لماذا استنفرت أوروبا بعد سقوط مسيّرة روسية داخل رومانيا؟
30 مايو 2026
صعّدت روسيا وحلف شمال الأطلسي "الناتو" من لهجتهما المتبادلة بعد سقوط طائرة مسيرة داخل مبنى سكني في رومانيا، في حادثة أعادت المخاوف من انتقال تداعيات الحرب الأوكرانية إلى أراضي دول الحلف، وسط تهديدات روسية مباشرة وتحركات أمنية وعسكرية أوروبية متسارعة.
وجاء التصعيد بعدما أعلنت السلطات الرومانية سقوط طائرة مسيرة خلال هجوم روسي على أوكرانيا المجاورة، ما أدى إلى إصابة شخصين وإجلاء سكان من مبنى سكني في مدينة غالاتس الواقعة قرب الحدود مع أوكرانيا ومولدوفا.
وقالت وزارة الدفاع الرومانية إن الطائرة رُصدت عبر الرادار داخل المجال الجوي الروماني قبل أن ترتطم بسقف المبنى وتتسبب بحريق، فيما أرسل الجيش مقاتلتين من طراز "إف-16" ومروحية للتعامل مع الأهداف الجوية، بالتزامن مع إطلاق تحذيرات طارئة للسكان.
الناتو يتوعد.. وروسيا ترد بالتهديد
وأكد الأمين العام لحلف "الناتو" مارك روته أن الحلف "مستعد للدفاع عن كل شبر من أراضيه"، معتبرًا أن "السلوك المتهور لروسيا يشكل خطرًا على الجميع"، وذلك بعد اتصال مع الرئيس الروماني نيكوشور دان.
كما أكد متحدث باسم قيادة القوات الجوية التابعة للحلف، في تصريحات نقلتها "رويترز"، أن الطائرة المسيرة التي تحطمت في رومانيا "من أصل روسي".
حذر نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري ميدفيديف، القادة الأوروبيين من أن الطائرات المسيرة "ستواصل دخول أراضيهم"، وأن سكان أوروبا "لن يتمكنوا من النوم بسلام"
في المقابل، شكك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الرواية الغربية، وقال خلال مؤتمر صحفي في أستانا إن من المبكر الجزم بمصدر الطائرة، مرجحًا احتمال أن تكون أوكرانية.
وأضاف بوتين: "لا أحد يستطيع تحديد مصدر هذه الطائرة قبل إجراء تحقيق"، مشيرًا إلى أن حوادث مشابهة وقعت سابقًا في فنلندا وبولندا ودول البلطيق قبل أن يتبين أنها ليست روسية.
كما اقترح أن تشارك رومانيا حطام الطائرة أو المعلومات المرتبطة بها مع موسكو لإجراء "تحقيق خاص".
أما نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري ميدفيديف فذهب أبعد من ذلك، محذرًا القادة الأوروبيين من أن الطائرات المسيرة "ستواصل دخول أراضيهم"، وأن سكان أوروبا "لن يتمكنوا من النوم بسلام".
وقال ميدفيديف إن الدول الأوروبية "تشارك بشكل مباشر في الحرب ضد روسيا" عبر تزويد أوكرانيا بالطائرات المسيرة والأسلحة والمعلومات الاستخباراتية، مضيفًا أن هذه الحوادث مرشحة للاستمرار خصوصًا في المناطق التي تُصنع فيها الطائرات المسيرة المخصصة لكييف.
تصعيد دبلوماسي وتحركات أوروبية
ونتيجة التصعيد، عقد الرئيس الروماني اجتماعًا طارئًا للمجلس الأعلى للدفاع الوطني، فيما استدعت وزارة الخارجية السفير الروسي، وأعلنت إعداد حزمة إجراءات ضد موسكو "تتناسب مع خطورة الوضع".
وقالت وزيرة الخارجية الرومانية أوانا تسويو إن بوخارست ستبلغ موسكو رسميًا بـ"العواقب" التي ستترتب على الحادثة بالنسبة للعلاقات الثنائية، إضافة إلى خطوات أوروبية تتعلق بالعقوبات.
كما طلبت رومانيا من حلف "الناتو" تسريع نقل أنظمة مواجهة الطائرات المسيرة، ولوّحت بإمكانية اللجوء إلى المادة الرابعة من معاهدة الحلف، التي تتيح إجراء مشاورات رسمية عند تعرض دولة عضو لتهديد أمني.
ووصف الجيش الروماني الحادثة بأنها لا ترقى إلى "هجوم روسي على رومانيا"، لكن القائم بأعمال رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال غيورغي ماكسيم قال إن روسيا "تمثل تهديدًا لأمن دول المنطقة".
إدانات أوروبية وتحذيرات من اتساع الحرب
وأثارت الحادثة إدانات أوروبية متسارعة، إذ قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إن "حرب العدوان الروسية تجاوزت خطًا جديدًا"، مؤكدة تضامن الاتحاد الأوروبي الكامل مع رومانيا.
وقال وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو إن الطائرة أصابت "دولة عضوًا في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو"، واصفًا ما جرى بأنه "تصرف غير مسؤول".
بدوره، اعتبر وزير الخارجية الأوكراني أندري سيبيها أن الحادثة تثبت أن "العدوان الروسي يشكل تهديدًا حقيقيًا لمنطقة البحر الأسود ولأوروبا بأسرها".
ويأتي ذلك في وقت تستعد فيه أوكرانيا لموجات قصف روسية إضافية، بحسب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي يمارس الضغط على الولايات المتحدة للحصول على مزيد من منظومات "باتريوت" للدفاع الجوي.
وذكر أن القصف الروسي الأوكراني المتبادل تصاعد خلال الفترة الماضية، بعد اتهام روسيا أوكرانيا بقصف سكن جامعي ضمن مناطق سيطرة القوات الروسية في أوكرانيا، وما تبع ذلك من رد روسي شمل ضربات مكثفة على كييف واستخدام صاروخ "أوريشنيك" القادر على حمل رؤوس نووية، مقابل رد أوكراني استهدف منشآت نفطية في العمق الروسي، وسط حديث عن تحضير روسي لقصف واسع داخل أوكرانيا، بحسب تحذيرات زيلينسكي.
توتر متصاعد في بولندا
وفي موازاة التوتر مع روسيا، تواجه أوكرانيا فتورًا متزايدًا في علاقتها مع بولندا، رغم كون وارسو من أبرز داعمي كييف منذ بدء الحرب.
وطلب الرئيس البولندي كارول ناوروتسكي من هيئة رسمية دراسة إمكانية سحب وسام "النسر الأبيض" من زيلينسكي، بعدما أعادت أوكرانيا تسمية وحدة عسكرية باسم جماعة قومية أوكرانية تتهمها بولندا بارتكاب مجازر بحق البولنديين خلال الحرب العالمية الثانية.
وترتبط الجماعة بمجازر فولين بين عامي 1943 و1945، التي تقول بولندا إن نحو 100 ألف بولندي قتلوا خلالها على يد قوميين أوكرانيين.
وفي كييف، وصف المتحدث باسم الخارجية الأوكرانية هيورهي تيخي رد الفعل البولندي بأنه "مؤسف"، مؤكدًا أن أوكرانيا لم تكن تسعى للإساءة.
وفي سياق متصل، أعلنت السلطات البولندية توقيف موظف في مجموعة الصناعات الدفاعية البولندية "بي جي زد" للاشتباه بتورطه في التجسس لصالح دولة أجنبية، في ظل اتهامات متكررة لروسيا بمحاولة جمع معلومات عن الدعم العسكري الغربي المقدم لكييف.
وتقول بولندا إن دورها كمركز لنقل الإمدادات العسكرية وغيرها إلى أوكرانيا جعلها هدفًا للجواسيس الروس الساعين لجمع معلومات عن الدعم المقدم لكييف في مواجهة الغزو الروسي، إضافة إلى تنفيذ أعمال تخريب.
تقرؤون المزيد في: روسيا تضرب أوكرانيا بـ"أوريشنيك".. ماذا نعرف عن الصاروخ الفرط صوتي؟