لماذا لا توجد قيادة للانتفاضة في لبنان؟

لماذا لا توجد قيادة للانتفاضة في لبنان؟

من مظاهرات الانتفاضة اللبنانية (رويترز)

مع تبلور الانتفاضة وصمودها في الشارع، معلنة لائحة من المطالب المعيشية والسياسية على لسان الناس في كل مناطق لبنان؛ بدأ السؤال الأبرز حول "قيادة" الانتفاضة وبرنامجها التنظيمي والخطوات المستقبلية.

لجأت السلطة لزرع الفخاخ للانتفاضة بطرح أسئلة تعجيزية، مثل السؤال عن "قيادة" الانتفاضة لـ"التفاوض" مع السلطة

ثم خرج زعماء السلطة للتشكيك في نوايا الانتفاضة والمنتفضين، وطلب هؤلاء الزعماء من المنتفضين تشكيل مجموعة تمثل الانتفاضة من أجل الحوار مع السلطة للوصول إلى اتفاق ينهي الأزمة. لكن جوبهت دعوات السلطة بالرفض من المنتفضين في الشوارع والساحات، وانتشرت في الشارع وعلى مواقع التواصل الاجتماعي عبارة "أنا قائد الثورة" دلالة على أن كل مواطن هو قائدة في الانتفاضة.

اقرأ/ي أيضًا: احتجاجات لبنان والوعي المتجاوز لخطاب مجموعة الحكم

وجاء الرفض لاختيار قائد أو قيادة من قبل المنتفضين، لعدة أسباب، منها: تراكم الوعي لدى المنتفضين. فمنذ عام 2011 كانت السلطة في كل مرة تصوب سهامها نحو بعض الشخصيات والرموز، كما حصل في الحراك المدني عام 2015 وبذلك يتم تفريق الهمم والساحات تحت وابل من الاتهامات.

يضاف إلى ذلك، أن الشرائح الاجتماعية التي خرجت إلى الشوارع مطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية لم تأت من فراغ، بل هي وليدة أحزاب، وكثيرون منهم خرجوا في وجه أحزابهم. وهؤلاء ليس هدفهم البحث عن قيادة جديدة بقدر ما يطلبون تحسين مطالبهم المعيشية.

أمر آخر أعتقد بأهميته، يتمثل في الأعداد الكبيرة التي خرجت في كافة المناطق اللبنانية، والتي قدرت بأكثر من مليون ونصف مليون متظاهر. وأمام هذا الواقع، لجأت السلطة لنصب الفخاخ عبر طرح أسئلة تعجيزية، إذ كيف يمكن لأكثر من مليون شخص وفي أكثر من 20 ساحة في كافة المدن اللبنانية، الاتفاق على قيادة للتفاوض مع السلطة؟!

والفخ الموضوع من قبل المجموعة الحاكمة، هو: انتدبوا قيادة لنقوم بالتصويب عليها وتهميشها. وتعلم السلطة جيدًا أن مطلبها هذا لن ينال إجماعًا من كافة ساحات الانتفاضة، وعليه يبدو أنها تراهن على دخول المنتفضين في نقاشات عقيمة وانقسامات حول ماهية وطبيعة القيادة المخولة للحوار مع السلطة.

وأكثر من ذلك، راكمت الانتفاضة وعيًا غير مسبوق، إذ جاء رد الناس في الشوارع والساحات: "الحوار حول ماذا؟ وعلى ماذا بالضبط؟"، فمطالب الناس معروفة، وتنقلها الشاشات ليل نهار. 

هذا فضلًا عن أن السلطة هي المسؤولة عما آلت إليه الأوضاع في البلاد، والحوار الذي تريده سيخدمها بأن يُهدّئ زخم الانتفاضة، لذا كان رد الناس في الشارع حاسمًا: "أنتم السبب، أوجدوا حلًا أو سلموا السلطة".

كيف قضت السلطة على القيادات؟

كيف أصبحت النقابات العمالية والمهنية مرهونة للسياسة وصراعاتها في لبنان، وليس للمطالب وحقوق العمال والمهنيين؟ تكتسح تحالفات أحزاب السلطة السياسية في لبنان العديد من النقابات والاتحادات، ما جعل العمل النقابي مستلبًا ومرهونًا للطبقة السياسية في لبنان. وتغلغل ممثلي السلطة في كل النقابات العمالية والمهنية وروابط الأساتذة في التعليم الرسمي والخاص، وغيرها.

وفي حين من المفترض أن النقابات والاتحادات هي أكثر الهيئات تنظيمًا لتتولى مهمة التفاوض باسم الحراكات الشعبية؛ فإن هذه النقابات والاتحادات في لبنان، مرهونة لقيادات أحزاب السلطة، بما في ذلك الاتحاد العمالي العام، وهيئة التنسيق النقابية التي ترخي السلطة بظلالها عليها.

السلطة اعتقدت أنها بمصادرتها للحياة النقابية في لبنان عبر وضع يدها على قياداتها، وبناء تحالفات ضد العمال، واحتكار الفوز في الانتخابات النقابية كافة؛ ستتمكن من لجم صوت الناس. لكن الأزمة انفجرت في الشوارع على شكل انتفاضة شعبية بلا مركزية وبدون قيادة أو رموز، بعد أن خنقت السلطة كل أشكال التعبير عن مطالب القطاعات كافة.

أين قيادة الانتفاضة؟

اليوم تسأل السلطة "أين قيادة الانتفاضة؟" في الوقت الذي تتحمل هي مسؤولية غياب القيادة، بضرب الحركة النقابية في لبنان طيلة 30 سنة. والسلطة الطائفية نفسها أسست لدولة طائفية عميقة، بعد أن تصدت وأفشلت كل القوى المدنية، وسلبت الناس حقوقهم. ثم تأتي الآن لتطالب بإيجاد فيادة لانتفاضة عمرها شهر واحد، في مقابل 30 سنة من النهب هي عمر الطبقة الحاكمة!

وعلى نفس المنوال، قامت السلطة بإقرار قانون للانتخابات النيابية على أساس التمثيل الطائفي، فصاغت القانون على قياسها وقياس زعماء الطوائف، وقامت ببناء تحالفاتها، حتى أفرغت الانتخابات من مضمونها.

وفي الحكومة، قامت السلطة بتشكيلها من معظم أحزاب السلطة، دون أي تمثيل لمعارضة تحاسب أحزاب الموالاة، ما جعلها حكومة تسرح وتمرح دون حسيب أو رقيب!

هناك قيادات متعددة، تمثلت الانتفاضة ولم تمثلها، لأنها تبقى انتفاضة لا مركزية؛ مثل الحزب الشيوعي والتنظيم الشعبي الناصري وحزب السبعة وحركة "مواطنات ومواطنون في دولة" وحركة الشعب وغيرها من الحركات والمجموعات والمنظمات المدنية المستقلة.

وبدلًا من قيادة مركزية، يعمل الشارع والساحات بالتنسيق والتوافق، وتنضج التجربة بمرور الوقت، معبرة عن الناس، كل الناس في لبنان.

بدلًا من قيادة مركزية، يعمل الشارع والساحات بالتنسيق والتوافق، وتنضج التجربة بمرور الوقت، معبرة عن كل الناس في لبنان

وهؤلاء، الناس في الساحات والميادين، يجب أن يسعوا إلى بناء تحالفات اجتماعية وإيجاد بديل عن النقابات المرتهنة للسلطة، وفرز برلمان نيابي جديد يعبر عن تطلعات الانتفاضة. وهكذا يمكن مع الوقت بناء قيادة ثورية وطنية ديمقراطية من أجل استرجاع حقوق المواطنين.

 

اقرأ/ي أيضًا:

في لبنان.. بركان الغضب ينفجر

حكومة التكنوقراط.. فخ السلطة للانتفاضة اللبنانية