لماذا تحلّق كرة السلة اللبنانية عاليًا؟
8 يوليو 2025
بعد سنوات من التراجع بسبب الأزمات التي شهدها لبنان على المستويات السياسية والاقتصادية والصحية (جائحة كورونا)، استعادت كرة السلة اللبنانية عافيتها، وعادت الجماهير لتملأ المدرجات، وباتت مباريات القمة في دوري كرة السلّة اللبناني تشدّ انتباه الجماهير في لبنان وفي الدول العربية.
نتائج بارزة للأندية والمنتخب
تأهّل منتخب لبنان لكرة السلة ثلاث مرات إلى نهائيات كأس العالم، كما احتل وصافة كأس آسيا أربع مرات، أما على المستوى الأندية، فهي تقدّم مستويات كبيرة في البطولات العربية والآسيوية. ففي دوري أبطال آسيا يحتل لبنان المركز الأول بين جميع الدول بواقع ست بطولات (ثلاث بطولات للرياضي ومثلها للحكمة)، بالإضافة إلى تحقيق المركز الثاني أربع مرات والثالث أربع مرات أيضًا.
استعادت كرة السلة اللبنانية عافيتها، وعادت الجماهير لتملأ المدرجات، وباتت مباريات القمة في دوري كرة السلّة اللبناني تشدّ انتباه الجماهير في لبنان وفي الدول العربية
اللاعب اللبناني مطلوب اليوم في الفرق العربية، بعض الفرق تستقدم نجوم الدوري اللبناني لخوض المباريات الحاسمة بعد انتهاء موسمهم في لبنان مقابل بدل مادي كبير، كما حصل مع "علي حيدر" هذا العام حيث سيشارك مع فريق "أهلي طرابلس" في القسم الأخير من بطولة ليبيا، وعلى ذكر الأهلي الليبي، فإن الفريق توّج بدوري أبطال إفريقيا لكرة السلة تحت قيادة المدرب اللبناني "فؤاد أبو شقرا"، وأبو شقرا هو واحد من عدة مدربين لبنانيين ينشطون في الدوريات العربية. كما تستعين الأندية العربية واللجان المنظمة للدورات بخبراء من لبنان للاستفادة من تجربتهم المميزة في عالم كرة السلة.
وقد تأكّد احتراف لاعبين لبنانيين اثنين في الدوري الياباني العام المقبل هما "سيرجيو درويش" و"علي مزهر"، ويتم الحديث اليوم عن اقتراب لاعبين آخرين من الاحتراف خارج لبنان، من بينهم "وائل عرقجي" أفضل لاعب في آسيا في العامين الآخرين، إذ من المحتمل انضمامه إلى نادي العلا السعودي مقابل بدل مالي خيالي.
نهائي الرياضي-الحكمة يلفت الأنظار
وصل الرياضي والحكمة إلى نهائي بطولة كرة السلة في لبنان للموسم الحالي، في تكرار لمواجهتهما في العام الماضي. الحكمة تخطّى بيروت بصعوبة بالغة، فيما لم يواجه الرياضي الكثير من المشاكل وحسم مواجهته مع هومنتمن بنتيجة 3-0.
حظيت مباريات الدوري لهذا العام بمتابعة جماهيرية كبيرة في عدد من البلدان العربية، كذلك تابعها اللبنانيون والعرب في بلاد المهجر. بعض الصفحات العربية وصفحات لمؤثرين مهتمين بكرة السلة من سوريا والأردن ومصر وبلاد عربية أخرى، تفرد مساحات من صفحاتها لتغطية نتائج وأخبار كرة السلة اللبنانية، ويبدو من التعليقات بشكل جلّي أن المتابعين في هذه البلاد يولون اهتمامًا كبيرًا بكرة السلة اللبنانية. بل إن كثيرًا منهم يشجعون هذا الفريق أو ذاك وهذا اللاعب أو ذاك، ولديهم اطّلاع واسع بتاريخ السلة اللبنانية.
أحد المتابعين من مدينة حمص السورية، قال عبر منشور على تطبيق فيسبوك إنه يشاهد كرة السلة اللبنانية منذ تسعينيات القرن الماضي، حيث كان بثّ بعض القنوات اللبنانية المحلية يصل إلى بعض المناطق في سوريا، ويشير إلى أنه تعلّم مبادئ وقوانين كرة السلة من المعلّقين اللبنانيين يومها، وأشار مثلًا إلى أن أحد المعلقين أرسل تحية إلى أهل طرطوس، لمعرفته أنهم كانوا يجتمعون بكثرة في المقاهي في موسم 2003/2004 لمتابعة مواجهة الحكمة ضد الرياضي.
صفحة "مرصد السلة الأردنية" التي يتابعها أكثر من أربعين ألف شخص على موقع فيسبوك، والمختصّة بالأساس بأمور السلة الأردنية، تخصّص بدورها مساحةً وافرةً لكرة السلة في لبنان، ويكون التفاعل مضاعفًا عندما يكون المنشور عن مباراة بين الرياضي والحكمة، أو عن أحد نجوم أو فرق السلة اللبنانية، ويمكن ملاحظة تعليقات من أردنيين كثر، تؤكد أنهم يلمّون بأدق تفاصيل بطولة لبنان، ويعرفون الفرق واللاعبين وينقسمون بالتشجيع بينها.
الفضل الأكبر لـ أنطوان شويري
للاطلاع أكثر على واقع كرة السلة في لبنان وأسباب نجاحها، كان لـ"الترا صوت" لقاءات مع بعض المشجعين المهتمين باللعبة. حيث يرى شربل خوري، وهو صحفي لبناني مهتم بكرة السلة، أن أهم عوامل نجاح اللعبة في لبنان، هو أن حب الناس لهذه اللعبة من اللحظة الأولى، وهو ينسب فضلًا كبيرًا في ذلك إلى الراحل "أنطوان شويري"، رجل الأعمال والإعلام الذي ترأس إدارة نادي الحكمة بين عامي 1992 و2003، وقدّم دعمًا ماليًا وإعلاميًا كبيرًا لكرة السلة اللبنانية، فازدهرت اللعبة بشكل كبير وباتت محطّ أنظار الجميع.
ومع ذلك، وبحسب شربل الخوري، فإن هناك عوامل أخرى ساهمت بتطور اللعبة، منها البنية الجسدية اللبنانية ومعدل الأطوال المرتفع، واهتمام المدارس والإرساليات باللعبة، بالإضافة إلى توفّر النوادي والأكاديميات، ويضيء خوري على الدور الكبير الذي يلعبه الفوز والتتويجات برفع شعبية اللعبة، فهناك جيل نما وهو يشاهد الفرق اللبنانية تتوّج بالبطولات العربية والآسيوية، ومنتخب كرة السلة يشارك في كأس العالم، وهو أمر لا يحصل في الرياضات الأخرى ككرة القدم مثلًا.
ينسب الكثير من اللبنانيين الفضل في تألق السلة اللبنانية إلى الراحل "أنطوان شويري"، رجل الأعمال والإعلام الذي ترأس إدارة نادي الحكمة بين عامي 1992 و2003، وقدّم دعمًا ماليًا وإعلاميًا كبيرًا لهذه الرياضة
وعن الحديث المحتمل لاحتراف عدد من اللاعبين خارج لبنان الموسم المقبل، يرى خوري أن الأمر له انعكاسات سلبية وإيجابية في الوقت نفسه، مشيرًا إلى أن خروج "وائل عرقجي" تحديدًا من الدوري اللبناني، من شأنه أن يضعف جاذبية المسابقة ويوجّه الكثير من الأنظار إلى البطولة التي سيكون فيها عرقجي.
من جهته، أكّد محمد نجم، وهو مشجع للنادي الرياضي ومهتم بكرة السلة، على الدور الذي لعبه "أنطوان الشويري" في رفع مكانة كرة السلة اللبنانية، حيث كان المستوى قريبًا لمستوى كرة القدم قبل وصوله، ولم يكن لبنان قادرًا يومها على ترك أي أثر إيجابي في اللعبة.
وقد استفادت كرة السلة بحسب محمد نجم، من الاستثمارات المالية والحملات الإعلانية والترويجية لكرة السلة، وشعبية اللعبة في المدارس والتكوين البدني للمواطن اللبناني المناسب لهذه اللعبة، فارتقت كرة السلة في لبنان لتكون ضمن صفوة النخبة في العالم العربي وقارة آسيا.
يقول محمد نجم إنه اختار تشجيع النادي الرياضي مؤخّرًا، بعدما كان يشاهد اللعبة كمحايد في البداية، بسبب احترافية هذا النادي وثقافته، و"شخصية الانتصار" المتأصلّة في النادي، ما ساهم في السيطرة على الألقاب المحلية والقارية في السنوات الأخيرة.
ويرى محمد نجم أن التحدي الأهم لكرة السلة اللبنانية هو الوصول إلى الاحتراف، وبالنسبة له، فإن أهم مشكلة اليوم هي أن النوادي لا تحقّق الأرباح من كرة السلة نفسها، فالتمويل مصدره رجال الأعمال والمعلنين وعوائد النقل التلفزيوني، ولا تمتلك معظم الفرق استقرارًا ماديًا على المدى الطويل، فنشهد دائمًا وباستمرار اختفاء بعض الفرق عن الخارطة أو ظهور فرق جديدة.
ويؤكد نجم على أهمية الاحتراف، وأن يموّل قطاع كرة السلة نفسه بنفسه، وكذلك أهمية الاستقرار المادي والإداري للأندية، خاصةً وأن الأنظار موجهّة اليوم إلى الدوري اللبناني، وهو يخشى أن لا تصبح الفرق قادرة على الاحتفاظ بنجومها.
الانقسام السياسي والطائفي ينعكس على كرة السلة
يشجع جوزيف أنطون نادي الحكمة منذ عام 1995، عندما وصل إرسال تلفزيون LBC إلى منطقة القبيات في عكار حيث يقطن، وقد اختار تشجيع الحكمة بسبب الأداء الكبير الذي كانوا يقدمونه في البطولات العربية، وإظهارهم القدرة على منافسة فرق مصر والجزائر، وقد زاد حبّه لهذا النادي عندما فهم مع الوقت أن النادي يمثل "روح القوات اللبنانية"، في مقابل النادي الرياضي الذي كان محسوبًا على "الحريرية السياسية" في التسعينيات.
وعن أسباب تفوّق كرة السلة في محيطها، يعتبر جوزيف أنطون أن البنية الجسدية وارتفاع معدل الطول (179 في لبنان) يلعبا دورًا مهمًا، كما أن اللبناني يفهم هذه اللعبة جيدًا وهي متأصلة في ثقافته ومتواجدة منذ عقود في المدارس والإرساليات، ويثمّن جوزيف أنطون دور الإعلام اللبناني في هذا المجال، وقدرته العالية على التسويق للعبة، والبراعة في صناعة الترفيه وتقديم المباريات بأحسن صورة ممكنة.
أما عن أسباب ارتفاع شعبية كرة السلة اللبنانية خارج لبنان وخاصة في الدول العربية المحيطة، فيُرجع جوزيف أنطون سبب ذلك إلى المشاركات الخارجية بشكل منتظم بالبطولات الدورية مثل بطولة دبي، وتوفّر نقل مباشر لمباريات الدوري اللبناني على موقع يوتيوب بجودة عالية، بالإضافة إلى الندية السلّوية بين لبنان وبعض الدول المجاور وخاصة الأردن، ما جعل المؤثرين فيها يغطون أخبار كرة السلة اللبنانية، ومع الوقت صاروا يتابعون الأندية اللبنانية ويتفاعلون مع مبارياتها.