لماذا لن تحدث حرب أهلية في تركيا؟

لماذا لن تحدث حرب أهلية في تركيا؟

مشهد انتخبابي في اسطنبول (أ.ف.ب)

في منتصف آب/أغسطس الفائت، دخل تحالف يشمل غالبية النقابات العمالية في مفاوضات شاقة مع وزارة العمل والأمن الاجتماعي حول موضوع رفع رواتب العمال والموظفين والمتقاعدين في تركيا. جرت هذه المفاوضات في أعقاب الانتخابات البرلمانية الأخيرة، التي صبت نتائجها، غير الحاسمة، الزيت على نار أجواء الاستقطاب الاجتماعي والسياسي والأيديولوجي المخيمة أصلًا على الساحة التركية. بمرور حوالي عشرة أيام من هذه المفاوضات، توصل الطرفان إلى اتفاق نهائي يحدد مقدار وكيفية تنفيذ زيادات الرواتب لعامي 2016 و2017.

تجدر الإشارة هنا، إلى أن معظم أعضاء هذا التحالف، كاتحاد نقابات "كسك" على سبيل المثال، يُعدّون من أشد التنظيمات الاجتماعية يسارية ومعاداة للحكومة التركية، وأن وزارة العمل يتبوؤها فاروق جليك أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية المحافظ الحاكم، والخريج من المدارس الشرعية التركية في مدينة بورصا.

يعد البرلمان التركي الساحة الأساسية الكبرى للصراع السياسي

مناسبة ذكر هذا الخبر هي الكم الهائل من التحليلات والتقارير في الصحافة العالمية والتركية التي تتحدث عن احتمالية نشوب حرب أهلية في تركيا بعد تجدد اشتعال فتيل الصراع المسلح بين قوات الأمن التركية وحزب العمال الكردستاني، تشير بغالبيتها إلى هذه الاحتمالية بسبب تصاعد تفاعلات طموحات رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان السلطوية، والتي فشل في تحقيقها عبر الانتخابات من جهة، والنجاح السياسي لحزب الشعوب الديمقراطي المحسوب على الكرد في تركيا في الانتخابات نفسها من جهة أخرى. هذه التفاعلات التي أخذت منحًا مسلحًا وأظهرت تطورًا نوعيًا فارقًا لصالح قدرة حزب العمال الكردستاني العملياتية في إلحاق الأذى بالقوات التركية، خاصة  بعد نقله الصراع من المناطق الجبلية النائية إلى قلب المدن والبلدات والتجمعات الحضرية الأخرى.

أنموذج هذا الصدام حاليًا هو مدينة "جيزرة" جنوب شرقي البلاد، التي أعلنت فيها تنظيمات محسوبة على العمال الكردستاني حالة من الإدارة المحلية الذاتية من طرف واحد، والتي جوبهت بردة فعل عنيفة من قبل قوات الأمن الحكومية، نجم عنها سقوط ضحايا مدنيين.

إلا أن الآراء التي ترى باحتمالية تحول الصراع الدائر حاليًا إلى حرب أهلية، تغفل أهمية العديد من العوامل التي تقلل من نسبة هذه الاحتمالية بشكل كبير، وإن كانت لا تنفيها مطلقًا. أحد هذه العوامل هو متانة أجهزة ومؤسسات الدولة البيروقراطية المجردة، التي لا تترك مجالًا كبيرًا للعنصر البشري أو الحزبي لتسييسها أو استغلال وظيفتها. ففي حين كان العراك السياسي على أشده بين الشعوب الديمقراطي والحكومة التركية، وكانت العديد من البلدات تعيش ظروفًا أمنية ساخنة، شهدت قاعة "رشات مورالي" المكيفة في وزارة العمل الإعلان الرسمي عن الاتفاق بين النقابات والوزارة، والذي كان للنائب البرلماني عن حزب الشعوب أحمد يلدرم دورًا محوريًا في دعم تكتلاتٍ من النقابات المفاوِضة إلى  المساهمة التشريعية في هندسة الاتفاق بشكله النهائي.

من جهة أخرى، ما تزال المؤسسات العدلية الكبرى كمحكمة التمييز العليا "اليارغتاي" ومجلس شورى الدولة "الدانشتاي" والتي تنظر في أخطر وأهم الخلافات، تدار من قبل موظفين بيروقراطيين تكنوقراط وإن وجد لبعضهم ميول سياسية ما.

أما تشريعيًا، فالبرلمان التركي الذي ينتخب بصورة دورية ما يزال، حتى في خضم الأزمة الحالية، يعد الساحة الأساسية الكبرى للصراع السياسي، لا المسلح، بين جميع الأحزاب التركية الممثلة فيه. هذا ناهيك عن إغفال دور المؤسسة العسكرية، حتى بعد إخصائها من الأتاتوركية الذكورية، التي ستكون لها اليد الطولى لمنع انزلاق البلاد إلى أي صراع أهلي مستقبلي إذا ما فشلت السياسة والقضاء والتشريع في تحقيق هذا المنع.

الولاء الشعبي التركي للجيش وفكرة الدولة قد يكون منقطع النظير. فمَن مِن المقيمين الأجانب في تركيا لم يتفاجأ بحفلات الموسيقى والرقص والزمر، التي تبدو كأعراس، في متاهات أزقة الأحياء الشعبية التركية احتفالاً بالتحاق أحد شباب الحي بالعسكرية. ومن لم يرَ مئات الآلاف، إن لم تكن ملايين، من الأعلام التركية النظيفة والمكويّة على المحلات والأسواق وشرفات المنازل وحتى السيارات. فمهما تطور الصراع المسلح بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني، سيبقى من الصعوبة بمكان خروج هذا الصراع من إطار قتال بين جيش نظامي يحظى بدعم شعبي واسع، أياً كانت الحكومة، وبين مليشيا مسلحة نشطة في مناطق جغرافية محددة، ولا تحظى بدعم جميع سكان هذه المناطق.

صحيح أن تطورًا كهذا سيرسخ الاستقطاب المجتمعي والعرقي بين الكرد والترك في تركيا، وستكون له نتائج سلبية في شتى المناحي، خاصة على الاقتصاد الذي يعد أحد عوامل الاستقرار، إلا أن هذه الأزمة مهما تعقدت وتشعبت ومهما فشلت السياسة في حلها لن تنتهي إلى حرب أهلية شاملة، بل قد تنتهي إلى حرب عصابات، كأسوأ احتمال، لن يؤثر كثيرًا في السياق الحياتي الخدمي والاقتصادي والثقافي الاعتيادي في البلاد.

بالطبع، الالتجاء إلى الجيش كوسيلة أخيرة لحل الأزمات السياسية سيشكل نكسة للممارسة الديمقراطية في تركيا، لكنه، إلى جانب أجهزة الدولة الأخرى، يبدو وكأنه أحد الضمانات الفاعلة والقادرة على منع انجرار تركيا إلى حرب أهلية أو أزمة حكم على غرار الأمثلة العديدة من دول المنطقة العربية حيث تستقي التحليلات الصحفية الآنفة ذكرها قياساتها منها.

قد لا يحتاج الأمر إلى تدخل الجيش أبدًا، بل قد تتم معالجة الأزمة الحالية سياسيًا. فدعونا لا نتفاجأ إن شاهدنا على شاشاتنا، بعد عدة أشهر، صورًا لشخوص طرفي الصراع، حزب العدالة والتنمية وحزب الشعوب الديمقراطي المرتبط بالعمال الكردستاني، إلى جانب التيارات السياسية التركية الأخرى، وهم منغمسون بمباحثات لتشكيل حكومة أو سنّ قانون أو إجراء تعديل دستوري.

إن مثال المفاوضات بين النقابات والحكومة، الوارد أعلاه، وعلى عدم خطورته مقارنة بالصراع بين العمال الكردستاني والحكومة التركية، يمثل واحدًا من الكثير من الأمثلة اليومية التي تحدث في تركيا حيث تكون المؤسسات والعرف المؤسسي، المرسخ في تركيا على مدى عقود، المكان الذي يتم فيه عقد التفاهمات واحتواء الخلافات ومنع تطورها إلى شرارات أزمات خطيرة.