لماذا تخاف إسرائيل من ثورات الربيع العربي وفق سلامة كيلة؟

لماذا تخاف إسرائيل من ثورات الربيع العربي وفق سلامة كيلة؟

رأى سلامة كيلة أن الثورات العربية تشكل تهديدًا أساسيًا على إسرائيل (تويتر)

مُنذ أن قرّر الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى مدينة القدس المُحتلّة، مرورًا بكلّ المُتغيّرات والتطوّرات المحلّية والدولية التي نتجت عن هذا القرار وعملية النقل تلك، ووصولًا إلى الاحتجاجات الشعبية ومسيرات العودة والتصعيد الصهيونيّ الأخير على قطاع غزّة؛ عادت القضية الفلسطينية إلى الواجهة الإعلامية مُجدّدًا، عربيًا وعالميًا، بعد أن خفت الحضور الإعلاميّ لها بفعل الانشغال بتغطية ثورات الربيع العربيّ، وما آلت إليه الأحوال في عددٍ من الدول العربية. هذه العودة، بلغت مؤخّرًا أقصاها، أي بعد الاعتداءات الصهيونية على قطاع غزّة، والاشتباك مع المقاومة داخل القطاع.

يرى سلامة كيلة أن الثورات العربية بإسقاطها الأنظمة، تُسقط ما يبرر الوجود الإسرائيليّ في المنطقة العربية، وتُعيد إشعال فتيل الصراع معه أيضًا

وتزامنًا مع هذه الاعتداءات، اُعيد فتح باب الجدل مُجدّدًا حول علاقة الثورات العربية بالقضية الفلسطينية من جهة، والكيان الصهيونيّ من جهةٍ أخرى. ولهذا الجدل الحاد قُطبان؛ الأوّل، يرى أنّ ثورات الشعوب العربية ليست سوى أداة في يد الصهيونية والغرب، الهدف من نشوئها هو إزاحة القضية الفلسطينية عن موقعها كقضية مركزية عند العرب، وإضعاف الأنظمة "الممانعة"/الدكتاتورية، بحيث لا تعود قادرةً على الدفاع عن هذه القضية. ومن المعروف أنّ هذه المقولات وُجِدت لتبرير وجود الأنظمة القمعية، وشيطنة الثورات وأسرلتها. أما القطب الثاني فيقف على النقيض تمامًا، إذ يرى في الثورات فرصةً حقيقية لتغيير الأوضاع القائمة، وإعادة فتح باب الصراع مُجدّدًا مع الكيان الصهيونيّ عبر الإطاحة بالأنظمة المُتصالحة والمتواطئة معهُ، والضامنة لأمنه ومصالحه طيلة عقودٍ من الزمن.

في ضوء كلّ ما يدور من جدل، يبرز السؤال حول انعكاسات الثورات على وضع الدولة الصهيونية، ومستقبلها إن حقّقت ما خرجت تُطالب به، أي تغيير الأوضاع القائمة. وفي هذا المقال، سوف نستعين بأفكار المفكّر الفلسطينيّ/ السوريّ الراحل سلامة كيلة من أجل الإجابة عن السؤال السابق. وكان كيلة قد قدّم دراسةً مُعمّقة حول هذا الأمر في مؤتمر "الهوية والمقاومة والقانون الدولي" الذي نظّمه المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات في العاصمة القطرية الدوحة سنة 2013؛ تحت عنوان "الثورات العربية وأفق الصراع العربي – الصهيوني".

اقرأ/ي أيضًا: ضرورة سلامة كيلة.. براعة تخريب إشكالياتنا الرائجة

ينطلق سلامة كيلة من الاقتصاد والأنظمة الرأسمالية والواقع المعيشيّ في الدول العربية ليُبيِّن أثر الربيع العربيّ على دولة الاحتلال. وقبل الشروع في ذلك، يُشير كيلة إلى نقطةٍ مُهمّة تغافل البعض عن الإشارة إليها في سياق الحديث عن هذه الثورات وأسباب اندلاعها. أو، بصورةٍ أدق، جرى تهميشها عمدًا. الحديث هنا عن الأوضاع المعيشية المتردّية باعتبارها أساس هذه الثورات، وسببها الأوّل. فالمتظاهرون رفعوا أوّلًا شعارات تُطالب بحياة معيشية كريمة، وعدالة اجتماعية، وحلًّا سريعًا للفقر المنتشر بصورة ضخمة، وفرص عمل. ما معناهُ أنّ هذه الثورات انفجرت جرّاء الفقر أوّلًا، وليس القمع وغياب الديمقراطية والحياة السياسية. أي أنّ مُطالبة المتظاهرين بتحقيق التحوّل الديمقراطيّ حلّ في المرتبة الثانية، تسبقهُ المطالبة لا بالإصلاحات الاقتصادية فقط، وإنّما تغيير الأنظمة الاقتصادية كاملةً لتحقيق التحوّل المُراد.

استند سلامة كيلة في فهمه للثورات العربية إلى رصد مطالبها المعيشية التي أتت سابقة على تناولها للشعارات السياسية

سلامة كيلة، بتوضيحه للأسباب الحقيقية للثورات العربية، وتأكيده أنّ الأوضاع الاقتصادية كانت سببًا رئيسيًا لها؛ نفى، أوّلًا، أن تكون هذه الثورات، في أساسها، سياسية. دون أن يعني ذلك غياب المُطالبة بتحوّلاتٍ في البنية السياسية القائمة، ولربّما تغييرها بشكلٍ كامل. من جهةٍ أخرى، وعبر عملية النفي الأولى، نسف كيلة المقولات والادعاءات بأنّ الربيع العربيّ يسعى إلى حرّية وديمقراطية وفقًا للنموذج الأمريكيّ الغربيّ، أي أنّ الثورات تتبنّى السياسات الغربية كاملةً، بما في ذلك السياسات المُتّبعة مع دولة الاحتلال. مقولات كهذه لا تزال تروَّج بكثرة لغرض تبرير وجود الأنظمة الدكتاتورية العربية، واستمرارها على رأس السلطة لأطول فترةٍ ممكنة.

ولكنّ لسلامة كيلة رأيًا آخر ينسف ما يروّج ويُقال. فهو، بإصرارهِ على أنّ الأوضاع المعيشية المتردّية هي السبب وراء اندلاع الثورات، يُشير، دون مواربة، إلى السياسية الاقتصادية الليبرالية التي تتبنّاها الأنظمة الدكتاتورية العربية، أي السياسة التي أشعلت الثورات، كونها أدّت إلى تغيير اقتصادي حوّل الاقتصاد إلى اقتصادٍ ريعيّ، وجعل الثروة متمركزة في يدٍ أقلية تٌهمّش قطاعًا كبيرًا من الشعب، ما يؤدّي بطبيعة الحال إلى وجود تمايز طبقي هائل بين أقلية غنية وأكثرية مُعدمة. هذه السياسة هي صناعة الدول الرأسمالية الغربية، وفي مقدّمتها الولايات المتّحدة الأمريكية، أي أنّ من تبنّاها قد تبنّى السياسات الغربية مع دولة الاحتلال الإسرائيليّ، الأمر الذي حوّل الصراع مع الصهاينة من صراعٍ عربيّ – صهيونيّ، إلى صراعٍ فلسطينيّ – صهيونيّ. ما جعل وجود الدولة الصهيونية كجزءٍ من الشرق الأوسط مُكرّسًا، لا سيما بعد التسويات والاتّفاقيات والهدن طويلة الأمد.

إذًا، ما كرّس وجود الدولة الصهيونية هو تكيُّف الأنظمة الدكتاتورية العربية مع السياسات الاقتصادية الامبريالية الرأسمالية. لأنّ الاحتلال الصهيونيّ، كما أوضح صاحب كتاب "الثورة السورية: واقعها، صيرورتها، وآفاقها"، هو جزء عضوي من هذه المنظومة التي لها من عَمِلَ على تبنّيها عربيًا، وبالتالي القبول بوجود دولة الاحتلال وفقًا للنماذج الغربية، أي التعامل معها بوصفها دولةً طبيعية. ومن جهةٍ أخرى، هذه السياسات التي كرّست الوجود الصهيوني، هي نفسها التي جوّعت وأفقرت الشعوب العربية، ما دفعها للخروج في ثورات ضخمة الهدف منها إسقاط الأنظمة/ السياسات الاقتصادية الامبريالية. ودون شك، أحدثت الثورات هزّةً كبيرة في بنية الأنظمة العربية، الأمر الذي جعل منها أنظمةً مُهدَّدةً بالانهيار، ما معناه أنّ التكيّف مع السياسات الاقتصادية الغربية الذي تبنّتهُ، كان أيضًا بدوره مُهدّدًا بالتلاشي والانهيار، وهذا كلّه ينعكس بصورةٍ كبيرة على وجود الدولة الصهيونية، لأنّ السياسات الاقتصادية التي تضمنُ لها وجودها عربيًا باتت مُعرضةً، في أي لحظة، للسقوط بفعل الثورات التي سوف تستبدلها بسياساتٍ اقتصادية أخرى تتصدّى للإمبريالية وتتناقض معها، وتُعيد أيضًا فتح الصراع من جديد مع الدولة الصهيونية التي ستكون قد فقدت ما يضمن وجودها في الشرق الأوسط.

هددت الثورات العربية عبر المُطالبة بإسقاط الأنظمة الاقتصادية والسياسية الرأسمالية القائمة، بشكلٍ فعليّ وجود الدولة الصهيونية

خُلاصة ما سبق أنّ الثورات العربية عبر المُطالبة بإسقاط الأنظمة الاقتصادية والسياسية الرأسمالية القائمة، هدَّدت بشكلٍ فعليّ وجود الدولة الصهيونية. وفي حال حقّقت هذه الثورات ما خرجت تُطالب به، فإنّها ستُعيد فتح باب الصراع مع الكيان وما يبرِّر وجوده. لأنّ ما ربط هذا الكيان بالأنظمة العربية فقد قوّته ومكانته، وخضع لهزّات عنيفة أفقدتهُ ركائزهُ. وفي هذا السياق، يُشير سلامة كيلة إلى عوامل أخرى ستُضعف الدولة الصهيونية بالتزامن مع الثورات العربية، وهي الأزمات الاقتصادية التي تمرّ بها الأنظمة الامبريالية الرأسمالية الغربية، وكون هذه الدولة جزءًا عضويًا في هذه المنظومة، فإنّها ستكون معرّضةً لكلّ أزماتها وهزّاتها، لا سيما وأنّ الرأسمالية تُعاني بشكل مستمرّ أزمات اقتصادية سيئة. ما معناه أنّ الدولة الصهيونية انطلاقًا من كونها مرتبطةً بمركز الرأسمالية العالمية، أي الولايات المتّحدة، فإنّها ستكون معرّضة لأي هزّة يتعرّض لها هذا النمط الاقتصادي، وبالتالي، مُعرّضة أيضًا للدخول في أزماتٍ مالية تعوّق نشاطها الاقتصادي بصورة كبيرة عامًا وراء آخر.

والأزمات الاقتصادية هذه لها تأثير جوهري وبارز على الأمن القوميّ الإسرائيليّ، لكونها شكّلت فوارق اجتماعية هائلة في هذا المجتمع، وبات هناك تمايز طبقي كبير على غرار التمايز الحاصل عربيًا، ما يعني أنّ الكيان الصهيونيّ يعيش حالة من غياب الاستقرار بفعل التحوّلات والأزمات للمنظومة الرأسمالية التي تضمن لهُ وجوده وأمنه. ويخلص سلامة كيلة للقول هنا إنّ هذه الأزمات ستُصاعد من حركات الاحتجاج في الشارع الصهيوني، ما يترك الباب مفتوحًا لنشوء ثورة شعبية تؤدّي إلى تفسّخ المجتمع الصهيوني في ظلّ الانقسامات الطبقية الحادّة. وهذه الانقسامات تعمل، وإن ببطءٍ، على تفكيك التماسك الأيديولوجي الذي نهضت على أساسه دولة الاحتلال. ويشير سلامة كيلة إلى أنّ تكريس الهوية اليهودية كحل لمواجهة هذه الانقسامات وضمان تماسك المجتمع، سيؤدّي إلى احتمال حدوث تفكّك على مستوى الهوية القومية، وهو ما يقود بالنهاية، كما يرى كيلة ويتوقّع حدوثه، إلى غياب وانهيار كل العوامل التي بَنت دولة الاحتلال الصهيونية.

يأتي فهم  سلامة كيلة لعلاقة واشنطن بإسرائيل على أنها قاعدة عسكرية تتطلّب جيشًا قويًّا وميزانيات مالية ضخمة للبقاء، وهو ما لا يستطيع الاقتصاد الإسرائيليّ تحمل نفقاته إطلاقًا

في سياق هذا كلّه، لا يتجاهل سلامة كيلة الدور الأمريكيّ في حماية وضمان أمن ووجود الدولة الصهيونية. فهو يرى بأنّ الأزمات التي تمرّ بها الرأسمالية العالمية، ومركزها، أي الولايات المتّحدة، ستؤسّس لوضع مربك عند دولة الاحتلال. لا لأنّ الأزمات ستؤثّر وتهزّ الاقتصاد الصهيونيّ فقط، بل لأنّ هذه الأزمات فرضت على الولايات المتّحدة واقعًا جديدًا أفقدها هيمنتها على المنطقة، وفرض عليها الانسحاب منها أيضًا. وهذا سينعكس بصورة كبيرة على الوجود الصهيونيّ الذي يعتمد على الأمريكان في المساعدات المالية والعسكرية التي تضمن له استمراره كدولة غير طبيعية. فالكيان مُدرك أنّه معرّض للحرب دائمًا من دول الجوار لأنّه دولة غير طبيعية، أو كما يسمّيها كيلة، قاعدة عسكرية تتطلّب جيشًا قويًّا وميزانيات مالية ضخمة للبقاء، وهو ما لا يستطيع الاقتصاد الإسرائيليّ تحمل نفقاته إطلاقًا.

اقرأ/ي أيضًا: لماذا لم تساهم النقابات السورية في الثورة؟.. سلامة كيلة مقدمًا 3 إجابات

ولهذا السبب ترتبط الدولة الصهيونية ارتباطًا مباشرًا بالولايات المتّحدة بوصف الأخيرة مسؤولة عن استمرارها. وفي ضوء الأزمات الاقتصادية التي تضرب الولايات المتّحدة والرأسمالية العالمية ككل، سيكون وضع الكيان سيئًا لأنّ الأمريكان لن يكونوا قادرين على لعب دور "الأب"، وتأمين الغطاء الاستراتيجي لهُ، أي الكيان. ومن غير الممكن، كما يؤكّد سلامة، أن يتوافر غطاء آخر للدولة الصهيونية في ظل أزمة الرأسمالية. هكذا ستكون مُجرّدة من أمور كثيرة لن تجد لها بديلًا، لأنّها في الأساس دولة غير طبيعة، أي أنّها لو اتّجهت للاعتماد على اقتصادها المحليّ، فإنّها لن تنجح في ذلك نظرًا للنفقات الهائلة التي تحتاجها لتأمين وجودها، كقاعدة عسكرية في الشرق الأوسط.

إذًا، الأنظمة الرأسمالية الامبريالية القائمة عربيًا، والتي دفعت الشعوب العربية للخروج في ثوراتٍ بهدف إسقاطها، تضمن لهذا الكيان وجوده عربيًا. أي أنّ الثورات العربية بإسقاطها لهذه الأنظمة، تُسقط ما يبرر الوجود الإسرائيليّ في المنطقة العربية، وتُعيد إشعال فتيل الصراع معه أيضًا، ذلك الذي خمد بعد تبنّي الأنظمة الدكتاتورية للسياسات الغربية. وإسقاط هذه الأنظمة عربيًا سوف يزيد من قوّة الأزمات التي تمرّ بها الرأسمالية ومراكزها، وبالتالي مضاعفة انعكاسها على الدولة الصهيونية، وفتح الباب لما يعتقد سلامة كيلة بأنّه سوف يضرب المجتمع الصهيونيّ. ولكن هل ستنجح الثورات العربية في تحقيق ما تُطالب به؟ لا سيما وأنّ الثورات التي تمكّنت تحقيق التحوّل الديمقراطيّ، كالثورة التونسية والمصرية، لم تُغيّر الأحزاب والنخب الفائزة بالانتخابات من واقع البنية والسياسات الاقتصادية فيها؟ يقول سلامة كيلة مُجيبًا بأنّ ما أفضت إليه الثورات العربية من مُتغيّراتٍ لن يُفضي إلى الاستقرار الداخلي لأنّها تغيّرات ليست بوارد تغيير النمط الاقتصادي كأساس لحلّ مشكلات البطالة والفقر، ما يعني أنّ الثورات ستظلّ قائمة حتى تغيير الأنظمة الاقتصادية لا السياسية فقط. الأمر الذي يؤدّي إلى عودة تصاعد التناقض مع الرأسمالية ككل. أي أنّ الثورات العربية، بما تُطالب به، وتسعى إليه، تشكّل تهديدًا واضحًا وصريحًا للدولة الصهيونية، لأنّها ستؤدّي إلى الإطاحة بأنظمةٍ دكتاتورية متواطئة معها، وتشتغل لصالحها بصورة علنية، وأخرى اقتصادية تبرر وتضمن لها وجودها. وهذه الثورات مستمرّة إلى تحقيق ما تريده، وإن خفتت شعلتها قليلًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

سلامة كيلة.. هكذا هي "التراجيديا السورية"

في تعثّر الثورة السورية