لماذا تعاني "نايكي" في عالم كرة القدم؟
31 أغسطس 2025
تمتلك علامة نايكي بصمة تاريخية في عالم كرة القدم، وخلقت لنفسها حالة مختلفة عن أي علامة أخرى، ولم تكتفِ فقط بتنفيذ التصميمات للأندية الكبيرة أو الكرات الرسمية لكبار الدوريات، بل كانت تُقدِّم حملات أيقونية لجذب الجماهير، مثل حملة كأس العالم 2010 التي ضمّت روجر فيدرر مع واين روني، ورونالدينيو مع كوبي براينت.
ومن شاهد هذه الحملات وتابع كرة القدم حتى هذه اللحظة، كان دائمًا يتوقع أن نايكي ستظل صاحبة بصمة في كرة القدم، إلى جانب منافسها الأول أديداس الألمانية، وبقية الأسماء مثل بوما وأمبرو التي ستظل تلاحقها. لكن ما يحدث الآن عكس جميع التوقعات، إذ يستمر تراجع نايكي من عالم كرة القدم في صمت تام.
خسائر مستمرة للعلامة الرياضية
خسرت نايكي بعض التعاقدات الهامة في الآونة الأخيرة، من أهمها حقوق تصنيع الكرة الرسمية للدوري الإنجليزي بعد 25 عامًا، لصالح بوما الألمانية. كما خسرت عقد رعايتها لنادي ليفربول الإنجليزي، الذي أعلن تعاقده مع أديداس الألمانية أيضًا، قبل نهاية الموسم الماضي ببضعة أسابيع، إضافةً إلى منتخب البرتغال الذي يقوده أيقونة العلامة الرياضية كريستيانو رونالدو، والذي أصبحت بوما راعيته بعد 27 عامًا من العمل المشترك.
تُعاني نايكي على جميع الأصعدة الآن، ومن الطبيعي أن تُصيب أزمات المبيعات والتوريد جميع أعمالها، بما في ذلك ما يخص كرة القدم
ولا تعوِّض نايكي هذه الخسائر بتعاقدات جديدة، إذ يتوقع جمهورها أن ما تخسره أديداس أو بوما سيكون من نصيبها، لكن يبدو أن نايكي مستسلمة، الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه أمام علامات جديدة للمنافسة في عالم صناعة قمصان كرة القدم، مثل جوما الإسبانية وكاستور الإنجليزية. وكأن نايكي تحاول الحفاظ فقط على ما تمتلكه حاليًّا دون السعي إلى التوسع أكثر، أو أنها تُقابل بالرفض من الأندية التي تبحث عن رعاة.
غياب اللمسة الإبداعية
تُصبح الأمور أصعب على مُصنِّع قمصان الأندية عندما تكون تصميماته متشابهة، وهذا ما تُعاني منه نايكي منذ أعوام. يُعتبر عام 2024 مثالًا على الفقر الإبداعي الذي عانت منه علامة نايكي، إذ شهد إطلاق العديد من القمصان الموجهة للمنتخبات التي ترعاها، ومنها سويسرا، وهولندا، وفرنسا، والبرازيل، وتركيا، ولم تقدِّم أي قميص يعلق في أذهان المشجعين.
ظهر هذا في بطولة يورو 2024، التي رعت نايكي خلالها الكثير من المنتخبات الكبيرة، لكن نقطة ضعفها كانت واضحة في هذه المسابقة. افتقرت تصميمات نايكي إلى لمسة إبداعية تُميز قميصًا عن آخر بشكلٍ كبير، ويعود السبب إلى أن الشركة تحافظ على اللون الأصلي للمنتخب، وتضع شعاره إما في المنتصف أو على يسار القميص، وشعارها بجانب شعار المنتخب فقط. غابت اللمسات التي تُميز كل منتخب عن الآخر، وكان الأمر جليًّا مع قميص هولندا، الذي كان تقريبًا نفسه في بطولة يورو 2020، مما وضع نايكي أمام مدافع النُقاد.

ويتشابه الأمر مع الأندية، خصوصًا في حالة حُراس المرمى، إذ ظهر تشابه واضح بين قمصان حراس ليفربول وتشيلسي وإنتر ميلان. ثبَّتت نايكي اللون الأسود مع موجات رمادية كسمة مشتركة بين الثلاثي، واقتصر التغيير على شعار النادي والرعاة. وتتضح هنا استراتيجية نايكي في تقليل النفقات، خصوصًا أن تصنيع قميص الحارس يُكلِّف أكثر من تصميم الفريق نفسه، وذلك لأن خط الإنتاج يُحجز له فقط، ولا يُطبع إلا تصميم مختلف لكل فريق، والحل هو تصنيع عدد أكبر منه لتقليل التكلفة، وهذا ما اتبعته مع حراس المرمى.
استراتيجيات التسويق لم تتغير لدى نايكي
اعتمدت نايكي على أسلوب تسويق واحد منفرد، وهو حملة كبيرة مبنية على مادة دعائية واحدة، وعادةً ما يكون مقطعًا ترويجيًا يضم الكثير من اللاعبين الكبار من مختلف أنحاء العالم، وتنشره على منصة واحدة، ثم ينتشر بشكلٍ مختلف عبر منصات أخرى. لكن نايكي قضت الأعوام الماضية، التي شهدت ازدهار الكثير من الوسائط المختلفة لنشر المحتوى، وهي تكتفي بنشر المواد الدعائية على منصة واحدة وتقطيعها إلى أجزاء مختلفة على المنصات الأخرى.
ولم تضع نايكي في الاعتبار نشر المحتوى وفق طبيعة المنصة، مما جعل وصولها إلى عشاق كرة القدم أصعب فأصعب، خصوصًا أن عشاق المستديرة يستهلكون المحتوى عبر منصات مختلفة، فأقلهم لا يزال يحب مشاهدة المحتوى الرياضي عبر يوتيوب، وأكثرهم يتجه إلى منصات المحتوى القصير، مثل إنستغرام وتيك توك. هذا ما تداركته علامات مثل أديداس، إذ عملت على تطوير محتواها الترويجي بما يتناسب مع كل منصة.
وزاد الأمر قسوة على نايكي أن كرة القدم صارت أكثر شمولية، وأن عصر النجم الواحد الحامل لفريقه قد انتهى مع جيل ميسي ورونالدو، ومن يستهلك المحتوى الآن لا ينظر إلى لاعب بعينه، بل إلى فريق كامل. لكن نايكي لم تستغل هذا، بل خسرت عقودها مع بعض الفرق والمنتخبات الكبيرة. ويبدو أن استراتيجيتها تلك لن تتوقف، خصوصًا مع تركيزها على الرياضات الأخرى، وفرق السيدات الخاصة بها، وهو ما يتضح في حملاتها الأخيرة على منصة تيك توك، التي لا يظهر فيها سوى هالاند وفينيسيوس جونيور بين موجات مقاطع السيدات في الرياضات الأخرى.
تراجع المبيعات وأزمات التوريد للعلامة بأكملها
تُعاني نايكي على جميع الأصعدة الآن، ومن الطبيعي أن تُصيب أزمات المبيعات والتوريد جميع أعمالها، بما في ذلك ما يخص كرة القدم. هبطت أسهم الشركة بنسبة 4% في الربع الأخير من العام المالي الماضي، وتكتمل صورة الهبوط بنسبة 27.68% خلال الأعوام الخمسة الأخيرة.
بدأت معاناة نايكي مع تراجع الاهتمام بمنتجاتها ككل، وهو ما ظهر في إنتاج قطع لم تُبع منذ طرحها، وحتى بعد مواسم التخفيضات وتقليل هامش الربح، ظلت هذه القطع جاثمة في مخازنها حول العالم. وتتوقع نايكي أن تبقى هذه القطع في المخازن حتى عام 2026. وترى الشركة أن خسارتها ملموسة بشكل خاص في شريحة المراهقين، التي عادةً ما تلاحق أحدث القطع التي تطلقها العلامة التجارية.
يصعب الأمر على علامة رياضية عندما تتزايد مشاكلها على جميع الأصعدة، وفي حالة نايكي، ضُرب أهم جناحين لها كعلامة، وهما التسويق واللوجستيات
يُضاف إلى ذلك التعريفات الجمركية التي فرضتها حكومة ترامب، والمقرر تطبيقها في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر القادم، والتي ستُلزم نايكي بدفع 30% من قيمة البضائع المُصنَّعة في الصين. وتتعاون الشركة هناك مع عشرات المصانع لتقليل التكلفة وزيادة معدل الربح، لكن هذه الميزة قضت عليها التعريفات الجمركية. وهنا ستحتاج نايكي إلى دراسة خياراتها، التي قد تشمل زيادة أسعار المنتجات، أو التضحية بالجودة، أو تقليل خطوط الإنتاج. والخيار الأخير قد يبرر انسحاب نايكي من بعض الأسواق، ومنها كرة القدم، حيث تواجه شركات جديدة وقديمة تتمتع بأريحية أكبر في التصنيع.
نايكي بحاجة إلى وضع استراتيجية واضحة
يصعب الأمر على علامة رياضية عندما تتزايد مشاكلها على جميع الأصعدة، وفي حالة نايكي، ضُرب أهم جناحين لها كعلامة، وهما التسويق واللوجستيات. فقدت نسبة كبيرة من جمهورها في أهم شريحة عمرية، وهي فئة المراهقين، وتُعاني من قلة الطلب وارتفاع التكلفة بسبب التصنيع في الصين، وهذه الأزمات كفيلة بتغيير نشاطاتها، ومنها ما تقدمه في عالم كرة القدم.
سيتعين على نايكي، في الأعوام القليلة القادمة، أن تحدد المسار الذي ستسلكه في عالم الرياضة، بما في ذلك كرة القدم. وبدايتها يجب أن تكون برسم صورة جديدة للعلامة ككل، من خلال حملات تسويقية أكثر شمولية مما قدمته سابقًا، مع إعادة لمستها الإبداعية فيما تقدمه، وخصوصًا في كرة القدم، التي لطالما كانت من العلامات الكبرى فيها.