لماذا تركتَ المساءَ يتيمًا؟

لماذا تركتَ المساءَ يتيمًا؟

غرافيتي لـ محمود درويش، في بيروت/ يزن حلواني

وحتى أنا "لا أريدُ لهذي القصيدةِ أن تنتهي"
أريدُ لنهركَ أنْ يتدفّقَ حتّى يغسّـلَ وجهَ الأماني
أريدُ الأغاني
"أغاني الحصادِ القديمةْ"
لأنّ الكمنجاتِ صارتْ عقيمةْ
أريدُ البقاءْ
لتحلمَ سيّدتي باللقاءْ
أريدُ الحياةْ
لأجلِ العيونِ التي "تستحقُّ الحياةْ"
ألسْتَ الذي قلتَ: لا تبتعدْ "وانتظرْها"
ولا تتعجّلْ رجوعَ الصدى "وانتظرْها"
بصدقِ النبوءةِ في مقلتيها اختبرْها
ومدَّ لها الشِّعرَ دربًا طويلًا طويلًا ولا تختصرْها
وجمّعْ بخارَ الحياةِ بحبّةِ خَوْخٍ على صدرها واعتصرْها/

أريدُ لحبركَ أنْ يحقنَ الكلماتِ التي لا تدرُّ الحليبَ مِدادا
أريدُ جوابًا.. لماذا تطيشُ تراتيلـُـنا عن دروبِ السماءْ
لماذا إذا مدحَ الشعراءُ الحصونَ القويّةَ صارتْ رمادا
لماذا إذا عشقَ الشعراءُ بصدقِ النبوّةِ ماتوا فُرادى
فكيفَ أصحّحُ ما قلتَ عنهُ : "كتابَ الشقاءْ"
وكلُّ الزغاريدِ جفّتْ حِدادا/
لماذا إذا رسمَ الطفلُ منّا قصورًا وفجرًا ونهرًا يراهُ غدًا في كتابِ الأونروا حبالًا لخيمةْ
لماذا إذا حَلُمَ القلبُ بالمشي في الضوءِ تخمدُ نجمةْ
لماذا إذا عطشَ الياسمينُ وفكّرَ بالماءِ تهربُ غيمةْ
ألا نبدأُ العدَّ يا سيّدي ونعدُّ خطانا من الجاهليةِ حتى سقوطِ القوافي على وَترِ النثْرِ
هلْ غابَ وجهُ المساءِ الكئيبِ عن الشعرِ يومًا
وهلْ وُجِدتْ صفحة في المراجعِ لمْ تتنكّـهْ برائحةِ الدمعِ
دعنا نعيدُ بناءَ الطريقةِ كي يتفتّحَ بالوردِ هذا الطريقْ/
كلامكَ يا سيّدي مطرٌ يتساقطُ من وجهِ ليمونةٍ في الصباحِ
ويطعمُ نكْتها للرياحِ
حفظْتُكَ أكثرَ من حفظِ أمٍّ لأولادها الميّتينَ
حفظْتُكَ حينَ قرأتُ يديكَ على جذعِ تينٍ
حفظتُكَ حينَ سمعْتُ تراتيلَ قلبِكَ في شجرِ الزيزفونِ
وفي زفرةِ البنِّ عندَ الصباحِ
لماذا تركتَ الصباحَ وحيدًا
بلا لونِ عينيكَ
أو رعشةٍ في يديكَ على ورقٍ أبيضٍ
تسكبُ الكونَ فيهِ
فمَنْ يكملُ الشعرَ بعدكَ؟
يا سيّد الشعر والنثرِ
مَنْ يدخلُ الأرضَ بعدكَ في ثقبِ زيتونةٍ؟
مَنْ يغنّي لترقصَ عندَ الغروبِ السنابلُ؟
مَنْ يوقفُ العجلاتِ لتهدأَ فينا الزلازلُ؟
مَنْ يُلبِسُ العاشقاتِ حريرَ الكلامِ ويحملُهنّ على فَرسٍ من مطرْ؟
ألا تستعيدُ جوازَ السفرْ؟
وترجعُ في زورقٍ مِنْ قمرْ؟
لماذا تركتَ المساءَ يتيمًا
وأفقدْتَهُ ولدًا مِنْ قمرْ؟/
سأكتبُ فيكَ ومنكَ وعنكَ وعنّي
إلى أنْ أذوبَ على شفةِ امرأةٍ سجنـَتـْـني
سأكتبُ حتى أفـلـْـترَ روحي من الأخرياتِ
وأسكبُ نفسي على روحِ "مايا " ندىً في زهرْ
أريدُ لهذي القصيدةَ أن تستمرّ لأدخلَ في كلِّ عِرقٍ
وأُسمِعَـهُ صوتَ قلبي وأسمعَ فيهِ تدفّقَ نهرَ الحياةِ
أريدُ لهذي القصيدةِ ألّا تموتَ
لأنّ الكتابةَ مِلحٌ يثيرُ جراحَ السماءِ
إذا نسيتْ جُرحَ مَنْ صعدوها على سلّمٍ من دموعِ اليتامى
"أريدُ لهذي القصيدةِ أنْ تستمرَّ"
لتعجنَ مِنْ وجعِ القلبِ خُبزًا تسدُّ بهِ "قطعةً نَقُصَتْ من سماءِ دمشقَ"
أريدُ لهذي القصيدةِ أنْ تتمشّى على شارعِ الذكرياتِ
وتحصي النوافذَ والشُّرفاتِ التي ألقتِ الوردَ للقلبِ 
واختطفتْ منهُ أغنيةً ورسائلَ ضاعتْ على مقعدِ الحربِ/
يا سيّدي سقطَ الأخُ والأخُ في حفرةٍ وأطلّتْ عليهمْ من القلبِ أفعى
وكانَ العدوّ يـُظـِلّهما من علٌ 
منذُ بدءِ السناريو
يسلّانِ سيفين كي يقتلاهُ
يصيبانِ بعضهما في توازٍ 
فينجرحانِ ولا يسمعانِ سوى قهقهاتِ العدوِّ
يعودانِ ثانيةً للقتالِ 
تمرُّ الليالي وكلٌّ يفتّشُ عن ناصرِهْ
ولمْ يقتلا غيرَ ظلِّ العدوِّ 
فكيفَ سيُكمَـلُ هذا السناريو إلى آخرهْ.

 

اقرأ/ي أيضًا:

غميضة لا تنتهي

كيف يجيء الحب؟