لماذا استهدف ترامب جزيرة خرج الإيرانية؟
14 مارس 2026
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الجيش الأميركي نفّذ غارة جوية واسعة استهدفت جزيرة خرج الإيرانية، التي تُعدّ المركز الرئيسي لصادرات النفط الإيرانية، في خطوة تعكس تصعيدًا جديدًا في سياق العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران.
وقال ترامب في منشور على منصة "تروث سوشيال" إن القيادة المركزية الأميركية نفّذت "واحدة من أقوى الغارات الجوية في تاريخ الشرق الأوسط"، مؤكدًا أن الضربة "دمّرت تمامًا كل هدف عسكري" في الجزيرة.
وأوضح أن العملية لم تستهدف البنية التحتية النفطية في الجزيرة هذه المرة، لكنه هدّد بإعادة النظر في هذا القرار إذا استمرت إيران في استهداف السفن أو تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز.
وتأتي هذه الضربة في وقت يتصاعد فيه التوتر في سوق الطاقة العالمي، مع حاجة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى إعادة فتح مضيق هرمز، وسط اضطرابات متزايدة في أسواق الطاقة نتيجة الحرب وإغلاق المضيق، إذ يستمر سعر برميل النفط لليوم الثالث على التوالي فوق مستوى 100 دولار.
ويتزامن ذلك مع بدء الإفراج عن المخزون الاستراتيجي الأميركي والأوروبي من النفط، إضافة إلى منح روسيا إعفاءً مؤقتًا من العقوبات الأميركية على صادراتها النفطية، ما يمنحها إيرادات أكبر بالعملة الصعبة. وفي المقابل، يزيد استمرار إغلاق المضيق من الضغوط الداخلية على ترامب، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة في الولايات المتحدة وما يرافق ذلك من انعكاسات مباشرة على دافعي الضرائب.
فضلًا عن تصاعد الضغوط من الحزب الديمقراطي، ولا سيما مع اقتراب الانتخابات النصفية، في ظل المخاوف من تحوّل ارتفاع أسعار الطاقة إلى ورقة ضغط سياسية تُستخدم ضد إدارة ترامب.
يمر عبر جزيرة خرج 90% من صادرات النفط الخام الإيرانية، حيث تُنقل يوميًا ملايين البراميل من الحقول النفطية الكبرى مثل الأهواز ومارون وجاشساران عبر خطوط الأنابيب إلى مرافق التخزين والتحميل في الجزيرة
واشنطن بحثت السيطرة على الجزيرة
في السياق نفسه، كشف موقع "أكسيوس" أن البيت الأبيض كان يدرس قبل اندلاع الحرب عدة خيارات عسكرية طرحها البنتاغون، من بينها تنفيذ عملية برية للسيطرة على جزيرة خرج.
ونقلت عن مسؤولين أميركيين، أن الضربة الجوية الأخيرة جاءت بمثابة "رسالة تحذيرية" لإيران، هدفها الضغط على طهران للتوقف عن إغلاق مضيق هرمز، وهو ما أدى إلى اضطراب كبير في سوق النفط العالمية.
وقال جارود أجين، مستشار في البيت الأبيض، في مقابلة مع قناة "فوكس بيزنس"، إن الهدف هو "إخراج احتياطيات النفط الضخمة في إيران من أيدي الإرهابيين"، في إشارة إلى أن جزيرة خارك قد تكون جزءًا محوريًا من منطق العملية العسكرية.
ويشغل أجين منصب المدير التنفيذي لمجلس "الهيمنة على الطاقة الوطنية"، وهي هيئة أنشأها الرئيس الأميركي العام الماضي لتعزيز أهداف أمن الطاقة الأميركية.
الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية لجزيرة خرج
تقع جزيرة خرج، أو كما تُعرف باللغة الفارسية جزيرة خارك، على بعد نحو 25 كيلومترًا من الساحل الإيراني في الخليج، وتُعدّ أكبر محطة مفتوحة لتصدير النفط في إيران وأحد أهم أصولها في قطاع الطاقة، رغم أن مساحتها لا تتجاوز 20 كيلومترًا مربعًا.
ويمر عبر الجزيرة 90% من صادرات النفط الخام الإيرانية، حيث تُنقل يوميًا ملايين البراميل من الحقول النفطية الكبرى مثل الأهواز ومارون وجاشساران عبر خطوط الأنابيب إلى مرافق التخزين والتحميل في الجزيرة.
وتضم الجزيرة مرافق ضخمة للتخزين والمعالجة، إضافة إلى أرصفة عميقة قادرة على استقبال ناقلات النفط العملاقة التي لا تستطيع الرسو في السواحل الإيرانية الضحلة.
وتبلغ قدرتها على تحميل النفط نحو 7 ملايين برميل يوميًا، فيما تُقدَّر سعة التخزين فيها بنحو 30 مليون برميل.
وتُزوّد إيران العالم بنحو 4.5% من النفط، حيث تضخ 3.3 مليون برميل من النفط الخام و1.3 مليون برميل من المكثفات والسوائل الأخرى يوميًا، وفقًا لرويترز.
كما تشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن الجزيرة تمثّل نقطة ارتكاز رئيسية في شبكة الطاقة الإيرانية، إذ تجمع النفط من الحقول البرية والبحرية وتعيد تصديره إلى الأسواق العالمية، ما يجعلها الشريان المالي الأهم للاقتصاد الإيراني.
تداعيات السيطرة أو تدمير الجزيرة
تكتسب جزيرة خرج أهمية استراتيجية تتجاوز كونها منشأة نفطية عادية، إذ تمثّل الشريان الرئيسي الذي يمر عبره معظم النفط الإيراني إلى الأسواق العالمية. ونظرًا لهذه الأهمية، يُعدّ الاستيلاء عليها خطوة قادرة على توجيه ضربة مباشرة للاقتصاد الإيراني، لأن تعطيل عملها يعني عمليًا قطع المصدر الأساسي للعملة الصعبة التي يعتمد عليها الاقتصاد الإيراني في تمويل الدولة والإنفاق العسكري، ولا سيما في ظل العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران التي تحدّ من حصولها على عائدات بالعملة الصعبة.
ولهذا تُعدّ الجزيرة إحدى أكثر النقاط حساسية في الحرب الجارية، إذ إن استهدافها لا يعني ضرب منشأة محلية فحسب، بل التأثير في البنية المالية لإيران بأكملها. وفي المقابل، فإن تدمير البنية التحتية النفطية فيها قد ينعكس مباشرة على سوق الطاقة العالمية، عبر فقدان كميات كبيرة من النفط من السوق، الأمر الذي قد يؤدي إلى صدمة في الإمدادات وارتفاع حاد في الأسعار.
وتُظهر بيانات شركة "كبلر"، المتخصصة في تتبع ناقلات النفط، أن إيران صدّرت نحو 1.7 مليون برميل يوميًا من النفط الخام منذ بداية العام، جرى شحن نحو 1.55 مليون برميل منها عبر جزيرة خرج. كما تشير البيانات إلى أنه قبل اندلاع الحرب رفعت إيران صادراتها إلى نحو 2.17 مليون برميل يوميًا في شباط/فبراير الماضي، مسجلةً مستوى قياسيًا بلغ 3.79 مليون برميل يوميًا في الأسبوع الذي بدأ في 16 شباط/فبراير.
وتُعدّ الصين أبرز المستفيدين من النفط الإيراني، إذ تستورد نحو 13.4٪ من إجمالي وارداتها النفطية المنقولة بحرًا من إيران، وهي كميات تمثّل ما يقارب 80٪ من إجمالي صادرات النفط الإيراني. وبناءً على ذلك، فإن تعطيل جزيرة خرج أو السيطرة عليها قد ينعكس مباشرة على إمدادات النفط المتجهة إلى بكين، ولا سيما إذا أصبحت الجزيرة تحت سيطرة واشنطن، الأمر الذي يمنح الولايات المتحدة ورقة ضغط إضافية في سوق الطاقة وفي التوازنات الجيوسياسية المرتبطة بها، وهو ما ذهبت إليه صحيفة "ديلي تلغراف" إلى أن أحد السيناريوهات المطروحة يتمثل في سعي الولايات المتحدة إلى السيطرة على الجزيرة بدلًا من تدميرها، بما يمنح واشنطن نفوذًا مباشرًا على الاقتصاد الإيراني، من دون الانخراط في حرب برية واسعة داخل الأراضي الإيرانية.
وقال كبير مسؤولي الاستثمار لدى شركة "بيكيرنغ إنرجي بارتنرز" دان بيكيرنج: "إذا دُمّرت البنية التحتية في خرج، فستفقد السوق مليوني برميل يوميًا نهائيًا، إلى حين حل مسألة المضيق".
تقرؤون أيضًا : جزيرة خارك الإيرانية.. عقدة النفط التي تراقبها واشنطن وتل أبيب