لماذا قد يعترف الأبرياء بجرائم لم يرتكبوها؟

لماذا قد يعترف الأبرياء بجرائم لم يرتكبوها؟

تلعب السمات الشخصية دورًا في مدى قابلية الشخص للاعتراف بجريمة لم يرتكبها (CBC)

في عام 1988 أدين الأمريكي مارتن تانكليف، بقتل والديه. كان مارتن في الـ17 من عمره آنذاك، وقد أخبره المحققون كذبًا أنهم عثروا على شعره في يد أمه المقتولة، وأن والده ذكر قبل أن يموت، أن ابنه هو الذي ارتكب الجريمة. 

الضغط النفسي والعصبي الذي يتعرض له الناس خلال التحقيقات يجعلهم في حالة صدمة قد تدفعهم للاستسلام والاعتراف بما لم يرتكبوه

صدق مارتن الأمر، واعتقد فعلًا أنه من قتل والديه، قائلًا: "والدي لا يكذب أبدًا". لكن في عام 2007، ظهرت أدلة جديدة في القضية، أسقطت التهم الموجهة لمارتن، ليخرج بريئًا من جريمة لم يرتكبها أصلًا.

اقرأ/ي أيضًا: هل تتحكم الوراثة في أقدارنا حقًا؟

لماذا يعترف الأبرياء بجرائم لم يتركبوها؟

كان أول إنذار على حدوث هذه الظاهرة، الذي أطلقه هوغو مونستربرغ، عالم النفس بجامعة هارفارد، عام 1908، محذرًا من الاعترافات غير الصحيحة تحت تأثير محققي الشرطة. لكن، استغرق الأمر عدة اعترافات غير صحيحة في القرن الـ20 قبل إدخال أدلة الحمض النووي إلى النظام القضائي.


اعترف هوي بيرتون بأنه قتل والدته، وبعد 30 عامًا ظهرت براءته

تعتمد تحقيقات الشرطة الأمريكية على افتراض أن الأبرياء لا يعترفون أبدًا بجرائم لم يرتكبوها. رغم أنه في الواقع، الاعترافات الخاطئة شائعة، وقد ظهر ذلك في تسعينات القرن الماضي، عندما بدأت أدلة الحمض النووي في تبرئة المدانين، بما في ذلك كثير ممن اعترفوا بجرائم لم يرتكبوها، إذ اعترف أكثر من 25% من مجموع الأشخاص الذين تمت تبرئتهم في السنوات الماضية في الولايات المتحدة، بارتكابهم الجرائم.

ويُعتقد أن الضغط النفسي والعصبي الذي يتعرض له الناس خلال استجواب الشرطة والمحققين لهم، يجعلهم متعبين وفي حالة صدمة قد تدفعهم للاستسلام وتقديم اعترافات كاذبة تدينهم.

هل طريقة استجواب الشرطة للمشتبه بهم عادلة؟

ينتشر بين أجهزة الشرطة حول العالم استخدام أسلوب استجواب يعرف بـ"تقنية ريد"، حيث يطرح المحقق على المشتبه به أسئلة بعضها غير ذي صلة، وبعضها الآخر استفزازي. ويسمح هذا الأسلوب لرجال الشرطة باستخدام التكتيكات الخادعة عند استجواب المشتبه بهم.

وقبل الاستجواب يدقق المحققون في المشتبه بهم بحثًا عن علامات كذب أو خداع تظهر عليهم، مثل النظر بعيدًا أو عقد الذراعين. وإذا اعتقد المحققون أن المشتبه به يكذب، فإنهم يستجوبونه بطرق تفرض عليه الشعور بالذنب، مع إصرارهم على رفض إنكاره للجريمة. ثم يبدأ المحققون بتخفيف وطأة الجريمة لجر المشتبه به للاعتراف بها.

وأيضًا كجزء من تقنية الخداع لجر المشتبه به للاعتراف بارتكاب الجريمة، قد يخبره المحققون أن الأدلة الجنائية تثبت بلا شك أنه هو مرتكب الجريمة، رغم أنه قد لا يكون هناك أي دليل على الإطلاق. وأيضًا قد يوهمون المشتبه به بإجراء اختبار كذب له، ويدعون أنه فشل في الاختبار.

كل هذا يتسبب في وضع المشتبه به تحت ضغط وإرهاق كبير، قد يدفعه للاعتراف بالجريمة التي لم يرتكبها، من باب الاستسلام للخروج من الموقف وإنهاء الاستجواب. وفي بعض الحالات، يعتقد المشتبه بهم أن النظام القضائي سيثبت براءتهم لاحقًا.

وقد يخبر محققو الشرطة المشتبه بهم بأن الأدلة ضدهم قوية لدرجة أنهم سيدانون بغض النظر عن السبب، وأنهم في المقابل إذا اعترفوا فستكون عقوبتهم أخف، ما يجعل المشتبه بهم يشعرون بأنه لا خيار أمامهم سوى الاعتراف هروبًا من عقوبة سجن مطولة أو عقوبة الإعدام، حتى لو كان الاعتراف غير صحيح.

السمات الشخصية تشكل فرقًا

في بعض الدول، مثل بريطانيا، لا يسمح باستخدام مثل هذه التقنيات في التحقيق، وبدلًا من ذلك تعتمد الشرطة وأجهزة التحقيق على تقنية تعرف بـ"المقابلة الاستقصائية"، والتي تركز على جمع المعلومات بدلًا من الحصول على الاعتراف. وفي دولة مثل إسكتلندا لا يكفي اعتراف المشتبه به للإدانة، بل يجب تواجد دليل مستقل.

من جهة أخرى، فإن بعض المشتبه بهم قد يكونون أكثر عرضة من غيرهم للاعتراف الخاطئ، مثل الأطفال، والمراهقين، والأشخاص الذين يعانون من اضطرابات عقلية، وحتى البالغين الضعفاء الذين لا يستطيعون مجابهة ضغوط التحقيقات.

كما أن السمات الشخصية أيضًا تشكل فارقًا، فمن الذين يكونون أكثر عرضة من غيرهم للاعتراف الخاطئ: الأشخاص الذين يميلون لإرضاء الآخرين أو يعانون من ضعف الثقة بالنفس أو اضطرابات النوم.

وتعد القضية التي وقعت عام 1975 في برمنغاهم مثالًا على الاختلافات في قابلية الناس للاعتراف تحت الضغط، حيث تم تفجير حافلتين في برمنغهام البريطانية، ما أسفر عن مقتل 21 شخصًا وإصابة 200 آخرين، وعلى إثرها ألقي القبض على ستة أشخاص من المهاجرين، وحكم ضدهم بالسجن المؤبد رغم أنهم أبرياء.


الذين يعانون ضعف الثقة بالنفس أو اضطرابات النوم أكثر عرضة للاعتراف بجرائم لم يرتكبوها

بعد 16 عامًا، أطلق سراح المهاجرين الذين قبض عليهم، بعد أن اعترفت السلطات بأنهم أدينوا بصورة غير شرعية، وأنهم تعرضوا لسوء المعاملة الشديدة. وقد كشفت الاختبارات الشخصية التي أجريت لهم أنهم كانوا أكثر قابلية للوقوع في فخ الإيحاء، وأكثر خضوعًا أمام سطوة المحققين والتحقيقات.

هذا ويمكن أيضًا أن تؤدي طبيعة الأسئلة إلى التأثير على ذاكرة الشخص لحدث ما عن طريق افتراض صحة بعض المعلومات أو تضييق الخيارات المطروحة على المشتبه به. على سبيل المثال، في إحدى الدراسات، سئل المشاركون عما إذا كانوا قد رأوا "المصباح المكسور" بدلًا من "مصباح مكسور" بصيغة النكرة، ما ضاعف من عدد المشاركين الذين أجابوا بأنهم رأوا ذلك.

الذين يميلون لإرضاء الآخرين أو يعانون من ضعف الثقة بالنفس قد يكونون أكثر عرضة من غيرهم للاعتراف بجرائم لم يرتكبوها

إذًا، هل يحدث أحيانًا أن يعترف الأبرياء بجرائم لم يرتكبوها؟ نعم، وهناك الكثير من الحوادث التي توثق هذه الحقيقة، كما أن العلماء اكتشفوا الأسباب وراء ذلك. وعليه، فرغم أنه قد لا يكون من الممكن منع حدوث اعترافات خاطئة تمامًا، إلا أنه من الممكن الحد منها بتغيير أساليب التحقيق بما يراعي نفسية المشتبه بهم، ولا يضع ضغوطًا هائلة عليهم.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الدماغ.. ساحة حروب المستقبل القريب

كيف يمكن لقطعة حلوى أن تعالج مرضك؟.. عن القدرة غير المحدودة للوهم