما عرف بسياسة التسهيلات الكمية "Quantitative easing" ، تلك السياسة التي بدأت أمريكا والمملكة المتحدة ثم اليابان ومنطقة اليورو في اتباعها بمنتصف عام 2009 لمواجهة الأزمة، إضافة إلى إجراءات لتخفيض قيمة العملة بنحو 20% في المتوسط.

وفي 27 أيلول/سبتمبر 2010، اتهم وزير المالية البرازيلي، جويدو مانتيجا، الولايات المتحدة بشن "حرب عملة" أو "حرب التعاملات التجارية"، ضد البرازيل بعد قيامها بتخفيض قيمة الدولار، الأمر الذي أدى إلى تعزيز التنافسية الأمريكية في السوق البرازيلية.

حرب العملات

حرب العملات هي معركة اقتصادية أطلقتها العديد من دول العالم من أجل تحقيق أكبر قدر من التنافسية، من خلال سياسات اقتصادية تسمح بخفض قيمة عملتها الوطنية بالمقارنة بباقي العملات الأخرى، وهو ما يسمى اقتصاديًا بـ "التخفيض التنافسي"، وقد لجأت العديد من الدول والحكومات على مدار عقود طويلة لاستخدام "تخفيض العملة" كسياسة اقتصادية وحل للتباطؤ الاقتصادي ونزوح رؤوس الأموال.

لجأت العديد من الدول إلى هذه التجربة، بل أن الكثير من الدول تفضل أن تبقى عملتها منخفضة ولا تتردد للتدخل إذا لزم الأمر لمنع ارتفاع قيمة عملتها، رغم أن اقتصادها يتمتع بقوته ومكانته في التجارة الدولية، وعلى رأس هذه الدول، الصين، وروسيا وسويسرا والبرازيل.

ومن الدول أيضًا، اليابان، ثالث قوة اقتصادية في العالم والتي قامت بإسقاط جديد لقيمة الين في منتصف العام الجاري، من أجل إخراج اقتصادها من حالة الجمود بعد 20 عامًا من تراجع النمو وانخفاض الإقبال على منتجاتها، وهو التخفيض الثاني منذ مجيء رئيس الوزراء الحالي شينزوا آبي.

اقرأ/ي أيضًا: بعد الدولار.. سوق سوداء لـ"علب الدواء" في مصر

مغامرة

يشكل الإقدام على هذه الخطوة، أمرًا يشبه المغامرة، لاسيما في الدول التي تعاني من أزمات اقتصادية، إذ أن التضخم سيقفز في اليوم التالي للتخفيض لأعلى معدلات له، كما سترتفع الأسعار بشكل جنوني وما يتبعه من صعوبة السيطرة على السوق المحلي، وهو ما قد يتسبب في تمردات اجتماعية. غير أن دولًا أخرى ترى الأمر علاجًا لاقتصادها المتدهور والتضخم المتزايد، ويمكن هنا النظر إلى التجربة البرازيلية في نهاية تسعينيات القرن الماضي، حينما كانت تعيش أكبر أزمة اقتصادية.

في عام 1994، عانى البرازيليون، الذين كان يعيش نصفهم تحت خط الفقر، من تضخم هائل وغير مسبوق، وارتفعت الأسعار بواقع 50% كل شهر، الأمر الذي جعل وضع حد لهذا التدهور أمرًا حتميًا، بتغيير العملة، وبالفعل تم صك الريال الجديد، وحددت قيمته بـ 1 دولار.

وعلى الرغم من أن تغيير العملة قد تسبب في تحسن الوضع بعض الشيء وانخفاض التضخم، إلا أنه كان بمثابة حل مؤقت، إذ تدهور الوضع بعدها بأعوام قليلة، وارتفع التضخم مجددًا إلى 25% سنويًا، وزاد الدين العام، واضطرت الحكومة إلى خصخصة الشركة العامة للمعادن بقيمة 3.14 مليار دولار لسد جزء من الدين ودعم مشروعات بنية تحتية، وجراء تفاقم الأزمة تدخل صندوق النقد الدولي في تشرين الثاني/نوفمبر 1998 وأقر قرضًا بقيمة 41.5 مليار دولار، وهو أعلى قرض في تاريخه، بعد التأكيد بأن البرازيل تبنت الإصلاحات المطلوبة، وهي الخصخصة وتقليل الإنفاقات.

ولجأت البرازيل لعدد من التدابير الاقتصادية، جعلت المواطنين يكافحون يومًا بعد آخر ضد صعوبات المعيشة والكساد، ففي كانون الثاني/يناير 1999، أعلن البنك المركزي البرازيلي فك ارتباط الريال بالدولار الأمريكي، تلاه مباشرة قرار بتخفيض قيمة العملة بـ 8.3% قبل أن تقرر الحكومة "تعويم العملة".

وجراء هذه السياسات الاقتصادية، ارتفع التضخم مباشرة بنسبة 10%، لكن الاقتصاد حقق نموًا طفيفًا بواقع 0.5% في العام الأول، في حين ظل الدين العام 50% من الموازنة. غير أن هذا التضخم تراجع 1% فقط في العام التالي، ووصل النمو إلى 4.2%، وانخفض الدين العام بقيمة 46.95%، وزاد الإنتاج الصناعي بنسبة 6.5%. وفي عام 2001، تمكنت البرازيل من تخطي الأزمة الاقتصادية متبعة سياسات جديدة مثل إعادة توزيع الأراضي ومساعدات لتوطين أسر الفلاحين، في الوقت الذي انخفض فيه التضخم إلى 7%.

وخلال الأزمة المالية في 2008، كان الريال البرازيلي أول الناجين من بين العملات، لاسيما مع التدابير الاقتصادية الجيدة خلال حكم لولا دا سيلفا، وقد أدى النمو الكبير في العامين التاليين إلى ارتفاع مفاجئ في قيمة الريال بنسبة 49%، مما أجبر السلطات في 19 تشرين الأول/أكتوبر 2009، للتدخل وفرض ضريبة بنسبة 2% على رؤوس الأموال لوقف الصعود.

تخفيض مصر لقيمة الجنيه

جاء تعويم العملة في مصر دون أي ظهير لحماية الطبقات السفلى، ليصبح مصيرها في يد رجال الأعمال والبنوك التي ستتحكم في أسعار الدولار

في الحقيقة، تشكل العملة الضعيفة بالمقارنة بباقي العملات، سببًا تحفيزيًا للتصدير من الدولة التي تستخدم هذه السياسات إضافة إلى أنها تغير من طبيعة القوة الشرائية الداخلية، فالاستيراد يصبح غال جدًا وباهظ التكلفة، الأمر الذي يدفع المستهلك للتوجه للمنتج المحلي، وبالتالي يتحول تخفيض قيمة العملة إلى ما يشبه شكلًا من أشكال الحماية الاقتصادية الداخلية، وفي النهاية تتنامى الصناعة الداخلية بالتدريج، وهو ما يوازيه نمو اقتصادي واستهلاك ووظائف ودخل عام، وبالتالي فإن الدول التي تلجأ إلى تخفيض قيمة عملتها بشكل فردي أو بقوة، تعزز من اقتصادها بالمقارنة بباقي الدول، ولكن هل هذا من الممكن أن يتحقق في مصر؟.

ولكن هناك عوامل أخرى تحكم النمو الناجم عن تخفيض العملة، وعلى رأسها نوعية المواد التي تستوردها الدولة التي تلجأ إلى هذه المغامرة، والتي سترتفع أسعارها بشكل كبير، فإذا كانت موادًا ثانوية، فهذا لن يشكل خطورة اقتصادية لأن جزءًا من المواطنين قادر على الاستغناء عنها جزئيًا طبقًا لتغير القوى الشرائية، لكن الأزمة لدولة مثل مصر تكمن في أنه على رأس الواردات، الاحتياجات الضرورية للشعب، مثل القمح. فمصر الأولى عالميًا في استيراده، كما أنها تحتل الصدارة في استيراد احتياجات أخرى مثل الأرز والسكر، وبالتالي، فإن ارتفاع السعر سيصيب أولاً الاحتياجات الضرورية، مع عدم توفر إمكانية تقديم هذه الاحتياجات عبر المنتج المحلي.

خلال العقد الأخير، لجأت مصر إلى تخفيض العملة عدة مرات، وتسارعت هذه الحركة منذ مجيء الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي بواقع تخفيض وصل إلى 40% تقريبًا، ولكن المراقب للأزمة الاقتصادية يجد أن التخفيض لم يحل ولو جزئيًا الأزمة الاقتصادية ولم يساهم في تحقيق نمو أو جذب الاستثمار، بل على العكس، تزداد الأسعار بشكل جنوني وتفقد الدولة قدرتها على السيطرة على السوق الداخلية.

معادلة تعويم العملة أيضًا ينبغي أن تجابهها سياسات دعم من الحكومة للطبقات الفقيرة والمتوسطة لحمايتها من بعض تبعات ما بعد سقوط العملة، لاسيما وأن التضخم سوف يقفز بشكل جنوني، كما سترتفع الأسعار دون أي سيطرة. وقبل قدوم الرئيس الحالي، كان هناك دعم بالفعل يوفر بعض الحماية لهذه الطبقات، ولكن بدلًا من زيادة هذا الدعم تمهيدًا للتعويم، لجأت الحكومة لرفعه كله تقريبًا، بل وفرضت ضرائب على غالبية المنتجات، أتبعها ضريبة القيمة المضافة التي فاقمت الأسعار، وبالتالي جاء تعويم العملة دون أي ظهير لحماية الطبقات السفلى، ليصبح مصير هذه الطبقات في يد رجال الأعمال والبنوك التي ستتحكم في أسعار الدولار وبالتالي حياتهم!.

على الرغم من الإشادة الدولية التي تبعت قرار تعويم الجنيه المصري، ورؤية المحللين الأجانب أن هذا التخفيض ضروري لإنعاش الاقتصاد المصري نظرًا للميزة التنافسية للعملات الضعيفة، إلا أن هذا لا يعني أن التجربة تنجح في كل الدول التي تطبقها، فهناك دول على العكس، جازفت بكل شيء وسمحت بتعويم العملة، وانتهى بها الحال إلى أسوأ مما كان، نتيجة التقدير السيء وسوء إدارة فترة ما بعد التعويم، ومن بين هذه الدول نيجيريا، التي لم يتسبب تخفيض عملتها في جذب أنظار المستثمرين، وعلى العكس ارتفعت السوق السوداء أكثر من قبل وتآكل الاحتياط النقدي الأجنبي إلى 23.8 مليار دولار بعد أن فقدت العملة أكثر من 38% من قيمتها.

مؤشرات انتهاء التجربة المصرية على نفس النهج النيجيري هي الأقرب للأسباب السابقة، إضافة إلى أنه يبدو أن الحكومة ليس لديها استراتيجية على الأرض، سوى من خلال الضرائب وفرض المزيد من الضغوط على المواطنين، على الرغم من أنه يمكن الاستفادة من تجارب الدول الناشئة الأخرى التي مرت بنفس الظروف واستطاعت أن تفرض نفسها على الساحة الدولية، مثل الصين والبرازيل والهند، لاسيما سياساتها في دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، التي باتت تشكل الركيزة الأولى لاقتصادها.

وحتى الإتحاد الأوروبي، الذي يعتبر نموذجًا اقتصاديًا، تشكل المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر فيه 98.7% من مجموع المشروعات، لاسيما لقدرتها على احتواء النسب الضخمة من البطالة وزرع عقلية الاعتياد على العمل الحر، وهو ما لا تتوصل الحكومة في مصر إلى فهمه حتى الآن، في ظل التمجيد الكبير للمشروعات العملاقة لتخليد سيرة المشير.

اقرأ/ي أيضًا:

محمود محيي الدين.. رئيس حكومة مصر المرتقب!

جدل إغلاق شركات الصرافة في مصر