لماذا لا أكتب رواية حول الكورونا

لماذا لا أكتب رواية حول الكورونا

عمل فني لـ فرانز فيست/ النمسا

ماركوس غروندتنر كاتب من النمسا، من مواليد فيينا 1985، درس فيها المسرح والإعلام بالإضافة إلى دراساته في مجال القانون. حاصل على عدة منح أدبية بالإضافة إلى جائزة العمل الأدبي لعام 2017 من وزارة الثقافة في النمسا. أصدرَ مؤخرًا مجموعته القصصية باللغة الألمانية بعنوان "كوكب للبيع" عام 2020.


"ستنتهي علاقتنا كرقمٍ من أرقام إحصائيات الضحايا، إذا استمر الوباء على هذا المنوال". بهذه الجملة كانت ستبدأ روايتي حول الكورونا، وكانت ستستمر على هذا الشكل: "قررنا في الأسبوع الثاني من الحجْر الصحي تجنب الاحتكاك ببعضنا البعض، لكيلا نتعارك أكثر من ذلك".

العنوان المبدئي للرواية: "مسافة أمان".

تقول شريكتي كلاوديا، إنَّ أزمة الكورونا ضاعفتْ حِدّةَ الأشياء عشرات المرات، ناهيك عن مشاكل البشر وكل جنونهم. حدث ذلك بعد خلافنا المتجدد، حول مَنْ كان منّا الأكثر إنهاكا. لدينا في بيتنا توأم بعمر السنتين، تعمل كلاوديا كمدرسة لغة إيطالية، وتحاول الاتصال بطلابها دون أي نتيجة، أما أنا فأعمل كمحامي، يتواصل معي زبائني بنجاح، ولمَ لا! فحتى في السقوط نحتاجُ لمن يتسلم دفة القيادة.

أعمل ككاتب أيضًا، إذا ما سنحت لي الفرصة لذلك، وأستطيع الموافقة على تقديرات صديقتي حالما أرتدي قبعة الكتابة: إذا ما نظرنا إلى الأمر من منطلق درامي، فإن إجراءات احتواء الفيروس ستؤدي إلى اضطرار أهل البيت الواحد على الاحتكاك ببعضهم، حتى وإن نجحوا في البداية بتجنب ذلك، كما أن نتائج الوباء الأولية تتوالى عليَّ بشكل مستعجل، فأستلم يوميًا أسئلة من معارفي، إذا ما كنتُ أستطيع الإشادة بمحامي طلاق جيد.

يا له من نجاح كبير نحصده جراء العزلة الاجتماعية!

أسمع التنويهات التحذيرية كلما مررتُ بإحدى محطات الترام: "بناءً على تغيرات الوضع الصحي، نرجو المواظبة على غسل اليدين"، فأقول لنفسي: "يا لهذا السيناريو الديستوبي الذي أعيش فيه، يستغل كل الأماكن بحرفية عالية للترويج لنفسه". لا بد أنّ أحد الأفلام القادمة في سينما مدينتكَ سيكون: "دكتور كورونا" أو "كيف تعلمتُ حبِّ الأضرار الجانبية التي تلحَقُ بالمجتمع".

إذا ما أردتُ إدراج قصتي في خليط الأحداث، فإنني أستطيع وصفَ أوضاع الحجْر المليء بالمشاكل على الشكل التالي: تم إغلاق حضانات الأطفال، مما يضيف ضغطًا إضافيًا على عملي كمحامٍ متخصص في قوانين العمل، فيستحيل عليَّ في نهاية كل يوم شاق أن أجد المزاج المناسب لكتابة جملة واحدة.

لطالما كان موضوع الكتابة نضالًا شقيًا، ويستمر الأمر على ما هو عليه حتى اللحظة، إلا أنه كان نزاعًا داخليًا، وها هو الآن يتحول لصراع مع الوضع الحالي، ولكنه في الوقت نفسه عِراكٌ ضد الأشخاص، هؤلاء الذين شددوا من قساوة ظروف هذه الفترة العصيبة، دعني أقل باختصار: حربٌ ضد عائلتي.

أتمنى لو أنّ لي ذاكرة سمكة، أستيقظ في الصباح لأفكر في خاطري: "آه، أعليّ اليوم البقاء في البيت؟ يا سلام" وفي المساء أذهب للنوم، في صباح اليوم التالي أقول لنفسي: "أه، أعليّ اليوم البقاء في البيت؟ يا سلام" وهكذا كل يوم.

لربما أستطيع بذلك الشكل كتابة رواية حول الكورونا، لأنني عندها سأقوم بواجبات مماثلة لحاجب المحكمة، يسجّلُ كل ما يحدث وما يقال من حوله، دون الاضطرار للتفكّرِ في أي شيء.

"التقتْ نظراتهما في السوبرماركت، ارتدى كِلاهما الأقنعة الواقية، كانا الوحيدين الذين اتّبَعَا إجراءات تحديد انتشار الفيروس بحذافيرها، ابتسمَ، ثم ابتسمتْ، مع أنّ الابتسامة لم تكن شيئا يسهُل رؤيته على فمها المتخفي، لكنّ لمعان عيونها كان متأججًا".

العنوان المبدئي لهذه الرواية: "زوج أرانب ولوازم عُرس".

إن كتابة الرواية يعني ملاحقة هدفٍ نبيل، ولكن مطاردة أي هدف مهيب تتبلور حالما أنعزل بنفسي، وسيؤدي ذلك إلى تدهور أحوال المقربين مني، وهو الأمر الذي لا يجب أن يحدث.

لطالما كان الأمر على هذه الحال، حتى تحت ظروف طبيعية، فعليَّ ككاتب أن أبتعد بشكل من الأشكال عن عائلتي، لكن هذا الفعل إشكالي بالتأكيد، فلا يحق لي المغادرة أو لا أستطيع الانعزال بنفسي، كما هو الحال الآن.

نعيشُ الآن في عالم تنعدم فيه ساحات اللعب، ولا يُسمَحُ للأطفال في هذا العالم الاقتراب من أطفال آخرين، على الرغم من رغبتهم بذلك، إلا أنهم لا يفهمون سبب استحالة ذلك الآن. أذهب في الصباح مع طفلَيَ في نزهة إلى مكان ما: ما يزال طفلاي يرتديان التيجان الكرتونية احتفالًا بعيد ميلادهما، تلك التي أصرّا على ارتداها خلال الفطور. نَطَّقَتْ شريكتي الأطفال كلمة التاج بالإيطالية، وها أنا الآن أتمشى في المدينة مع طفلين يصيحان بحماس: "كورونا، كورونا" (1).

يا لروعة الحياة!

لقد ضقتُ ذرعًا بأعياد الميلاد، أغني في عيد ميلادي أثناء غسل يداي "هابي بيرث داي" ثلاث مرات، مرتين كإجراء روتيني ضد الكورونا ومرة للاحتفال بنفسي.

"لقد سُمِحَ بالمصافحات من جديد، إلا أنني لم أشتق لها". هكذا يجب على روايتي حول الكورونا أن تبدأ.

أشعر بأن جسدي على ما يرام، فأنا أعيش الآن بشكل صحي، أشرب يوميًا قدحَ ويسكي بدلَ فنجانين من القهوة. لا بدّ أنّ الوقت سيحين قريبًا لمزاولة أي نشاط ما، لا بدّ أنّ أول جملة في روايتي حول الكورونا ستكون على الشكل التالي: دعونا نتنزه حول طاولات كتابتنا!

العنوان المبدئي لهذه الرواية سيكون: "اجتماع السكيرين الغرباء".

إلا أنّ السبب الحقيقي وراء عدم كتابتي لرواية حول الكورونا، هو غموض السيناريو غالبًا. فلا أعرف في هذا الوقت مَن هو الجيد ومَن السيئ، بل لا أعرف إذا ما كان هناك جيد وسيئ أساسًا، وحتى لو أنني أدركتُ جوابًا لذلك، فإنني لا أعرف إذا ما كانت الأحوال ستتغير قريبًا، كأنْ يكون أحدهم قد تعلم شيئًا منطقيًا من فترة الوباء أو أنّ أحدهم سيتعلم أي شيء في المستقبل القريب.

كان من الأفضل لو أنني تعلمتُ تأليف الموسيقى، لو كان عندي فرقة موسيقية، فإن اسمها سيخطر ببالي على الفور: "فرقة الإحصائيات السادية".

يتعاركُ طفلاي حول أقلام التلوين، ويصلني على الهاتف أخبار خلاف بين اثنين من زملائي، يتشاجران حول قوانين دعم الدولة للبطالة الجزئية والمؤقتة (2)، وأنا في وسط كلّ ذلك.

يبدو الموضوع واضحًا لماذا لا أكتب رواية حول الكورونا، فأنا أعيش في هذه الرواية، لذلك لا أستطيع أن أكون كاتبًا، نعم، ولا حتى كاتب في المحكمة، ذلك الذي يسجل بروتوكول المرافعات.

لدي ما يكفي من الواجبات ولا أملك أي يدٍ إضافية أفعل بها ما أريده فأستطيع ممارسة الكتابة.

ما عدا الذي كتبته هنا.

 

هوامش

(1) كلمة كورونا في اللغة الإيطالية تعني التاج.

(2) تدفع الدول الأوروبية جزءًا كبيرًا من رواتب الموظفين خلال فترة توقف الأعمال أو تخفيضها بسبب إغلاق المحلات نتيجة فيروس كورونا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

فلوريان غانتنر: تجربة دمشق

البحث عن جُحْر