لماذا تراجعت السعودية عن سياستها النفطية؟

لماذا تراجعت السعودية عن سياستها النفطية؟

تلتف الآراء حول تحميل سياسات المملكة بشأن الإنتاج النفطي جانب من المسؤولية عن الفوضى في السوق الدولي(Getty)

استغرق الأمر ستة أشهر فقط من وزير نفط المملكة الجديد، خالد الفالح، حتى ينهي سياسة ضخ النفط بلا قيود التي انتهجتها بلاده لمدة عامين.

استغرق الأمر ستة أشهر فقط من وزير نفط المملكة الجديد، خالد الفالح، حتى ينهي سياسة ضخ النفط بلا قيود التي انتهجتها بلاده لمدة عامين

كان القرار الذي اتخذ في اجتماع منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) في الجزائر الأسبوع الماضي بتخفيض الإنتاج مدفوعًا بالوضع المالي المتدهور للمملكة، حسب تقريرٍ لموقع بلومبرج الأمريكي. لدى المملكة أكبر عجز في الميزانية بين الاقتصادات العشرين الأكبر في العالم، وقد تؤجل طرحها الأول لسنداتٍ دولية كما تواجه الآن مصاعب قانونية محتملة عقب تصويت الكونجرس الأمريكي لصالح السماح للأمريكيين بمقاضاة البلاد لتورطها المزعوم في هجمات الحادي عشر من سبتمبر.

"إن السعودية ترغب في أسعار نفط أعلى"، قال أميرتا سن كبير محللي النفط بشركة Energy Aspects Ltd للاستشارات في لندن.

قد تكون العواقب وخيمة. ربما يصبح لدى عمالقة النفط مثل إكسون موبيل قريبًا ما يكفي من المال لإعادة إحياء المشاريع التي تم التخلي عنها. سوف يحصل الوضع المالي لدول أوبك المتعثرة ماليًا على دفعةٍ قوية. سوف يكون على روسيا وبقية الدول الأخرى المستقلة الغنية بالنفط تقرير ما إذا كانت ستتبع السعودية. سوف يستخدم منتجو النفط الصخري الأمريكيين، الذين كانت تأمل منظمة أوبك في دفعهم إلى الإفلاس، الأسعار الأعلى لحفر آبارٍ جديدة، وسوف يدفع المستهلكون الأمريكيون، الذين تمتعوا بأقل أسعار بنزين منذ ما يزيد عن عقد، المزيد في محطات البنزين.

اقرأ/ي أيضًا: هل ستصبح إسرائيل مورد الغاز الرئيسي في المنطقة؟

أسعارٌ منخفضة

ويقول التقرير إنه منذ أشهرٍ مضت، صرح سلف الفالح، علي النعيمي، أنه لا يهم ما إذا انخفضت أسعار النفط "إلى 20 أو 40 أو 50 أو 60 دولارًا للبرميل – ليس لذلك تأثير". يقول الفالح الآن إن هناك حاجة إلى رفع الأسعار، التي تحوم حول مستوى 50 دولارًا للبرميل، لتشجيع الاستثمار على المدى الطويل.

في عام 2014، عندما قادت السعودية سياسة منظمة أوبك للضخ بلا قيود، كانت حسابات الرياض تشير إلى أنها إذا قللت إنتاجها فإن الأسعار لن ترتفع بما يكفي لتعويض ذلك النقص. الوضع الآن مختلف.

"تراهن السعودية على أن تقليلٍ بسيط سوف يؤتي ثماره في صورة أسعار نفط أعلى وبالتالي عوائد أعلى"، حسب جيمي وبستر، وهو زميلٌ بمركز الطاقة الدولية بجامعة كولومبيا في نيويورك.

لم تسر الخطة كما كان مخططًا لها

الأمر ليس أن سياسة الضخ بلا قيود لم تحقق بعض النجاحات، حيث حققت السعودية بالفعل بعض أهدافها. أحبطت الأسعار المنخفضة طفرة النفط الأمريكية، واضطرت الشركات إلى إلغاء مشروعاتٍ جديدة بقيمة 1 تريليون دولار، مما قد يؤدي إلى خلق فجوة في المعروض في العقد القادم. أخافت المملكة أيضًا المستثمرين الذين سيفكرون الآن مرتين قبل أن يضخوا أموالًا في مشروعاتٍ نفطية محفوفة بالمخاطر. ومن الولايات المتحدة إلى الصين، ازدادت مبيعات السيارات الشرهة للبنزين، مما زاد الطلب.

رغم كل ذلك، لم يسر العامان الأخيران كما اعتقدت الرياض. في الداخل، استهلكت المملكة ما يفوق 150 مليار دولار من احتياطيات النقد الأجنبي، ولم يتم تسليم شركات متعاقدة مع الحكومة مستحقاتها، كما أعلن الملك الأسبوع الماضي عن حزمةٍ غير مسبوقة من تخفيضات الإنفاق للعاملين بالقطاع الحكومي.

السياسة السعودية بضخ النفط بلا قيود قد جلبت الفوضى إلى صناعة النفط، مع انخفاض الأسعار من 100 دولار للبرميل إلى 30 دولارًا للبرميل

اقرأ/ي أيضًا: لماذا ترامب هو مرشح الأحلام لداعش؟

عجزٌ سعودي

سوف تعاني السعودية من عجزٍ مالي توازي قيمته 13.5% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، حسب تقديرات صندوق النقد الدولي. أما فيما يتعلق بالنمو الاقتصادي، فإنه يتباطأ بشدة إلى حوالي 1% هذا العام، بينما تتسارع وتيرته في إيران، غريمتها المجاورة، نحو 4%.

ويضيف التقرير أن سياسة الضخ بلا قيود قد جلبت الفوضى إلى صناعة النفط، مع انخفاض الأسعار من 100 دولار للبرميل إلى أقل مستوياتها منذ 12 عامًا تحت مستوى 30 دولارًا للبرميل. قللت الشركات نفقاتها وألغت مشروعات وباعت ممتلكات، لكنها استمرت في الضخ.

قد يستمر ذلك حتى مع تراجع السعوديين. استمر المنتجون الذين وقعوا في غرام مشروعات الحفر التي تم الموافقة عليها خلال سنوات الطفرة التي تجاوز فيها سعر البرميل 100 دولار في الضخ من خليج المكسيك إلى البرازيل.

قال مارك موبيوس، المستثمر البارز في الأسواق الناشئة بشركة فرانكلين تمبلتون، إن الرياض ربما استنتجت أن سياستها الهادفة إلى "تدمير صناعة النفط الصخري" والتي استمرت لعامين "ليست ناجحة".

سوف يتم استثناء إيران من وضع سقفٍ للإنتاج، وهو تنازلٌ كبير من قِبل السعودية. لم يتم التوصل بعد إلى الكثير من التفاصيل ولن تقرر المجموعة حصة كل بلد حتى الاجتماع المقبل في أواخر تشرين الثاني/نوفمبر.

حقل كاشجان الكازاخستاني

قالت مجموعة جولدمان ساكس البنكية إن الاتفاق على خفض الإنتاج قد يضيف ما يصل إلى 10 دولارات للبرميل إلى أسعار النفط، لكن يظل لديها شكوك إلى جانب بنوك أخرى بشأن كيف سيتم تطبيق الاتفاق.

في نفس الوقت الذي وافقت فيه السعودية على خفض الإنتاج، يوشك أغلى حقول العالم النفطية، حقل كاشجان البالغ تكلفته 50 مليار دولار في كازاختسان، على دخول الخدمة. سوف يضخ المشروع، الذي بدأ العمل فيه منذ حوالي عقد، آلاف البراميل من الإنتاج الإضافي في 2017 إلى سوقٍ متخمٍ بالفعل.

كما أبقت روسيا، أيضًا، على حفلة الضخ مستمرة. بينما كان أعضاء منظمة أوبك مجتمعين في الجزائر، أعلنت موسكو أن إنتاج البلاد قد حطم رقمًا قياسيًا لما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، حيث وصل الإنتاج إلى 11.1 مليون برميل يوميًا. يزيد هذا بحوالي 400,000 برميل عن مستوى الإنتاج في أغسطس، وهو تقريبا مستوى إنتاج الإكوادور العضو بأوبك.

قد تنضم المكسيك والنرويج والدول الأخرى غير الأعضاء بأوبك إلى روسيا في المضي قدمًا، وهو ما قد يفعله أيضًا حفارو النفط الصخري الأمريكيون. قال ستيفن شورك، رئيس شركة شورك جروب للاستشارات، في ولاية بنسلفانيا إنه قد تفاجأ بقرار أوبك، وأن لديه شكوكًا بشأن استطاعة السعودية دفع المنتجين الآخرين إلى التعاون.

اقرأ/ي أيضًا:

هل تعزل موسكو نفسها دوليًا؟

أشرف مروان..كيف تجاهلت إسرائيل جاسوسها الأثمن؟