لماذا خرجت ألمانيا من الدور الأول لمونديال 2018؟

لماذا خرجت ألمانيا من الدور الأول لمونديال 2018؟

مثل الخروج المبكر للمنتخب الألماني من مونديال 2018، زلزالًا مدويًا (رويترز)

قبل سنة تقريباً، فاجأ يواكيم لوف المتابعين الكرويين، عندما استبعد غالبية نجوم المنتخب، كأوزيل وهاميلز وكروس ونوير وغيرهم، واستدعى لاعبي الصف الثاني، للمشاركة في كأس القارات التي أقيمت في روسيا. نجح رهان المدرب المتوج بكأس العالم 2014، وتمكنت التشكيلة الشابة من الظفر بالبطولة بعد الفوز على تشيلي في النهائي.

اعتقد جمهور المنتخب الألماني أن المنتخب قادر على المحافظة على لقبه ومعادلة نجمات البرازيل الخمس في مونديال 2018

ارتفعت معنويات النقاد والصحفيين في ألمانيا، واعتقد الجمهور الألماني أن المنتخب قادر على المحافظة على لقبه، ومعادلة نجمات البرازيل الخمس، في مونديال روسيا 2018. كانت كل الأمور تشير يومها إلى أن ألمانيا تضم تشكيلتين قويتين، وأن دمج لوف للاعبي الخبرة مع الشبان المتوجين في القارات، سيُنتج فريقاً مرعباً لا يمكن هزيمته.

اقرأ/ي أيضًا: لعنة حامل اللقب.. ألمانيا عاشر بطل يفشل في أولى مبارياته في المونديال

 خسرت ألمانيا مباراتها الافتتاحية ضد المكسيك بهدف مقابل لا شيء؛ المكسيك نفسها التي هزمتها ألمانيا بتشكيلتها الرديفة في كأس القارات. اعتقد بعض محبي منتخب المانشافت أن هذه ليست سوى كبوة حصان، بينما تسلّل الشك إلى نفوس البعض الآخر.

هدف توني كروس المتأخر جداً ضد السويد،  منح الألمان ثلاث نقاط غالية، أنقذتهم من خروج شبه محتم. الفوز القاتل والإصرار على المحاربة حتى آخر ثانية، برغم طرد بواتنغ، أعطى أملاً للألمان، وشعروا أن هذا الفوز الدراماتيكي سيكون مؤشراً إلى أن أشياء جميلة مخبأة للمنتخب، إلا أن المفاجأة أتت في المباراة الثالثة، حيث خسرت ألمانيا أمام كوريا الجنوبية 2-0، وخرجت للمرة الأولى في تاريخها من دور المجموعات، ليشكل خروجها زلزالاً مدوياً في الأوساط الكروية. فما هي أسباب هذا الخروج؟

الألمان الذين حققوا اللقب في مونديال 2014 لم يستطيعوا الاقتراب منه حتى في مونديال 2018
الألمان الذين حققوا اللقب في مونديال 2014 لم يستطيعوا الاقتراب منه حتى في مونديال 2018

في مونديال 2010 في جنوب أفريقيا، خرجت إيطاليا بقيادة مارتشيلو ليبي -الذي قادها للقب في 2006- من دور المجموعات، وكذلك فعلت أسبانيا بطلة 2010 مع فيسنتي ديل بوسكي، عندما قدمت مونديالاً كارثياً مع ديل بوسكي نفسه، وخرجت من دور مجموعات مونديال البرازيل 2014.

قبل انطلاقة مونديال روسيا تهامس البعض: هل تخرج ألمانيا هي الأخرى من الدور الأول مع يواكيم، المدرب نفسه الذي توجت معه في الدورة السابقة؟ كانت الفكرة تبدو مجنونة وقتها، لكنها تحققت اليوم، فهل هذه محض صدفة؟

يعتمد يواكيم على العناصر نفسها منذ مونديال 2010 ( نوير وبواتينغ وخضيرة وأوزيل وكروس ومولر) في كل مسابقة يقوم بتطعيم التشكيلة بلاعب أو اثنين جدد، مع الحفاظ على الثوابت التي تشكل العامود الفقري للفريق.

الاستقرار في التشكيلة على مدار عدة سنوات، هو عامل إيجابي ويخلق فريقاً متجانساً يمكنه المنافسة دائماً. وقد نجح لوف في الوصول إلى نصف النهائي على الأقل، في الدورات الست التي قاد بها المنتخب قبل روسيا 2018، وهذا دليل واضح على مكانته الواضحة كواحد من أنجح مدربي المنتخبات في تاريخ اللعبة، إلا أن الخروج المدوي من دور المجموعات، سيظل لطخة كبيرة في سجلاته كمدرب.

المشاركة في كأس العالم والتتويج به هو الحلم الأكبر للاعب كرة القدم، كذلك للمدرب، لكن قد تشعر المجموعة بفقدان الجوع والشهية بعد التتويج به، هذا أمر كان قد حذر منه عديد النجوم الألمان السابقين، ككلينسمان وماثيوس وغيرهم.

الحوافز والدوافع الفردية للفوز غابت عن تشكيلة 2018 للمنتخب الألماني، وبدأ يظهر التراجع في المستوى وفي التجانس

الروح التي لعب بها منتخب ألمانيا في 2014، ومكنته من الفوز على ثلاث منتخبات مرشحة بقوة للقب: البرازيل المضيفة والأرجنتين وفرنسا.. هذه الروح لم تظهر في روسيا. ففي البرازيل كان رجال يواكيم لوف يشعرون بأن الوقت قد حان لكسر الطالع السيء، وأن تجربة هذا الجيل قد نضجت فعلاً، وبالتالي يجب العودة بالكأس الغالية إلى برلين.

اقرأ/ي أيضًا: "المانشافت" يقهر المستحيل ويخرج لأول مرّة مبكّرًا من المونديال!

نذكر في هذا السياق تحامل شفاينشتايغر على إصابته في النهائي، وإصرار هاملز على العودة للعب بعد الغياب عن مباراة الجزائر. ميروسلاف كلوزة، ابن الـ35 سنة يومها، والذي يلعب مع المنتخب منذ مونديال 2002، كان مصراً على تتويج مسيرته الدولية بالظفر بلقب كبير، وكذلك على المستوى الشخصي كان يأمل بكسر رقم رونالدو، وتسجيل هدفه المونديالي الـ15 والتربع على عرش هدافي المونديال على مدار التاريخ.

الحوافز والدوافع الفردية غابت عن تشكيلة 2018، والتراجع في المستوى وفي التجانس بدأ يظهر منذ عدة أشهر، لكن الجماهير كانت مقتنعة بأن هذه ليست إلا سحابات صيف، وأن الوضع في المونديال سيكون مختلفاً، وأن الألمان يكونون دائماً على الموعد في المباريات الكبرى.

وفي التصفيات المؤهلة إلى المونديال حققت ألمانيا العلامة الكاملة، وفازت بمبارياتها العشر. انتهت التصفيات في الخريف الماضي، وبدأ الأمور تسير بشكل تنازلي منذ ذلك الوقت؛ فلعبت ألمانيا مباريات ودية ضد أسبانيا والبرازيل وفرنسا في الربيع، وكانت الطرف الأسوأ في المباريات الثلاث، وخسرت من النمسا قبيل المونديال. ورددت الجماهير تبريرات مثل أن هذه ليست إلا مباريات ودية، كنوعٍ من الإنكار لفقدان المنتخب للنسق المطلوب في الملعب. 

استبعاد ليروي ساني -نجم مانشستر سيتي، وصاحب التمريرات الحاسمة الـ14- من التشكيلة، شكل صدمة للمتابعين حول العالم، لكن البعض كان يقول: "نحن نثق بيواكيم لوف، لقد قادنا للنجمة الرابعة، وهو يعرف مصلحة الفريق".

غابت الحوافز والدوافع الفردية عن تشكيلة المنتخب الألمانية في 2018
غابت الحوافز والدوافع الفردية عن تشكيلة المنتخب الألمانية في 2018

تعرض جيروم بواتنغ لهتافات عنصرية  من جماهير ألمانية قبل المونديال، والتقط مسعود أوزيل صورة مع الرئيس التركي أردوغان، فانهالت عليه الانتقادات من الصحافة الألمانية، وانتقده أوليفر بيرهوف مدير المنتخب بسبب عدم أدائه للنشيد الوطني مع زملائه، ثم عاد وتراجع عن النقد.

وخرجت تسريبات في الصحف الألمانية عن انزعاج طوني كروس من قيام لاعبي بايرن ميونيخ في المنتخب بتشكيل مجموعة خاصة بهم (نوير وهاميلز ومولر ورودي)، فيما استغرب مصطفى أوزيل والد أوزيل قيام الصحافة بانتقاد ابنه بعد كل خسارة، وتجاهل أخطاء الباقين، ولمح إلى وجود خلفية عنصرية وراء النقد. أوزيل أعلن مؤخراً اعتزاله اللعب الدولي، وانتقاله نهائياَ للعيش في لندن.

المنتخب الذي اشتهر على الدوام بانضباطه التكتيكي والفني وبالإستقرار على مختلف الأصعدة، وجد نفسه في روسيا عرضة للتجاذبات وللتباينات. غياب اللاعبين أصحاب الشخصية في الملعب، والقادرين على قيادة المجموعة، كما الحال مع شفاينشتايغر ولام في 2014، وتراخي  لوف في ضبط الأمور، كذلك غياب الدافعية والروح القتالية، والشغف للفوز والإنتصار، كلها عوامل أدت إلى الخروج الكارثي.

المنتخب الألماني الذي اشتهر بانضباطه الفني واستقراره، وجد نفسه في مونديال 2018، عرضة للتجاذبات والتباينات

البعض في ألمانيا يهمس اليوم: هذا الجيل انتهى عملياً في يورو 2016، وكان الأجدى بلوف أن يلعب بتشكيلة كأس القارات نفسها، التكشيلة التي كانت قادرة على الوصول إلى ربع النهائي مثلًا، وإعطائه الخبرة والتجربة لتعود للمنافسة بقوة وجدية في المحافل القادمة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

جماهير البرازيل وألمانيا في لبنان.. نيران السخرية تشعل السوشال ميديا

جوائز مونديال 2018.. كم سيحصد بطل العالم القادم؟