لماذا أيتها القصيدة

لماذا أيتها القصيدة

ضياء العزاوي/ العراق

منذ الأمس وأنا أبحث عن بداية
عن جملة وصفية أو خبرية
عن استعارة أربط بها الدلو، وأنزله إلى بئري.
كأني أود قول كل شيء مرة واحدة،
وبقصيدة واحدة أكتب عن الحب والألم والخذلان والوحدة.
كأن القصيدة أريكة الطبيب النفسي،
تتصاعد منها بالهمهمة كل القصص المخبأة،
وتتدلى منها كل السلاسل الصدئة التي تطوق الذاكرة.
كأن حياتي سجادة أنفضها بقوة،
وألم غبارها بعلبة زجاجية أودعها البحر.
كأني في تيهي هذا، غمست قدميَّ بالحبر وصنعت خارطة ورائي.
كأن ما ورائي رقعة، أرمي عليها النرد، وأتجاوز أفاعيها.

لكنني منذ الأمس
أشعر بها قوية وثقيلة
تطبع رضا واسعًا على أضلاعي
تشارك قلبي في مساحته، وتسمم الهواء في صدري.
منذ الأمس تقتلني، تسحبني من ياقتي إلى الحاسوب لأخرجها
تختبئ في الصفحة البيضاء، وتسخر من عجزي:
عيناي مشدوهتان
أصابعي مشدودتان برغبة البدء
والورقة البيضاء فارغة. 

لكنني ربما أسمعها الآن
أو ربما أراها فكرة غاضبة ومتململة
كأنها تقول: أنا الشاهدة الوحيدة على حقيقتك الكاملة.
أنا العجوز التي تغزل الصوف قرب نافذتها المطلة على قعرك.
رأيتك تحب كمن سرق صولجان الملك، ولم يشف قلبه بحمله ولو مرة.
رأيتك تبكي، وكانت دموعك نهرين في صحراء، لم تنبت على شواطئهما ولو وردة واحدة.
سمعتك تغني، وكان لحنك النشاز عظيمًا، خالدًا في ذاتك كقداس إله مات.
راقبت نومك، كيف كانت عروقك تنفر من جلدك، كما لو أن دمك يود أن يهرب مما يرى.
ونظرت في عينيك حين نظرت لي، ولم تعرف بأني أراك، وأفهم كيف تسجل كل حياتك في عينيَّ، لأكون شاهدتك الوحيدة.

يا أيتها القصيدة
يا شاهدة على وجع لا يغلق جفنيه على حمرة عيني الشيطان في وجهه.
أنت مني كبريق نصل الرمح من عينيّ الفارس، والطيف من نثير الماء.
وأنا منك كصدأ الفضة في المرايا العتيقة، والهالة السوداء تحت العين التي رأت كثيرًا.
أكتبكِ ولستُ سوى عشرة أصابع تدون إملاءكِ.
أكتبك غريبة وموحشة، لا يلمس غزلك الصوفي سوى الضوء والغبار.
أكتبك صلاة، وتكونين إلهي، وأصلي لك وأنا خالقك.
أكتبك وأنا أحبك، ترقصين على وهمي، وتنقبين في ألمي، وتعزليني عن العالم.

أيتها القصيدة
منذ الأمس وأنا أبحث عنك
عن خيط الصوف الذي يقودني إلى المغزل
عن انعكاس خاطف على زجاج نافذتك المعتم
لكنك ومنذ الأمس، تثقلين على صدري، وتسممين هوائي، وتصدين عني، كأني لست منك ولست مني..

لماذا.. لماذا أيتها القصيدة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عندما يتعلق الأمر بالضحايا

يُكتب في خانة الاسم: مجهول