لماذا فشل قائد السبسي في أوساط الشباب التونسي؟

لماذا فشل قائد السبسي في أوساط الشباب التونسي؟

أخطأ الباجي قائد السبسي في العديد من تقديراته (أمين الأندلسي/الأناضول)

تبلغ نسبة الشباب في تونس أكثر من 50% من تعداد السكان، في حين يتصدّر المشهد السياسي العجائز، كما أشعل شباب تونس نيران الثورة، منتفضًا ضدّ الفقر والتهميش والفساد لينتفع بمكاسبها فيما بعد الشيوخ، ويحكم البلاد شيخ يتجاوز الـ87 سنة، ويحاول "سيادته" أن ينفخ في صورة الراحل الحبيب بورقيبة الرئيس الأسبق، ويستلهم منه لعله يقنع الشعب بأدائه وحكمته أو ربّما ليضمن بعض الحبّ والطاعة العمياء في واقع متقلب وصعب على القيادة رغم وجود مرتكزاتها ولكن مرتكزات القيادة في العهود السابقة ليست قادرة على الصمود والنجاح في الوقت الراهن.

يحاول قائد السبسي أن ينفخ في صورة بورقيبة، ويستلهم منه لعله يقنع الشعب بأدائه وحكمته أو ربما ليضمن بعض الطاعة العمياء في واقع صعب القيادة

ورغم محاولات الباجي قائد السبسي تقليد بورقيبة واستحضاره بيننا، لم ينجح في إطفاء الغضب الشعبي ضدّه، فاندلعت في فترة حكمه مظاهرات واحتجاجات اجتماعية أخمدت بالقوة مرّة في الجنوب سنة 2015 ومرّة أخرى بالوعود في التشغيل والنهوض بالجهة في القصرين سنة 2016 وفي بعض محافظات الداخل الأخرى.

أخطأ الباجي قائد السبسي في تقديراته حول استحضار الزعيم الراحل والنفخ في صورته وتقليد تفاصيله واعتبار ذلك صمّام الأمان لحكمه وضمانة لطاعته، رغم أنّه أحاط نفسه بشيوخ المشهد السياسي بشقيه المعاضد والمعارض، إضافة إلى شخصيات رافقت بورقيبة في حكمه، وذلك أثناء الاحتفال بالذكرى الخامسة للثورة بقصر قرطاج.

كما فشل الباجي مرّة أخرى في أن يجمع الجميع من حركة نداء تونس، الحزب الحاكم، حول ابنه، وريثه في تسيير إدارة الحزب، على عكس الزعيم الراحل الذي أخرج ابنه من دائرة الفعل السياسي واحتكره لنفسه مدى الحياة، ليعرف نداء تونس بعد ذلك مرحلة "الشقوق" ووصل الأمر إلى تبادل العنف بين الأعضاء واستثمر أصحاب الأموال في الحزب أملًا في أن يعود إلى سالف عهده ويجدد دماءه بالأموال التي ضخت لـ"لشقوق" الندائية المتخاصمة.

يبدو أن مقولة الأموات يحكمون من وراء القبور لم تنجح هنا في تونس، حتى وإن كانت سيرة الأموات حسنة وناجحة فشباب تونس قد تخلى عن كبسولات الأفكار الجاهزة وعن التصديق الأعمى بمعجزات الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة في النهوض بتونس وبناء الدولة الوطنية. لا يزال الحيف الاجتماعي قائمًا بين الجهات: جهات تنتج كبار الموظفين وحكام البلاد وجهات أخرى تنتج صغار الموظفين والفلاحين والعملة والخادمات، كلهم تونسيون على الورق تعترف الدولة ببعضهم من ناحية الامتيازات المادية والمعنوية وتزدري البعض الآخر الذي لا يزال تحت الدرجة الصفر من الفقر.

لا تزال "الدولة الوطنية"، الشعار الذي دخل به الندائيون الحملة الانتخابية، تعتمد البيروقراطية في تسيير الأمور، ويعشش فيها الفساد بل ويجد رواجًا كبيرًا في أوساطها إن لم يكن سمتها الأساسية، ولم تغيّر الثورة كثيرًا من ميزات الدولة التونسية بل أبقت عليها كما هي. تساهم الدولة بشكل مباشر وغير مباشر في قتل شبابها معنويًا وماديًا، في هذا السياق، أشار تقرير البنك الدولي الصادر بتاريخ تشرين الأول/أكتوبر 2014 إلى ارتفاع نسبة البطالة والإحباط في صفوف الشباب التونسي كما لا يزال يواجه التجاهل من السلطة التي لم تشركه في التشاور حول مصير البلاد وأهمّ قضاياها.

لم ينجح قائد السبسي في إطفاء الغضب الشعبي ضده فاندلعت في فترة حكمه مظاهرات واحتجاجات أخمدت بالقوة 

والحقيقة لم تكذّب الدولة التونسية تقرير البنك الدولي، لتواجه سنة 2015 مظاهرات شبابية في حملات مختلفة منها "وينو البترول" و"مانيش مسامح"، وذلك بعصا القمع وتمّ تفريق مظاهراتهم بالقوة والاعتداء على أبرز رموز الحراك الشبابي بتونس.

لم ينجح الباجي في أوساط الشباب بسبب التدهور الاقتصادي والاجتماعي، الذي تعيشه تونس أيضًا، وعودة بوادر الدكتاتورية التي تعتمد القوة لقمع الرأي المخالف، كلّ ذلك ساهم في فشل الباجي قائد السبسي كرئيس لنصف التونسيين الشباب، الذين تعاملوا مع وجوده في قصر قرطاج كبلاء مؤقت وسينتهي قريبًا أو كمقطع ساخر في مسرحية سمجة لم تنته أحداثها بعد.

اقرأ/ي أيضًا:

عامان في عمر الدستور التونسي.. والتفعيل منقوص!

توافقات تونسية هشة.. في انتظار انفجار الشارع