لماذا لا يجب تعريف التفكيكية؟

لماذا لا يجب تعريف التفكيكية؟

جاك دريدا

تساؤلات مُلِّحة

هل نحن بِصدَدِ تأويلِ النصِّ الدريدي، أم بصدَدِ التأويل بالنصّ الدريدي؟ أين مكمن الأولوية ضمن السؤالين؟ مبرّر الاستفهام القلِق، هو: ما الذي فهمناه من التفكيكية حتّى نكون قادرين على التحدّثِ عنها؟ أو القراءة بها؟ وهل بلغنا درجة من الفهم تُمكّننا – على الرغم من التباسات هذا الشيء الذي يُسمّى تفكيكًا – من تفكيك نصوصنا العالِمة والعارفة والرمزية؟ ولنتفق – مجازًا وجوازًا بإمكانية فعل التفكيك في أفق تفكيرنا العربي والجزائري – فما الذي يمكن تفكيكه؟ أليس التفكيك هو تدمير للمنظومات المعرفية واللغوية التي أسّست لميتافيزيقا هي بمثابة رؤية متعالية تقف فوق التاريخ؟ وهل نملك شيئًا يسمى ميتافيزيقا حتى نفككه؟ أو بتعبير أكثر ليونة: هل نملك نظامًا ما للوجود يصلح للتفكيك؟ التاريخ؟ المقدس الديني؟ الهوية؟ اللغة العربية؟... إلخ. وكيف نفكك واقعًا، ننتمي إليه، هو في الأصل مفكك؟

أليس حريًا بنا أن نتوخى الحذر في أن نكون تفكيكيين قدر الإمكان؟ التفكيك هو ألا تكون تفكيكيًا

إذا تتبعنا ما يُكتب عربيًا عن دريدا، وعن تفكيكيته، ننتهي إلى الخلاصة التالية: أنّنا لم نخرج بعد من عتبة تفسير التفكيكية ومفاهيمها، في حين، نادرة هي الكتابات التي مارست التفكيك على نصوصنا الفكرية والأدبية، وعلى واقعنا المفكّك في الأصل. وعلى ندرة ذلك النص التفكيكي العربي، تسقط أغلب الكتابات حول التفكيك في تناقض خطير، أعتبره شخصيًا، نفيًا للتفكيك ذاته؛ وهي ادعاء أنها فهمت التفكيك: ألا تصب هذه الكتابات في هدف التعريف بالتفكيك، وبالتفكيكية، وهي محاولة للتأطير النظري الذي ينتفي وجوهر التفكيك نفسه الذي هو نسف وتدمير للنظام وللنظرية، بل إنها تتأسس كتفكير بالاستعارة وليس بالمفهوم؟

اقرأ/ي أيضًا: "موت المؤلّف".. الحميميّة في مقابل النظريّة

أليس حريًا بنا إذًا أن نتوخى الحذر في أن نكون تفكيكيين قدر الإمكان؟ التفكيك هو ألا تكون تفكيكيًا. هذا هو مانفستو دريدا نفسه، وهو يعرّف التفكيك على نحو مراوغ، وعلى نحو غامض، وكأنه يستدرجنا نحو منطقة زلزالية في جوهرها.

يهمني بالأساس أن أعي بهذا التحدي: هو كيف أتجنب أن أكون تفكيكيًا؟

ثمة جملة حذرة كتبها الباحث الجزائري الجاد محمد بكاي – وهو أحد المتخصصين في كتابات دريدا – قال فيها:  سيكون التأويل أو مُحاولة فهم الفسيفساء الدريدية نداء في فراغ أو زجاجة في البحر"

ألا يبدو رهان الفهم رهانًا خاطئًا؟ أقصد فهم التفكيك نفسه. ثمّ الفهم بشكل عام. اللعبة الخطيرة تدور حول فكرة "استحالة الفهم"، وهذه الاستحالة تعني أنّ أفضل طريقة لفهم التفكيك هو عدم فهمه "صرخة في فراغ": ما الفراغ؟ السؤال مريب جدًا.

التفكيك واللعب: أو كيف نصنع العدمية

تطرح التفكيكية رؤية عدمية للنص، وللنصية. بحيث أنّ النص التفكيكي هو نص منزوع البنية، أو فاقد لها،  من هنا تكون التفكيكية قد أعادت صياغة مفهوم النص متجردًا من اتساقيته وانسجامه. ومن جهة أخرى، فإنّ زحزحة بنية النص، هو إزاحة مزدوجة للقصدية الممكنة فيه.

فيزيائيًا، يؤدي تفكيك النواة (البنية الأولى) إلى انفجار نووي عظيم، وهذا تحديدًا ما يحدث داخل النصوص، حين تفكك بنيتها، إذ يقع انفجار دلالي غير مسبوق، إذ تكتسي الدلالة طابعًا انفجاريًا. وانفجار الدلالة في النص، يعني لا نهائية المعنى، واستحالة المعنى نفسه!

العدمية تكمن ههنا، في تحرير المعنى من سلطة البنية، ومن سلطة القصد، وانفتاحه على أفق لانهائي. هنا يجب التفريق بين تعددية المعاني وبين لا نهائيتها؛ وهذا له أصل في فلسفة التصوف اليهودية.

إنّ مانفستو دريدا هو أنّ كل القراءات خاطئة! ما معنى أن تكون القراءات جميعها خاطئة؟ ألا يعني هذا أنّ هدف التفكيك هو استبعاد كل الإمكانيات المتاحة لأجل قراءة صحيحة؟ نفهم أنّ القراءة الصحيحة هي مجرد وهم، لأنها تتشبث بمصدر واضح الهوية والوجود، وبأصل متعالي يفرض المعنى. القراءة الصحيحة هي سليلة النص المقدس/ المتعالي. لا يمكن أن نسيء قراءة النص المقدس، في حين أن التفكيك يريد أن نسيء لجميع النصوص. (إساءة الفهم). من يفهم النص؟ تبدو الإجابة مستحيلة.

ما هي التفكيكية إذًا؟ إنها ليست مدرسة، ولا هي بالمذهب، ولا بالفلسفة، ولا حتى بنظرية. إنها كما يعرّفها دريدا استراتيجية قراءة. وشرط هذه القراءة هي "الدهاء" و"المخاتلة" و"المراوغة". سؤال القارئ/ المفكك هو: كيف يمكن مخاتلة النص؟ أي كيف يمكن خداعه. كما لو أنّ النص ميدان حرب، وسلاح المفكك/ المحارب هو الدهاء والبراعة والفطنة والذكاء.

تكمن حيلة المفكّك في الكشف عن تناقضات النص، أي النظر إليه كفضاء مشتت

تكمن حيلة المفكّك في الكشف عن تناقضات النص، أي النظر إليه كفضاء مشتت، لأجل مساعدة النص نفسه لتفكيك نفسه بنفسه.

اقرأ/ي أيضًا: الصفح.. ذلك المستحيل الممكن

هنا، تأتي حاجة التفكيك إلى تجاوز لغة المفاهيم، إلى نوع من الكتابة الاستعارية، إذ تضمن الاستعارة تشتيت المعنى في النص، على النحو الذي يمارسه المعنى الشعري في الأدب. هذا ما جعل دريدا يهتم كثيرًا بالأدب: "كان اهتمامي الأكثر ثباتًا، لا بل قبل الاهتمام الفلسفي، إذ كان الأمر ممكنًا، يتجه نحو الأدب، نحو الكتابة المسماة أدبية".

إنّ مفهومًا مثل التشتت أو البعثرة قد ورد في نص لستيفان مالارمي (Préface à Vathek)، والذي تحدث فيه عن الجملة التي تتبعثر بين الظل والغموض.

ويعني هذا المفهوم الأساسي أنّ النص آلة من الإحالات اللانهائية، تقف عند نقطة انهيار القصدية. ما يجعل وجود الكتابة هو في جوهره وجود اللعب.

 

اقرأ/ي أيضًا:

جاك دريدا.. مراثي النقّاد

ميشيل فوكو.. المنظور الفلسفي للسلطة