ultracheck
  1. رياضة

لماذا تنهار الفرق في الشوط الثاني من مباريات خروج المغلوب في المونديال؟

14 يوليو 2026
كأس العالم 2026
انهارت مصر بعد تقدمها أمام الأرجنتين بهدفين دون رد (جيتي)
محمود ليالي محمود ليالي

عند لحظة ما أثناء الإعداد للعب أول مباراة كرة قدم على الإطلاق، لا بد أن مؤسسيها اعتقدوا أنهم يمنحون البشرية لحظة مثالية للترفيه والتسلية، عقد اجتماعي جديد ينسى الناس على إثره خلافاتهم السياسية والاجتماعية ولو لساعات قليلة، يلتفوا حول معنى أكبر وأعظم من حياتهم الضيقة، والمحكوم عليها بالفناء، الدفاع عن المدينة، وقيم الشرف، والانتماء، والفخر، والمساواة، فلا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بما يملك من مهارات.

وعندما قرر أول شخص تملك أول قطعة أرض في التاريخ، لابد أن تفكيره كان يحوم حول الحفاظ عليها وعلى خصوبتها، وعندما قرر العالم تبني النظام الليبرالي الرأسمالي، كان يفكر في أن حرية الأفراد، بمعناها الواسع، اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا، ستحرك الاقتصاد لصالح المجتمع والخدمات العامة بشكل تلقائي، وأن قوى العرض والطلب تضبط الأسعار دون تدخل خارجي، وستوجه أموال المستثمرين نحو المشاريع الأكثر نفعًا للبشرية.

هناك سر ما في الدقيقة 70 تحديدًا، لأنها الدقيقة التي يشعر فيها اللاعب أنه وصل إلى أقصى مراحل الأداء

وفي منطقة وسيطة من كل ذلك، تقع إجابة السؤال: لماذا تنهار الفرق في الشوط الثاني من المونديال؟ وما هي أسباب هذا الانهيار السريع خاصة في الشوط الثاني من مباريات خروج المغلوب؟ وما علاقة أميركا بالأمر؟ ما بدأ بنية حسنة، انتهى به المطاف إلى ما يعيشه العالم اليوم في كل المجالات، فالشيطان لا يكمن إلا في النوايا الحسنة.

الشيطان يكمن

اخترع الإنسان الديناميت من أجل مساعدة عمال المناجم في تكسير الحجارة، ولكن نفس الإنسان لأطماعه وهوى نفسه، تسبب في قتل مئات الملايين بنفس الديناميت، الذي كان سببًا رئيسيًا لاستعباد العمال بعد ذلك، ثم اقتصر عمله في المناجم على زيادة الإنتاج، أي أن الرأسمالي وجد طريقة ما لاستخدام الديناميت، على عكس ما هو مصنوع من أجله، أما سبب هذا الانقلاب، فهو كان، ولازال، الرغبة في زيادة الأرباح، المصلحة هي أبسط وأوضح التفسيرات لحركة التاريخ.

خاصة مع تكرار نفس الحالة مع كل اختراع إنساني تقريبًا، دائما ما ينتهي على عكس ما بدأ، ودائمًا ما يبدأ هذا التحول في اللحظة التي يرى فيها أصحاب رؤوس الأموال أن تلك المساحة جيدة، ويمكن حلبها ودر المزيد من الأموال، في دائرة مسمومة يمكن سحبها على كل شيء، بما في ذلك كرة القدم، ليس لأن التاريخ يعيد نفسه فقط، بل لأن النفس البشرية لم تتغير، واحدة في كل الأوقات، الله ألهمها فجورها وتقواها، والفجور يأتي أولا من غياب العدالة والمحاسبة، والطمع والنهم الشديد.

وكرة القدم لم تكن يومًا بمعزل عن تلك الحالة، فهي لعبة تشكلت على مقاس سياسة العالم، وهي وسيلة من وسائل الصراع، ووسيلة من وسائل الربح، ومن تلك الفكرة تبدأ أول قطعة دومينو في السقوط، في مقاله "Fatigue has shaped the balance and madness of today’s Premier League"، يطرح الكاتب الصحفي جوناثان ويلسون، كمقدمة للبعد الاقتصادي والاجتماعي لهذه الأزمة، أن الإرهاق البدني بات هو السمة الغالبة على اللعبة، منذ متى؟ لا يوجد موعد محدد، ولكن باختصار ليس مخلا، من اللحظة دخل فيها رأس المال على الخط.

حيث أدى التوسع المستمر للبطولات، استجابة للمطالب الرأسمالية للأندية الكبرى، إلى إنهاك أجساد اللاعبين وتراجع جودة اللعب، الأمر الذي يجعل من انهيارهم الفسيولوجي في الأدوار الإقصائية للمونديال أمرًا حتميا ولا مفر منه.

ويخلص باحثون من منظمة فيفبرو، النقابة الدولية للاعبي كرة القدم المحترفين، إلى أن غياب الحماية العمالية بشكل عام، وتحويل اللاعبين إلى أصول مالية قابلة للاستهلاك، أضف إلى ذلك عدم وجود نقابات فاعلة تدفع في الاتجاه المعاكس، هو السبب الرئيسي لتزايد عدد الإصابات، خاصة تلك المرتبطة بالتمزق العضلي، خاصة مع تعقد اللعبة على المستوى التكتيكي، وهو ما دفع المنظمة إلى اللجوء نحو مقاضاة الاتحاد الدولي لكرة القدم لانتهاكه معايير السلامة المهنية.

في سبيل الحداثة 

في كتابه "الهرم المقلوب"، يرى ويلسون أن اللعبة شهدت تحولات تاريخية معقدة انتهت بهيمنة فلسفة الاستحواذ والضغط العكسي المكثف، وهو مسار ثقافي وتكتيكي جديد فرض على اللاعبين تقديم مستويات استثنائية من اللياقة والركض المستمر لإغلاق المساحات واسترجاع الكرة بأسرع وقت ممكن، وأن تلك المتطلبات البدنية لم تعد تتيح للاعبين أي فرصة لالتقاط أنفاسهم، خاصة مع انتشار الضغط كترند تكتيكي ضرب العالم في السنوات الأخيرة.

إذ يتطلب أسلوب الضغط العالي والعكسي مطاردة الخصم بشكل مستمر في جميع أرجاء الملعب، وهو ما يرفع من معدلات الاستنزاف العضلي المبكر للاعبين ويجعل من استمرارية الأداء الجيد في الشوط الثاني شيئًا في غاية الصعوبة، بل وربما ضربا من الجنون، فلن يستطيع أي لاعب مهما كان مستواه أن يضغط بنفس الكفاءة طوال المباراة، وإن استطاع اليوم، فلن يقدر غدا، والإصابة تبقى قريبة منه، ولو بعد حين.

حيث يشير الكاتب توم وورفيل إلى أن معظم الأندية تضطر لتخفيض حدة ضغطها في الثلثين الأوسط والأخير في بعض أوقات الموسم لتجنب الانهيار العضلي، ولكن مع التحام المواسم والبطولات، والضغوط الثقافية والتاريخية  لمباريات خروج المغلوب في المونديال، يُجبر المدرب على عدم التنازل عن منظومة الضغط التي يعمل من خلالها، رغم إرهاق اللاعبين، مما يفسر التراجع الدرامي للمنتخبات بمجرد ملامسة الدقيقة 70، الغريب، أن هناك سر ما في تلك الدقيقة تحديدًا، لأنها الدقيقة التي يشعر فيها اللاعب أنه وصل إلى أقصى مراحل الأداء.

في كتابه "علم الجري" (Lore of Running)، يقول البروفيسور تيم نوكس أن الانهيار البدني لا يحدث بسبب النضوب الكيميائي في العضلات، أو انقباض العضلات، أو الاستنفاد التدريجي لمخازن الطاقة، الجليكوجين والفوسفوكرياتين، أو تراكم النواتج الأيضية، مثل أيونات الهيدروجين وحمض اللاكتيك فقط، بل لأن المخ يتدخل ويحد من جهد العضلات لحماية الجسم من الانهيار أو الأذى الدائم، في آلية دفاعية تعرف باسم نظرية "الحاكم المركزي" (Central Governor Theory).

أسباب الانهيار

هناك ثلاثة أسباب طبية لهذا الانهيار في المستوى:

  1. يوضح الطبيب والباحث الرياضي جاك هوريل في تقريره المنشور عبر شبكة براينت نيوز أن البيانات  وإحصاءات GPS تثبت علميًا أن أعلى معدل في الإصابات العضلية يحدث تحديدًا بين الدقيقة 60 والدقيقة 75، حيث تفقد الأنسجة العضلية قدرتها على تحمل الشدة، نتيجة لتراكم الجهد عبر فترات طويلة، وقصر فترات التعافي المتاحة للمنتخبات.

  2. بحسب ما ذكره الدكتور جاك سبيتلر، الباحث بمركز يو سي هيلث (UCHealth)، فالإرهاق يؤثر سلبا على نظام التوافق العصبي العضلي، مما يفقد اللاعب السيطرة على المفاصل، لتصبح العضلات الخلفية والضامة فريسة سهلة للتمزق عند القيام بأي حركة مفاجئة أو تغيير في الاتجاه،  تحديدًا خلال الشوط الثاني.

  3. يؤكد الباحثون في منصة "أيبكس لعلوم الحركة والأداء الرياضي" أن الإرهاق يتضمن كذلك جانبًا نفسيًا يتمثل في التعب الذهني، والذي يؤدي لانخفاض نشاط القشرة الجبهية في الدماغ، وهو ما يبطئ سرعة رد الفعل بنسبة تصل إلى 15%، ويتسبب بشكل مباشر في تقلص العضلات، وتضافر هذه العوامل، مع ضغوط المباريات المتتالية يجعل من الدقيقة السبعين جدارًا صلبا لا يمكن اختراقه بسهولة.

ما بدأ كلعبة بريئة تهدف للتسلية وجمع البشر حول أهداف نبيلة، انتهى به المطاف كصناعة تضع الأرباح وحقوق البث وعائدات التذاكر فوق صحة اللاعبين، لعبة حولت أبطالها إلى تروس قابلة للاستهلاك والاستبدال في ماكينة لن تتوقف عن الدوران.

كلمات مفتاحية
السوبر الأوروبي

باريس سان جيرمان وأستون فيلا.. صراع أوروبي على أول ألقاب الموسم

تحولت المباراة إلى حدث يحمل أبعادًا تتجاوز المستطيل الأخضر، بعدما اختار اليويفا الحكم الصومالي عمر آرتان لإدارتها

كريستيانو رونالدو

ما رآه فرانز فكافكا.. مشاهد شكلت شخصية كريستيانو رونالدو

في تحليل شخصية رونالدو، يبدو أن كافكا لم يكن متشائمًا بقدر ما كان عالمًا بدهاليز النفس البشرية، وأزمات الإنسان المعاصر مع هويته وماضيه ومستقبله

محمد صلاح

هل يكتب محمد صلاح نسخة جديدة من قصة مارادونا؟

لا تبدو القصة وكأن صلاح يحاول أن يكون "مارادونا جديدًا" بل يحاول أن يصنع في وقت أقصر أثرًا يشبه الأثر الذي تركه مارادونا في نابولي

الإسماعلية
مجتمع

خرجوا بحثًا عن الرزق فعادوا جثامين.. حادث الدواويس يفتح ملف عمالة الأطفال في مصر

من بين أكثر مشاهد الحادث قسوةً وإيلامًا، أن الموت لم يطرق باب أسرة واحدة مرةً أو مرتين، بل اقتحمها دفعةً واحدة

ميتا
تكنولوجيا

1.4 تريليون دولار على المحك.. ميتا تواجه أخطر معاركها القضائية

تكتسب القضية أهمية خاصة بسبب حجم التداعيات المحتملة؛ إذ قالت "ميتا" في ملفات قضائية إن الأضرار التي قد تواجهها يمكن أن تصل إلى 1.4 تريليون دولار

السوبر الأوروبي
رياضة

باريس سان جيرمان وأستون فيلا.. صراع أوروبي على أول ألقاب الموسم

تحولت المباراة إلى حدث يحمل أبعادًا تتجاوز المستطيل الأخضر، بعدما اختار اليويفا الحكم الصومالي عمر آرتان لإدارتها

الصومال
مجتمع

أزمة جوع في الصومال.. أموال الإغاثة تتبخر والأطفال يدفعون الثمن

تعيد الظروف الحالية إلى الأذهان أزمة الجفاف التي دفعت الصومال عام 2022 إلى حافة المجاعة