لماذا لا يحب

لماذا لا يحب "الإخوان" عبد الله بن مسعود

ميدان رابعة العاشر من آب/أغسطس 2013 (Getty)

في أوائل الألفية الثالثة، كان "الإخوان المسلمون" في مصر قد وصلوا إلى ذروة نجاحهم في إشاعة نسختهم الخاصة من فهم الدين الإسلامي، والتي تعطي إطارًا سطحيًا وبراجماتيًا للتوفيق بين الإسلام والحداثة، وكان جمهورهم الأساسي من الطبقات الوسطى، حيث جيل جديد مضطرب وفاقد الثقة في النفس وفيما حوله وبالأخص الدولة التي سحبت يدها من الاقتصاد بدعوى حرية السوق وعدم التدخل، وأبقت يدها الأخرى في السياسة تبطش وتقمع بها أعداءها وأعداء برجوازيتها الكومبرادورية، ومن ثم فقد قررت الدولة أن تحترم حرية السوق وتدهس حرية المواطن. 

في أوائل الألفية الثالثة، كان "الإخوان المسلمون" في مصر قد وصلوا إلى ذروة نجاحهم في إشاعة نسختهم من فهم الإسلام

كان قوام هذا الجيل من أبناء العائدين من الخليج بمدخرات تسمح لهم بالتنفس، لكن لا تسمح بالانضمام إلى نادي البرجوازيين المصريين؛ إنه جيل أكثر انفتاحًا على الغرب وسلعه، جيل يحمل صراعًا مؤرقًا بين الأحلام "المستوردة" والأحلام "الأصيلة". بعد ذلك بسنوات قليلة بدأت أعداد كبيرة من هذا الجمهور بالانسحاب تدريجيًا؛ لتشكل ببطء نواة أفكار جديدة نظرت للعلاقة بين الأحلام المستوردة والأحلام الأصيلة نظرة جديدة غير تلك التي تلقنوها في مساجد الإخوان، لكن بلا شك عودة قصيرة إلى تلك التلقينات الآن ستكون مفيدة وكاشفة.

كان دعاة الإخوان حينذاك والسائرون على دربهم محترفون للغاية في تصدير وهمٍ مفاده أنهم مبشرون بمسيح اقترب ظهوره للغاية؛ مسيح متخفي داخل الجموع التي تجلس أمامهم، وعلى المستمع أن يفهم كونه هو نفسه مسيحًا محتملًا للغاية، مسيحًا سيحرر الأقصى ويقيم الخلافة ويحكم بالشريعة، المسيح الذي ستكون مملكته في الأرض لا في السماء، والذي يجيد التحدث بأكثر من لغة أجنبية، المتفوق دائمًا على أقرانه في كل شيء وغير مسموح له بالخسارة، رياضي، جذاب، أنيق، ينظم حياته على طريقة دجالي التنمية البشرية المتأثرين بالمدرسة السلوكية الأمريكية. كما على هذا المسيح المنتظر أيضًا ألا يقع في الحزن وإذا تعرض له فليهرول مسرعًا إلى كتب التنمية البشرية لكي تخبره بأنه ينبغي عليه ألا يحزن، فالمسيح في تلك الحالة جسورًا لا يعرف الضعف ولا الهوان، يعيش على الطريقة الأمريكية، جوهره رأسمالي يرتكز على مفهومي الحظ والاستحقاق.

وفي هذا الطور من الانتظار للمسيح ستكون رواية سير أشخاص من أمثال خالد بن الوليد وصلاح الدين الأيوبي ومحمد الفاتح وعمرو بن العاص بعد رسمها أيديولوجيًا، واقتطاع أجزاء كبيرة من قصتها الحقيقية بما يتناسب مع التصور الحداثي البروتستانتي للحياة ولأبطالها، هي خير مؤنس ومحفز لجمهور الْمُخَلِّصين المنتظرين، وسيكون ذكر شخص مثل الصحابي السباق ضعيف البنية دقيق الساقين الشجاع عبد الله بن مسعود، رغم أنه يحتل مكانة في السردية الإسلامية أكبر بكثير من مكانة المنصرم ذكرهم، ذكرًا هامشيًا ويكاد يكون منعدمًا، وسينحصر ذكر صحابي مناضل مثل أبي ذر الغفاري على قصة رغبته في الولاية التي رفضها النبي لأنه رجل ضعيف، وبالتالي سيكون الاضطرار لذكر أبو ذر نابعًا من الحاجة للتأكيد على أن المسيح القادم لا بد أن يكون قويًا جسورًا وعليه أن ينتصر في مسابقة الاستحقاق. وبالطبع لم يخطر في بال أحد من هؤلاء الدعاة سؤال: "لماذا لا يكون ذاك المسيح المفترض فردًا واحدًا يقود الجموع لتحرير الأقصى، لماذا لا تكون الجموع نفسها هي المسيح؟".

لا يحب الإخوان أن يكثروا من ذكر عبد الله بن مسعود، لأنه يذكرهم بأن هذا الدين أول من ناصره كانوا الضعفاء

يلقي الدكتور (ع.ع) في كتابه "تراث العبيد في حكم مصر"، وهو عالم اجتماع مصري، أخرج هذا الكتاب الهام في تسعينيات القرن الماضي لكنه رفض وضع اسمه عليه واستعاض عنه باسم (ع.ع)، الضوء على التحول الكبير الذي جرى في جماعة الإخوان المسلمين بمصر نتيجة الظروف القاسية التي تعرضت لها في خمسينيات القرن الماضي فيلاحظ أن "الجماعة كانت ذات عباءة واسعة أيام حسن البنا الذي كان به مس صوفي رقيق، بحيث قبل الإخوان بينهم في البداية حتى شاربي الخمر بأمل إصلاحهم، لكن تدريجيًا ومع الظروف القاسية ومع كل مرة يأتي مس بالحلم الذي لا يتحقق تصبح الجماعة أكثر فأكثر باحثة عن السوبر مان لتضمه إلى صفوفها".

هم ببساطة لا يحبون أن يكثروا من ذكر عبد الله بن مسعود؛ لأنه يذكرهم بأن هذ الدين أول من ناصره كانوا الضعفاء، لم يكن أول من ناصره هم رواد الأعمال، ولا من يجيدون التحدث باللغات الأجنبية ولا السوبر مان، يذكرهم ابن مسعود بهشاشة وتفاهة تصوراتهم عن التاريخ وبضحالة وعيهم المخترق بالداروينية الاجتماعية، ومن هنا تكون مرحلة ما بعد الثالث من تموز/يوليو 2013 مرحلة شديدة الأهمية بالنسبة للإخوان المسلمين، فهي تمثل الشك الضروري واهتزاز الثقة بالنفس، وإعادة التفكير حول الفترة الطويلة التي كرسوا فيها لاحتقار الضعف الإنساني وانتظار السوبر مان الذي لا يأتي أبدًا.

اقرأ/ي أيضًا:

روزخونات العراق

الصور النمطية.. بين هدر الواقع ومسخه