لماذا كل هذا الحقد الإعلامي على

لماذا كل هذا الحقد الإعلامي على "السترات الصفراء" عربيًا؟

تخشى الأنظمة العربية من انتقال عدوى الاحتجاجات الفرنسية (Getty)

بأوصاف على غرار الربيع الغربي الإخواني، أو التمويل القطري الذي ينجح في شوارع باريس، وغيرها من الأخبار، كالقول: المتظاهرين المشاغبين في أحياء فرنسا الذين يهدفون إلى تخريب المنشآت العامة وترويع المواطنين، غطت صحف ومواقع وقنوات مصرية عربية اندلاع موجة الاحتجاجات في فرنسا، المعروفة بتظاهرات "السترات الصفراء"، التي اندلعت ضد رفع أسعار الوقود وسياسات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التي وصفوها بأنها تصب في مصلحة الأغنياء وتضر بمصالح السواد الأعظم من الشعب  الفرنسي.

شوه إعلام الأنظمة العربية احتجاجات فرنسا، فيما بدا وكأنه قلق عام، من التفاعل بين المتضررين من سياسات العولمة الاقتصادية على طرفي المركز الرأسمالي

مع تغيرات تداعياتها من وقت لآخر، لم تسلم تلك المظاهرات من هجوم بعض وسائل الإعلام، فَعلى قناة المحور مثلُا، وتحديدًا في برنامج 90 دقيقة، قال الإعلامي محمد الباز  وهو يقارن مظاهرات فرنسا وشغبها بمظاهرات جماعة الإخوان في مصر التي وصفها بالجماعة الإرهابية، إن اتحاد الجمعيات الإسلامية وهو المنظمة الإخوانية في فرنسا، ربما تكون وراء تلك المظاهرات والاحتجاجات لأن أسعار الوقود ارتفعت قليلًا، وهذا ليس مبررًا كافيًا لتلك الاحتجاجات، إذ إن وراءها من وجهة نظره أسباب أخرى خفية. أما الموقع الرسمي لقناة صدى البلد المصرية، فقد شبه تجمعات المتظاهرين في ساحة الشانزليزيه باعتصام رابعة العدوية الذي كان يرفض السلطة العسكرية في مصر عام 2013، وشبه المواجهات التي تحدث هناك بين المحتجين وبين قوات الأمن بموجات العنف التي كانت تشهدها الميادين المصرية.

اقرأ/ي أيضًا: انتفاضة "السترات الصفراء".. الهامش في مواجهة فرنسا المعولمة

أما الخبر الأكثر غرابة، فكان فيما يتعلق بمقطع الفيديو الرائج، عن الفتاة التي كانت تصرخ في شوارع فرنسا وهي من المتظاهرين وتوجه صراخها لقوات الأمن، هاتفة أن المتظاهرين غير مسلحين ويجب عليهم أن ينضموا إليهم من أجل فرنسا ومن أجل الحرية، حيث لم تكن النسخة العربية من قناة روسيا اليوم مختلفة كثيرًا، إذ نشرت القناة تغريدة على صفحتها الرسمية في موقع التواصل الاجتماعي تويتر، تضمنت صورة الفتاة تحت عنوان شرطية فرنسية تبكي وتقول: "اقتلوني ولا تخربوا أوطانكم كما فعل العرب".

سرعان ما تناقلت صحف ومواقع عربية مقربة من الأنظمة هذا الخبر، معتمدة على تلفيق روسيا اليوم. بثت قناة الحدث السعودية مثلًا الفيديو تحت عنوان شرطية تبكي وتقول للمتظاهرين "تعالوا اقتلوني ولا تخربوا فرنسا"، بينما كتبت بوابة الفجر المصرية عند نشر الفيديو أن الشرطية تنادي على المتظاهرين وتطالبهم بكف التخريب في فرنسا، كما نشرت العديد من القنوات والصحف المصرية ذلك الخبر بعد فبركته مثل اليوم السابع والقاهرة والناس وبوابة الأهرام الرسمية. يأتي ذلك في حين تناولت صحف ومجلات فرنسية الوضع مع ميل إلى دعم المحتجين، وموضوعية، حيث اعتبرت صحيفة لوموند مثلًا أن فرنسا تشهد فترة تاريخية منذ اندلاع الثورة. بينما تناولت محطات وصحف عالمية مثل شبكتي سي إن إن وبي بي سي وذي إندبندنت وواشنطن بوست، عرضًا لموجز الأحداث، محاولة فهم الدوافع التي كانت وراء خروج المتظاهرين من الهامش الفرنسي إلى الشارع. فلماذا تهاجم وسائل إعلام عربية المتظاهرين في فرنسا؟

هل يخاف السيسي من انتشار عدوى السترات؟

اتخذت الحكومة المصرية حزمة من الإجراءات الاقتصادية على مدار ثلاثة أعوام، شبيهة جدًا بما قامت به إدارة ماكرون، على صعيد رفع أسعار الوقود لأكثر من مرة، بالإضافة إلى قوانين الضريبة والقيمة المضافة، وكل هذا تباعًا من أجل تنفيذ شروط صندوق النقد الدولي برفع الدعم عن السلع الأساسية التي كانت تدعمها الدولة المصرية، ومن المتوقع في كانون الثاني/ يناير القادم، أن ترتفع أسعار السولار مرة أخرى في خطة متكررة لِرفع دعم الدولة المصرية عن الوقود.

اقرأ/ي أيضًا: "السترات الصفراء".. مستمرة في فرنسا مستعدة في أوروبا

وحيث تعرضت فئات وشرائح واسعة من الشعب المصري للاضطهاد والتضييق الاقتصادي على مرِّ السنوات الماضية تحت حكم نظام عبد الفتاح السيسي، فإن السلطة تخشى من التفاعل الشعبي المصري مع مثل هذا النوع من الاحتجاجات، في ظل موجات الاشتعال التي تحدث في مناطق كثيرة في العالم بسبب السياسات الاقتصادية للحكومات. وهو ما يبدو أن الأجهزة الإعلامية المصرية والعربية المقربة من الأنظمة، تسعى إلى تشويهه خوفًا من حدوث حراكات شبيهة، معززة بذلك سردية الأمن أولًا، ونشر المخاوف العامة من الخارب، وربط أي تجمع احتجاجي بالدمار وغياب الأمن والإرهاب.

اتخذت الحكومة المصرية حزمة من الإجراءات الاقتصادية على مدار ثلاثة أعوام، شبيهة جدًا بما قامت به إدارة ماكرون، على صعيد رفع أسعار الوقود لأكثر من مرة

لقد ظهر ذلك جليًا في خطابات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي حذر أكثر من مرة المصريين من أن ينزلوا إلى الشارع أو القيام باحتجاجات، وطالبهم بالصبر والتقشف وفقًا للقرارات الاقتصادية الصعبة التي يجب على الحكومة اتخاذها لتمرير خطة نهضوية للجمهورية المصرية. فيما بدا وكأنه قلق عام، من التفاعل بين أبناء الهامش والمتضررين من السياسات الاقتصادية المعولمة في دول مختلفة من العالم، في زمن الخبر السريع والتواصل الاجتماعي الفعال. وهو ما تجسد واضحًا في احتجاجات البصرة في العراق، حيث ارتدى المتظاهرون سترات صفراء، في مشهد مكتمل، يجمع متضرري الهامش، وكذا مخاوفهم ومصالحهم المشتركة، ضد سياسات التقشف ورفع الدعم والإقراض.
 

اقرأ/ي أيضًا: 

الدولة العميقة.. "مؤامرة" بلا متآمرين

يسار ساندرز ويسار سيريزا.. بلا تشبيه!