لماذا قد يكون مونديال 2026 الأسوأ في تاريخ كرة القدم؟
10 يونيو 2026
هناك مثل دارج في العامية المصرية يقول إن المهم ليس المال، بل الأموال، هذه هي المعادلة، وبهذه المعادلة بدأت الاستعدادات لكأس العالم 2026 وسط تنظيم فوضوي بعض الشيء، إذ يواجه ريحًا عاتية قد تدفع به ليكون النسخة الأسوأ والأكثر تشوهًا في تاريخ اللعبة الشعبية الأولى، خاصة وأن منافساته ستلعب في ثلاث دول تلهث بينها الأنفاس عرضًا وطولًا، وبوجود 48 منتخبًا للمرة الأولى في التاريخ.
ما لم يقله المثل أن ذات الأموال قد تكون نقمة على صاحبها، فخلف وعود الفيفا البراقة بتحقيق عوائد مالية تاريخية تقترب من 11 مليار دولار، تتبدى ملامح أزمة عميقة ترتبط بتفكيك هوية المونديال نفسها، وذلك من خلال ثلاث أزمات رئيسية:
روليت انفانتينو
تكمن الأزمة الأولى، للمفارقة، فيما يفترض أن يكون مصدر قوة هذه النسخة من البطولة، ألا وهو زيادة عدد الفرق من 32 إلى 48 فريقا، وبالتالي ارتفاع عدد المباريات من 64 إلى 104 مباريات تمتد على مدار 39 يومًا، وهنا السؤال الأول: هل جاءت الزيادة بناء على توافق عام بين الدول الأعضاء في فيفا؟
الإجابة لا، بل كان مدفوعًا بأجندات سياسية لإنفانتينو، رئيس الفيفا، نفسه، وذلك بهدف حشد الأصوات لصالحه من خلال إرضاء الاتحادات الصغيرة، ومع وجود عدد أكبر من المنتخبات وضيق الوقت، قُسِمت البطولة إلى 12 مجموعة يتأهل منها متصدر ووصيف كل مجموعة إلى جانب أفضل 8 منتخبات تحتل المركز الثالث، أي أن الفرق ستخوض 72 مباراة في دور المجموعات لإقصاء 16 فريقًا فقط، وما دلالة ذلك؟
بحسب ما ذكره الكاتب الرياضي جوناثان ويلسون فإن زيادة عدد المنتخبات يعني ضرورة إشراك منتخبات تفتقر للتنافسية، مما يهدد بظهور مباريات ركيكة، وتراجع حاد في إيقاع اللعب، وهذا الأمر سيتزايد تلقائيا مع إصرار النجوم المتقدمين في السن مثل كريستيانو رونالدو وليونيل ميسي ولوكا مودريتش على خوض البطولة.
حيث يرى ويلسون أن وجود اللاعبين الكبار لن يجدي نفعًا، وسيكون بمثابة لعنة تكتيكية على المنتخبات، لعنة تحد من حيوية الفريق، وتحول الملعب إلى عرض تسويقي رخيص لتغذية منصات التواصل الاجتماعي بمحتوى ترفيهي فارغ، وهذا ليس كل ما في الأمر، حيث امتدت التغيرات لتطال قوانين البطولة ذاتها.
فقد أعلن رئيس لجنة الحكام بالفيفا، بييرلويجي كولينا، عن تطبيق قواعد جديدة مثل "قاعدة الاستبدال في غضون 10 ثوانٍ" للحد من إضاعة الوقت، في حين أصبحت فترات التبريد والترطيب إلزامية في كافة المباريات، أضف إلى ذلك تجاوز لوائح اللعبة التقليدية التي تحدد الاستراحة بـ 15 دقيقة فقط، وتمديد الاستراحة بين الشوطين في المباراة النهائية لإقامة حفل غنائي على طراز "السوبر بول" الأميركي، تعديلات عادية؟
ربما، ولكنها تُغلب الطابع التجاري، فبحسب ما ذكره الصحفي روبي جاي بارات أن الفيفا يتدخل بعنف لإفساد رتم اللعب الطبيعي، كما يرى الصحفي بارني روني، في تقرير بعنوان "Power and glory: World Cup promises a spectacle impossible to ignore" أن الآلة التجارية والسياسية الضخمة أطاحت بهوية "لعبة الشعب" محولة إياها إلى أداة استهلاكية هدفها الكسب في المقام الأول.
جباة الضرائب
مبدأيًا، قفز سعر تذكرة الفئة الأولى للمباراة النهائية إلى حوالي 32,970 دولارًا، كما أكد الصحفي آدم كرافتون أن زيادة الأسعار تغلغلت لتصل إلى البنية التحتية الأساسية والخدمات اللوجستية التي يتنقل خلالها الجمهور، حيث كشف كرافتون في تحقيق استقصائي أن تذكرة القطار من مانهاتن إلى ملعب ميتلايف ستشهد ارتفاعًا خياليًا يتجاوز 700% لتصل إلى أكثر من 100 دولار للرحلة ذهابًا وإيابًا، بينما سيتعين على المشجعين دفع ما بين 250 و300 دولار لمجرد صف سياراتهم في لوس أنجلوس، بالتزامن مع حظر الفيفا لزجاجات المياه الشخصية لإجبار المشجعين على الشراء بأسعار مضاعفة من الداخل.
كما يرى مراسل الجارديان في تورنتو، ليلياند سيكو، أن الفيفا مارس ابتزازًا غير مسبوق على الدول والمدن التي تتحمل عبء تمويل البنية التحتية، ويستشهد سيكو ببلد مثل كندا، قفزت فيه ميزانية الاستضافة في مدينة تورونتو من 45 مليون دولار كندي إلى 380 مليونًا، وفي فانكوفر إلى 624 مليونًا، مما يحمل دافعي الضرائب أموالًا طائلة، في الوقت الذي تحتكر فيه الفيفا عوائد البث والتسويق المعفاة من الضرائب، لماذا كل هذه الزيادة؟ لا يوجد تفسير إلا المثل المصري القائل بأن المهم ليس المال، بل الأموال.
الغريب، أن من سيدفع الفاتورة إضافة إلى المشجعين، هم اتحادات المنتخبات الـ 48 المشاركة في البطولة، فبحسب ما كتبه مات هيوز، مراسل صحيفة الغارديان، أن فشل الفيفا في إبرام اتفاقية إعفاء ضريبي شامل مع الحكومة الأميركية، سيجبر الاتحادات المشاركة على دفع ضرائب فيدرالية باهظة، تصل إلى 13.3% في كاليفورنيا و10.75% في نيوجيرسي، بالتزامن مع خفض المصروف اليومي للوفود من 850 دولارًا في قطر إلى 600 دولار فقط في هذه النسخة، وبشكل قد يؤثر على ميزانية تطوير اللعبة في الدول الفقيرة.
ترامب وشركاه
في 8 كانون الثاني/يناير 2026 أطلق أحد عناصر إدارة الهجرة الأميركية النار على امرأة تبلغ من العمر 37 عامًا في مدينة مينيابوليس فأرداها قتيلة، وفي 9 حزيران/يونيو 2026 منعت سلطات الحدود في مطار ميامي، الحكم الصومالي عمر عبد القادر أرتان، أفضل حكم في إفريقيا عام 2025، من دخول الولايات المتحدة الأميركية مما أدى إلى استبعاده من إدارة مباريات كأس العالم، لماذا؟ نفس السبب المعتاد منذ وصول ترامب إلى سدة الحكم، "بسبب بعض المخاوف الأمنية"، فما هو المشترك بين الحادثتين؟
ليس إلا ذعر إدارة ترامب وبيئته الحاضنة من كلمة "المهاجرين"، والدليل هو أن أجراس الإنذار قرعت بالفعل فور صدور قرار من إدارة ترامب بتعليق طلبات التأشيرة من 75 دولة، الأمر الذي أدى إلى عرقلة دخول العديد من الجماهير والإداريين.
تلك التوترات عصفت بحيادية البطولة من قبل أن تبدأ، خاصة مع وجود مخاوف من استخدام المونديال كغطاء للقيام بعمليات ملاحقة وترحيل جماعي للمهاجرين على أساس العرق أو الهوية، ما يعني أن العالم سيكون أمام كأس عالم مختلف تمامًا، ولا يمت بأي صلة لكأس العالم الماضي، قطر 2022.
فإذا كانت كرة القدم قد صمدت عبر التاريخ أمام الحروب والأزمات الكبرى، فإنها تقف اليوم في أميركا الشمالية أمام اختبارها الأصعب، تحالف بين سياسات الإقصاء، والجشع الرأسمالي، والعبث التكتيكي، فهل سيشهد العالم نسخة مشوهة من البطولة الأنجح والأبرز عالمياً؟