لماذا تنقل دول أوروبية ذهبها من أميركا الشمالية؟
6 سبتمبر 2026
تتجه بنوك مركزية أوروبية إلى إعادة توزيع جزء من احتياطياتها من الذهب بعيدًا عن الولايات المتحدة وكندا، في خطوة تعكس تغيرًا في طريقة إدارة الأصول الاحتياطية وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية والاقتصادية عالميًا، من دون أن تعني بالضرورة توقع حدوث أزمة مالية وشيكة.
وكان البنك المركزي الهولندي أحدث المؤسسات الأوروبية التي كشفت عن هذه الخطوة، بعدما أعلن نقل 86 طنًا من الذهب كانت مخزنة في الولايات المتحدة وكندا إلى لندن، حيث أصبحت محفوظة في خزائن بنك إنجلترا.
وحسب تقرير لشبكة "بي بي سي"، تملك هولندا نحو 313 طنًا من الذهب موزعة بين الولايات المتحدة وكندا ومواقع أخرى، وقال البنك المركزي إن عملية النقل، التي جرت بين آذار/مارس وآب/أغسطس من هذا العام، جاءت في ظل "تزايد الاضطرابات الجيوسياسية"، بهدف جعل الذهب "متاحًا بسهولة أكبر للاستخدام في حالة حدوث أزمة".
لا مؤشرات على أزمة وشيكة
أثار نقل الذهب الهولندي تساؤلات بشأن ما إذا كانت السلطات النقدية تستعد لصدمة اقتصادية أو مالية كبيرة، لكن المؤشرات المتاحة لا تدعم فكرة وجود توقع رسمي لأزمة وشيكة. وقال محافظ البنك المركزي الهولندي أولاف سلييبن إن المؤسسة تتوقع ألا تضطر إلى استخدام احتياطياتها من الذهب، لكنها تريد في الوقت نفسه تعزيز قدرتها على الصمود والاستعداد للأزمات. وتشير تصريحات خبراء سوق الذهب إلى أن الاعتبارات الجيوسياسية تمثل جزءًا من الصورة، لكنها ليست العامل الوحيد وراء إعادة توزيع الاحتياطيات.
وقال جوزيف كافاطوني، كبير استراتيجيي الأسواق في مجلس الذهب العالمي، إن الحروب والتوترات التجارية تؤثر في بعض قرارات البنوك المركزية، لكنها لا تتصدر قائمة دوافعها. وتدخل في الحسابات أيضًا معدلات التضخم وأسعار الفائدة، إلى جانب الحاجة إلى الاحتفاظ بالذهب في مواقع يمكن تداوله فيها بسرعة.
أعلن البنك المركزي الهولندي نقل 86 طنًا من الذهب كانت مخزنة في الولايات المتحدة وكندا إلى لندن، فلماذا تفعل أوروبا ذلك؟
ويرى كافاطوني أن التحركات الحالية لا تعكس شعورًا بـ"هلاك وشيك"، بقدر ما تعكس تحسنًا في طريقة تفكير البنوك المركزية بشأن إدارة أصولها الاحتياطية وتنميتها والاستفادة منها.
هولندا ليست وحدها
التحرك الهولندي يأتي ضمن اتجاه أوسع في أوروبا، فقد أعلنت فرنسا في وقت سابق من هذا العام أنها أعادت احتياطياتها من الذهب من الولايات المتحدة إلى الأراضي الفرنسية، بينما سبق للبنك المركزي الألماني "بوندسبانك" أن نقل أكثر من 216 طنًا من الذهب المخزن في الخارج، بينها 111 طنًا من نيويورك و105 أطنان من باريس، في عملية امتدت لعدة سنوات وانتهت عام 2016.
وتشير هذه التحركات إلى أن مكان تخزين الذهب أصبح قضية استراتيجية متزايدة الأهمية بالنسبة إلى مديري الاحتياطيات، خصوصًا في ظل تغير البيئة الجيوسياسية العالمية.
لكن المفارقة أن تخزين الذهب في الخارج لم يكن دائمًا مصدر قلق. ففي فترة الحرب الباردة، كانت بعض البنوك المركزية الأوروبية تنقل جزءًا من احتياطياتها إلى نيويورك، بحسب محللي غولدمان ساكس لينا توماس ودان سترويفن، في إطار الحسابات الأمنية والاستراتيجية لتلك المرحلة، بمعنى آخر، مكان الذهب يتغير مع تغير المخاطر التي تواجه الدول.
لماذا لندن تحديدًا؟
قد يبدو نقل الذهب من الولايات المتحدة وكندا إلى بريطانيا خطوة غير منطقية إذا كان الهدف هو تقليل الاعتماد على الخارج، لكن لندن تتمتع بميزة أساسية، فهي واحدة من أهم مراكز تداول الذهب في العالم. ولهذا، اختارت هولندا الاحتفاظ بالذهب المنقول في خزائن بنك إنجلترا، الذي يعد أحد أكبر أمناء الذهب عالميًا. وتوجد تحت مقر البنك في وسط لندن نحو 400 ألف سبيكة ذهب، تقدر قيمتها بأكثر من 200 مليار جنيه إسترليني.
وتظل خزائن بنك إنجلترا، وفق استطلاعات قطاع الذهب، الموقع الأكثر شعبية بين البنوك المركزية لتخزين المعدن النفيس، حتى مع اتجاه هذه المؤسسات بشكل متزايد إلى تنويع مواقع التخزين.
والسبب اقتصادي بقدر ما هو أمني، إذا احتاج البنك المركزي إلى بيع الذهب أو شرائه بسرعة خلال أزمة، فإن وجوده في مركز تداول رئيسي مثل لندن يمكن أن يسهل تنفيذ العملية.
الذهب لا يحتاج دائمًا إلى أن يتحرك
لا يعني نقل الاحتياطيات بالضرورة تحميل أطنان من الذهب على طائرات أو شاحنات وعبورها المحيط الأطلسي. في الحالة الهولندية، تم بيع نحو 59 طنًا من الذهب في نيويورك وشراء كمية مماثلة في لندن، ما يعني أن تلك الكمية لم تكن بحاجة إلى نقلها فعليًا. أما أكثر من 27 طنًا، فقد جرى نقلها فعليًا من الولايات المتحدة وكندا إلى مدينة زيست الهولندية، بينما أُرسلت كمية مماثلة تقريبًا من زيست إلى لندن. وتعد عمليات نقل الذهب عبر الحدود من أكثر العمليات اللوجستية حساسية، ولا تكشف الشركات المتخصصة عادة تفاصيل الإجراءات الأمنية المستخدمة فيها.
لكن نقل هذه الكميات يتطلب تخطيطًا وأمنًا مكثفين لتجنب المخاطر المرتبطة بنقل معدن تبلغ قيمته مليارات الدولارات. وقال كافاطوني إن إحدى الطرق التقليدية لتحريك احتياطيات الذهب هي ببساطة بيع الذهب في موقع وشراؤه في موقع آخر، بحيث تتم تسوية العملية محاسبيًا دون الحاجة إلى تحريك السبائك فعليًا.
طلب متزايد على نقل الذهب
ولا يقتصر الاتجاه على البنوك المركزية الأوروبية. وقالت شركة "برينكس غلوبال سيرفيسز"، إحدى الشركات القليلة المتخصصة في نقل الذهب عبر الحدود، لهيئة الإذاعة البريطانية إنها شهدت زيادة في الطلب من البنوك المركزية خلال الفترة الأخيرة.
وقال نائب رئيس الشركة نادر عنتر إن ارتفاع عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي، إلى جانب الدور المتزايد للذهب كأصل احتياطي استراتيجي، يبدو أنهما يسهمان في هذا الاتجاه. وهذا يتزامن مع تحول أوسع في سلوك البنوك المركزية نفسها، التي باتت تشتري كميات كبيرة من الذهب مقارنة بالعقد السابق.
البنوك المركزية تشتري المزيد
بحسب مجلس الذهب العالمي، اشترت البنوك المركزية خلال السنوات الأربع الماضية في المتوسط نحو 1000 طن من الذهب سنويًا، أي ضعف المتوسط السنوي البالغ نحو 500 طن خلال العقد السابق.
ويعود هذا الاتجاه إلى فترة الأزمة المالية العالمية، لكنه اكتسب زخمًا إضافيًا خلال السنوات الأخيرة مع تصاعد المخاوف المتعلقة بالتضخم والحروب والعقوبات والتوترات التجارية والسياسات النقدية.
ويمنح الذهب البنوك المركزية أصلًا لا يعتمد مباشرة على التزامات حكومة أو مؤسسة مالية بعينها، ولذلك يُنظر إليه على أنه وسيلة لتنويع الاحتياطيات وتقليل بعض المخاطر المرتبطة بالأصول الأخرى.
الاحتفاظ بالذهب في الداخل مكلف
قد يبدو تخزين الذهب داخل حدود الدولة الخيار الأكثر أمانًا، لكنه ليس مجانيًا، ويحتاج التخزين المحلي إلى استثمارات كبيرة في الحماية المادية، وأنظمة التدقيق والمراجعة والتأمين، وهي تكاليف يمكن أن تكون مرتفعة بشكل خاص بالنسبة إلى البنوك المركزية الصغيرة.
لهذا السبب، لا تبحث البنوك المركزية بالضرورة عن مكان واحد لتخزين كل احتياطياتها، بل تميل إلى تحقيق توازن بين الأمان، والسيولة، والتكلفة، وسهولة الوصول إلى الأسواق. ومن هنا تأتي أهمية لندن بالنسبة إلى هولندا ودول أخرى، فالذهب موجود خارج البلاد، لكنه قريب من سوق عالمي رئيسي ويمكن استخدامه بسرعة عند الحاجة.
لماذا أصبح الذهب جذابًا مجددًا؟
تزامن ارتفاع الاهتمام بالذهب مع صعود كبير في سعره خلال السنوات الأخيرة، إذ سجل المعدن سلسلة من المستويات القياسية وتجاوز سعره 5000 دولار للأونصة في كانون الثاني/يناير. وعلى الرغم من تراجعه عن الذروة التي بلغها في وقت سابق من العام، لا يزال الذهب عند مستويات مرتفعة تاريخيًا.
ويُنظر إلى الذهب منذ آلاف السنين باعتباره ملاذًا آمنًا في أوقات عدم الاستقرار، وهو ما يمنحه أهمية خاصة عندما تتزايد المخاوف بشأن التضخم أو الحروب أو اضطرابات التجارة العالمية.
كما تلعب أسعار الفائدة دورًا مهمًا في جاذبيته؛ فعندما تتغير تكلفة الاحتفاظ بالأصول التي تدر عوائد، يمكن أن تتغير جاذبية الذهب مقارنة بغيره من أدوات الاستثمار.
وبحسب غولدمان ساكس، يمكن أن يصل سعر الذهب إلى 4900 دولار للأونصة بحلول نهاية 2026، أي أعلى بنحو 300 دولار من مستواه في آب/أغسطس. ويرى محللو البنك أن استمرار شراء البنوك المركزية للذهب يمثل أحد العوامل الرئيسية التي تدعم ارتفاع الأسعار.