لماذا لا تنفع الانتخابات في لبنان؟

لماذا لا تنفع الانتخابات في لبنان؟

إعادة إنتاج مستمرة لنفس الوجوه السياسية في لبنان (Getty)

هناك من يلح على ضرورة إجراء "انتخابات مبكرة" في لبنان. غالبًا يتبنى أشخاص يسمون أنفسهم "المجتمع المدني" هذا الطلب، بينما يعرف اللبنانيون غالبهم نتيجة هذه الانتخابات. وإذا أوقفت عشرات اللبنانيين في الطريق عشوائيًا وسألتهم، ستحصل بنسبة عالية على الإجابة نفسها: "رح يجو هني ذاتن"، ما يعني، سيعود الأشخاص والأحزاب أنفسهم. وهذه مفارقة هائلة. ليس فقط الزعامات التقليدية لا تتغير، بل ممثليها أيضًا. التغيير، الذي صار يبدو أبعد، بعد إجهاض الانتفاضة، واستمرار سبات السياسة الطويل، لا يمكنه أن يحدث، ولعدة أسباب.

الحياة السياسية في لبنان معطّلة تمامًا. هناك شكل سياسي للأحداث، أو اتفاق على تسمية الأحداث بالسياسية. لكن في الواقع، الأبعاد الأخرى، هي التي شكّلت العلاقة بين ستة زعماء رئيسيين في لبنان، مع قواعدهم

موت السياسة

الحياة السياسية في لبنان معطّلة تمامًا. هناك شكل سياسي للأحداث، أو اتفاق على تسمية الأحداث بالسياسية. لكن في الواقع، الأبعاد الأخرى، هي التي شكّلت العلاقة بين ستة زعماء رئيسيين في لبنان، مع قواعدهم، في ظل تراجع تدريجي للإيمان بالسياسة بمعناها الحقيقي. من أوضح تمثيلات هذا التراجع هو عدم قدرة أي فريق في الانتفاضة على تنظيم نفسه سياسيًا. باستثناء محاولات الوزير السابق شربل نحاس، وقلة من المثقفين اللبنانيين، الانتباه إلى ضرورة وجود مشروع سياسي للمفاوضة، كانت التظاهرات من دون أي بعد سياسي واضح. وفي حال غياب السياسة، ليس هناك أي معنى لإقامة الانتخابات. إقامتها في هذه الحالة هي استجابة للشروط القائمة كلها وفرصة بائسة أخرى ليسبغ النظام نفسه بالشرعية.

اقرأ/ي أيضًا: مشهد سياسي لبناني جديد.. الترويج للتعاسة

ستكون الانتخابات، كما يحدث تمامًا في الأنظمة الاستبدادية، حيث تنتفي الحاجة للانتخابات، بانتفاء حاجة هذه الأنظمة إلى التغيير. لذلك فإن الفئة التي تحتكر السُلطة هي الفئة التي تحتكر السياسة. وبالإضافة إلى "موت السياسة" بمعناه المحلي اللبناني، وربما العربي بعد ركود الثورات، هناك نظرة "عالمية" جديدة إلى السياسة. تلك المساحة الهائلة التي انتقل الناس إليها، لخوض النقاشات وتبادل الأفكار، لم تعد السياسة، بل صارت، في جانب أساسي منها مواقع التواصل الاجتماعي. الانتخابات تحدث هناك كل يوم، ويمكن الاطلاع على عينة من النتائج. والآراء يتم تداولها هناك، من دون الحاجة للوصول إلى موقع أفضل، يؤمن تمثيلًا أفضل. كل شيء موجود هناك.

6 زعماء يتنافسون على "الأبد"

في الحالة اللبنانية، وباستثناء التظاهر، يبدو أن ثمة لا مبالاة واضحة، وانعدام الثقة بالدولة كجهاز، ما يعني توزيع ما تبٍقى من الثقة على ما تبقى من الدولة. وهذه البقية، في وعي الناس بعد فشل الانتفاضة بسبب الانتهازيين وسلوكهم الفرداني، تتمثل بزعماء ستة، يدفعون التهم عن بعضهم البعض، ويتحالفون مع بعضهم البعض (أمين عام حزب الله، رئيس الجمهورية، رئيس مجلس النواب، سعد الدين الحريري، وليد جنبلاط، وسمير جعجع). وبدلًا من تشكيل جبهة مسيسة وواضحة، ذابت الانتفاضة في مجموعة شعارات "مطلبية" بالغت في الحذر من السياسة، إلى درجة سمحت للفريق الحاكم بإعادة إنتاج نفسه كراعٍ للسياسة في لبنان. وفي حال إجراء الانتخابات التي يطالب بها الشكلانيون و"المجتمع مدنجيون"، ستلعب قوة الأحزاب وشدة تنظيمها، إضافة الى إحكامها على مفاصل البلاد الأمنية والمالية وغيره، دورًا أساسيًا في عدم حدوث أي تغيير. التغيير الوحيد سيكون استغلال الانتخابات للحديث عن شرعية عقلانية، غير موجودة أصلًا.

استبداد داخلي واستبداد خارجي

الديموقراطية غير موجودة داخل الأحزاب نفسها. يحتاج هذا إلى بحث مفصل، لكن ما نعرفه أن وزراء الحزب التقدمي الاشتراكي في الحكومة هم أنفسهم منذ سنوات طويلة (غازي العريضي، وائل أبو فاعور، أكرم شهيّب). وكذلك، ورث جبران باسيل رئاسة التيار الوطني الحرّ عن أبيه، رغم وجود معارضة له في ذلك الوقت. أما نواب حركة أمل وحزب الله، فهم تقريبًا أنفسهم منذ اتفاق الطائف، تمامًا مثل أمين عام الحزب، ورئيس الحركة والبرلمان، الذين ما زالوا في مواقعهم منذ ثلاثين عامًا. أما الذي ينازع سعد الدين الحريري على رئاسة الحكومة لاحقًا، فليس سوى شقيقه بهاء، وكلاهما من أبناء الراحل رفيق الحريري.

وهذه الأسر السياسية، والزعامات التقليدية والناشئة إن لم تقم على توريث، فإنها تقوم على الحرب، أو نتائجها المباشرة. وهذا يفسّر البقاء الطويل والعلاقة مع الانتخابات. وإذا كانت الانتخابات حلًا مباشرًا، فإنها جرت على خمس دورات بعد الطائف، ولم تحدث فارقًا حتى وإن كان طفيفًا في بنية النظام السياسي اللبناني. التغير الوحيد كان بعد انسحاب جيش البعث السوري واستخباراته من لبنان. وكان هذا هو التغيّر، ولم تكن الانتخابات بحد ذاتها تغيرًا، أو أدت إلى تغيير. على العكس تمامًا، أول دورة انتخابية كما يذكر اللبنانيون، بعد انسحاب جيش بشار الأسد من لبنان، شهدت تحالفًا رباعيًا شهيرًا، أعاد إنتاج الصيغة القديمة، سامحًا بدخول العائد من فرنسا، والخارج من السجن، إلى كرنفال الانتخابات. ولا يلغي هذا العرض الحاجة إلى الديموقراطية، لكن الانتخابات بطابعها المجرد ليست دليلًا قاطعًا على الديموقراطية، ولا تؤدي إلى التغيير.

عقد اجتماعي جديد

فكرة الانتخابات كناظم أساسي للحياة الديموقراطية، حتى ضمن شروط العصر، تتطلب على الأقل وجود تصور واضح لحياة ديموقراطية. ليست الانتخابات بضعة أصوات في صناديق، ولا حتى مجرد قوانين لتنظيم الاقتراع. الانتخابات، هي عملية إنتاج سلطة، من المتحمسين لإنتاج هذه السلطة. وبالتالي تفترض الانتخابات وجود عقد اجتماعي واضح بين جميع الأطراف. وبات واضحًا أن اللبنانيين، في ظل التغيرات الكبيرة، باتوا بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد، بشروط جديدة، مثلما هي حال معظم البلاد العربية، وليس إلى مسرحة الانتخابات، مثل مسرحة البطولة المتخيلة في الأعمال الرحبانية. جزء من البلاد العربية بدأ رحلة المطالبة بهذا العقد بالفعل، وكانت الثورات تمثيلًا واضحًا لتلك الحاجة الملحة. وفيما ترنحت السياسة المصرية مثلًا، بسبب إفشال محاولات إنتاج عقد اجتماعي جديد، أعاد الاستبداد إنتاج نفسه، وصارت الانتخابات شكلية، على عكس التجربة التونسية، التي تكتسب فيها الانتخابات أحد معاني الديموقراطية، كونها نتجت بعد سجال ولو غير معلن، في إنشاء عقد اجتماعي جديد.

اقرأ/ي أيضًا: مركزية في اللامركزية.. تاريخ لبنان وحاضر الانتفاضة

ذاكرة جماعية للمستقبل

كخلاصة للأفكار السابقة، يمكن الخلوص بأن الانتخابات تحدث على أساس الذاكرة، وليس على أساس الحاضر. وبالنسبة للذاكرة اللبنانية، فهي منقسمة إلى مجموعة ذاكرات، خاصة بكل جماعة. وفي لحظة الانتخاب، إن كانت الدائرة الانتخابية ضيقة أو واسعة، فإن المحدد التاريخي حاسم في خيارات اللبنانيين، أو هذا المحدد هو الوحيد الذي تُرِك لهم، لأنهم لم يحاولوا إنتاج مشروع سياسي جديد، يوازي قوة الذاكرة. وهذه ليست دعوة لليأس، بل دعوة لمزيد من التسييس.

صحيح أن العوامل الطائفية تلعب دورًا إداريًا حاسمًا في توزيع الأصوات، لكن الانتقال من الوعي الطائفي إلى أي وعي آخر، يحدث قبل الذهاب إلى الصناديق وليس بعدها. لذلك، فإن المعركة التغييرية الحقيقية، لا علاقة لها بالتغيير. الانتخابات ليست أداة تغييرية. وقد بدأ نقاش عالمي، أصلًا، عن هذه الأداة، بوصفها مجرد تكنولوجيا وظيفتها تحويل الإرادة الجماعية إلى حكومات تنتج سياسات. في لبنان، ما زال التعريف ملتبسًا. الإرادة الجماعية مرتبطة بذاكرة جماعات، والحكومات ليست أجهزة لإدارة المصالح بالمعنى العادي، إنما أجهزة لإدارة مصالح مستقبلية ولكن بشروط الماضي وحسب! هل هناك أي نفع لانتخابات تعيد نفسها منذ ثلاثين عامًا؟

 

اقرأ/ي أيضًا: 

حزب الله وحاكم المصرف... شروط التحالف وموجباته

ثورة بلا سياسة!