ultracheck
  1. قول

لماذا تختفي الكاتبات المبدعات فجأة؟

20 نوفمبر 2025
نبيل عناني
فلسطينيةً كانتِ ولم تزل (نبيل عناني)
زياد خداش زياد خداش

أتحدث عن مشاهداتي وتجاربي، لا عمّا سمعته أو قيل لي. هذه ظاهرة عجيبة في بلادنا وفي بلاد العرب: اختفاء الكاتبة المبدعة. نبحث عنها نحن أصدقاءها، فنجد أن سبب الاختفاء لا يتجاوز سببين: الموت أو الزواج.
كم هو قاتل هذا الإحساس بالقهر والحسرة والحزن حين تتذكر زميلاتك ورفيقات النص الأول، الشاعرات المبدعات، وهن يتقافزن في شارع ركب مع القصائد في منتصف تسعينيات القرن الماضي، يثرن الجدل حول صور النصوص الجديدة ولغتها الصادمة المفارقة، وإحالاتها الذكية وإسقاطاتها المصاغة بدهاء.
في عقد التسعينيات، عقد انفجار اللغة الأدبية الجديدة، كان حولنا العشرات من الصديقات الكاتبات اللاتي كنّ مبدعات ومميزات في الكتابة الشعرية والقصصية. أتذكر أسماءهن وكتاباتهن، وأتذكر مشاركاتهن في الأمسيات وضحكاتهن ونحن في الطريق إلى المهرجانات ومعارض الكتب أو الندوات، وأصواتهن وهي تعلو في النقاش والمعارضة. الغريب أن هؤلاء المبدعات لم يختفين لأسباب تتعلق ببيئة ثقافية طاردة ومهينة لهن. هذا موضوع آخر. أعرف كثيرًا من الكاتبات اختفين هربًا من وقاحة الكُتّاب وتحرّشهم، وهذا نوع من الاختفاء ليس مجاله هذا النص. أتحدث هنا عن اختفاء سببه الزواج، أو المرض والموت.

كثيرة هي دوافع اختفاء الكُتّاب والكاتبات عن الحياة والكتابة. عالميًا بدأها العظيم، الشاعر الفرنسي رامبو، وكان تحرره من الكتابة محيرًا وغامضًا، لكن ثمة إجماعًا على أن رامبو اكتشف أن اللغة الشعرية قاصرة عن تصوير الحياة بأبعادها الخفية وغموضها. في أوائل التسعينيات، اختفت غادة الشافعي، الشاعرة الفلسطينية العكاوية، عن الحياة والكتابة بعد سطوع مذهل ومفاجئ بدأته على صفحات مجلة "عشتار" الغزية. ذهبت غادة إلى جبال أوزبكستان مع زوج أردني صوفي، وهناك ذابت في خيارها الروحي الرهيب، معتبرة أن الشعر كان مجرد عتبة لاكتشاف الله. القاصّ الفلسطيني فضل الريماوي كان أحد ألمع كتّاب السرد في الثمانينيات، وفجأة ومع دخول عقد التسعينيات اختفى عن الكتابة معللًا ذلك بأنه شعر بالملل لأنه يكرر نفسه في كل قصة يكتبها.

العشرات من أدباء وأديبات فلسطين انسحبوا من الوجود لأنهم ببساطة فارقوا الحياة. وهناك أسباب مختلفة ذُكرت أعلاه قد تكون مفهومة ومبرَّرة، لكن اختفاء الكاتبات الفلسطينيات بسبب الزواج كان بالنسبة لي وللأصدقاء جريمة أخلاقية بحق الكتابة والفن والكاتبة نفسها وبحق فلسطين.

كانت فلسطين على موعد مع حرية نسبية، وأقول نسبية، مقارنة بحرية ما قبل أوسلو. أتحدث طبعًا عن الحرية الاجتماعية والثقافية، أمّا حرية البلاد التي نتوق لها جميعًا فلم تتحقق حتى الآن، فالاحتلال ما زال في غرفة نومنا. المسافة بين 1994 وحتى 2000 كانت مدججة بالتحولات والانقلابات الثورية الأدبية والاجتماعية. بزغ النص الجديد من أنقاض لغة قديمة اعتادت الدخول إلى عالم الفن والكتابة من بوابة الشعار. كانت الذات غائبة. لم نكن سوى نسخ مكررة من الفلسطيني الغاضب والحزين والصارخ. لم تكن مشكلتنا مع الكتابة عن الوطن أبدًا، فمعظمنا دخل السجن دفاعًا عن الوطن، وكان الوطن دومًا في العينين؛ كنا ضد الكتابة عن الوطن بأسلوبها المتشنج والتقريري البارد بلغته الخشبية المكررة وعباراته التي فقدت بريقها من كثرة استعمالها.

في هذا السياق، ظهرت الفنون الجديدة والكتابة الجديدة. كنا مجموعة كبيرة من القاصّات والقاصّين، الشعراء والشاعرات، الرسّامين والرسّامات، المسرحيين والمسرحيات. ملأنا الشوارع صخبًا ثقافيًا ولوحات مجنونة. نمشي ومعنا فقط كتب وضحكات ومجلات، لا موبايلات ولا حقائب لاب توب. كلما صدر عدد جديد من "الكرمل" نحتفل وكأنه عيد ميلاد أو عرس. كنا نقعد على الرصيف أمام المارة نناقش حدّ الصراخ حول قصة قصيرة، فيتجمع الناس ضاحكين من غرابة هذا التجمع. وكان صوتنا يرتفع في المقاهي الثقافية كـ"زرياب" و"فتوش" و"أوروبا" و"الأنكل سام" وغيرها.

كانت هناك تجربة رائعة لنا نحن كتّاب القصة؛ فقد أسسنا نادي القصة في إحدى غرف نقابة المهندسين برام الله، وضم العشرات من القاصات والقاصين. ناقشنا فيه عشرات المجموعات القصصية، وكان هناك نادي للشعر في مقهى الأصيل قاده شاعر كبير. كما كنا ضمن جماعة الـ17 الثقافية، وهي فكرة المرحوم الروائي مازن سعادة. لم تعش هذه الجماعة سوى أسبوع؛ ماتت بسبب عراك شاعرين على قيادتها، كما أن استعارة رقم 17 سببت لنا شبهة ما.

بيننا كانت هناك العشرات من الكاتبات من الناصرة والقدس والخليل وبيت لحم ورام الله وجنين وحيفا. حين أكتب كلمة (كاتبات) فأنا أقصد المبدعات اللاتي ثمة شبه إجماع على تفردهن وموهبتهن. وسأكون صادقًا جدًا مع نفسي حين أعترف أننا كنا نغار من نصوصهن.
أين اختفت كاتبات التسعينيات؟ بعد سنة 2000 لم نعد نسمع عنهن أو نقرأ لهن أو حتى نراهن في الشارع. لا يمكن أن تكون الانتفاضة الثانية سببًا، بل بالعكس ربما يجب أن تكون اندفاعة أدبية جديدة. الغريب أنهن حتى على الصعيد الشخصي اختفين.

قررتُ مع صالح أن نبحث عنهن، أو على الأقل أن نعرف ماذا حدث لهن. أربعة أشهر من البحث، سافرنا إلى مدن كثيرة، وسألنا، بحذر طبعًا، عنهن. النتيجة كانت: أنهن جميعًا موجودات على قيد الحياة، باستثناء واحدة استشهدت عام 2006. الباقيات متزوجات وأمهات منذ سنة 2000 أو بعدها بقليل. إحداهن عرفت أننا نبحث عنها فاتصلت بي، وقالت كلامًا جافًا: "أستاذ زياد، شوفي ليش بتبحث عني أنت وصالح؟ لو سمحت، أنا متزوجة".

هذه المتزوجة التي اتصلت كانت من أبرز هؤلاء المختفيات: إبداعًا وجرأة وصخبًا. كانت نصوصها تشكل لنا تحديًا. كانت تتقاتل مع سائقي سيارات الأجرة قائلة: "ولك! أنت عارف أنا مين؟ أنا كاتبة قصة، يعني ببتكر العالم. أنت شو؟". كانت شجاعة في نقد قصص الآخرين، وذكية في تحليل ظواهر العالم، ومواقفها دائمًا خاصة تجاه كل شيء.

كنا نحبها.

كلمات مفتاحية
ترامب

ترامب لم يستخلص درس "أفوينه"

عصام بويضاني

أزمة عصام بويضاني وتحوّل الفاعل المسلح إلى عبء قانوني دولي

تشكّل مسار "جيش الإسلام" في سياق التحول المبكر للثورة السورية نحو العسكرة، مع بروز التيار السلفي كأحد أبرز الفاعلين القادرين على التنظيم والتعبئة

مظاهرة في باب توما

سوريا وبيت الطاعة السياسي

لدينا ألف نموذج يُوضح أننا أمام نمط خاص مع سلطة في حاجة ماسة إلى واجهات. وفي عملية البحث عن هذه الواجهات لن يكون هناك أفضل من الوجوه التي تُجيد تغيير جلدها

قاليباف وفانس
سياق متصل

لماذا رفعت أميركا وإيران مستوى تمثيل الوفد التفاوضي المحتمل في إسلام أباد؟

رفع مستوى التمثيل يعكس جدية تفاوضية أكبر، وتسريع القرار، وتوسّع الملفات المطروحة بين واشنطن وطهران

بيروت
سياق متصل

تفاوض تحت النار مع إسرائيل.. هل تلتحق بيروت باتفاق واشنطن طهران؟

تحوّلت بيروت إلى قبلة المشهد الإقليمي والدولي، بعد اليوم الدموي الذي أعاد إلى الأذهان هجوم "البيجر" في 17 أيلول/سبتمبر 2024، مخلّفًا في إحصاء أولي غير نهائي أكثر من مئتي شهيد وألف جريح

لبنان
راصد

"الأربعاء الأسود".. حين تُرك اللبنانيون وحدهم أمام آلة الموت

أعاد "الأربعاء الأسود" إلى أذهان اللبنانيين أيامًا سوداء عاشوها، من انفجار مرفأ بيروت إلى واقعة تفجير أجهزة البيجر

طهران
سياق متصل

تقدير موقف|اتفاق وقف إطلاق النار في الحرب على إيران: دوافعه واحتمالات نجاحه

أعلن الجانبان الأميركي والإيراني، في 8 نيسان/ أبريل 2026، التوصل إلى اتفاق هدنة، توسطت فيه باكستان، وتضمّن تعليق الأعمال القتالية مدة أسبوعين، والبدء في مفاوضات، في إسلام أباد