نقيبة الأطباء دكتورة منى مينا (يويتيوب)

"تعمل النقابات جيدًا كمراكز مقاومة ضد هجمات رأس المال، ولكنها تفشل جزئيًا بسبب الاستخدام السيئ لقوتها، وتفشل بشكل عام لأنها تحد نفسها في المعارك الجزئية ضد آثار النظام الحالي بدلًا من محاولة تغييره في نفس الوقت. وبدلًا من استخدام قوتها المنظمة كرافعة من أجل التحرر النهائي للطبقة العاملة، أي القضاء الكلي على نظام العمل المأجور" -كارل ماركس.

إن السبب الرئيسي للهجمة الشرسة على منى مينا ومجلس نقابة الأطباء الآن واتهامهم بالانتماء لتنظيم الإخوان ليس على الإطلاق دورهم النقابي، على العكس تمامًا، فالسبب هو تجاوزهم "بشكل واعٍ أو غير واعٍ" لهذا الدور النقابي الضيق، الذي يحاول النظام حصرهم فيه لتحجيم أي محاولة للانفتاح الواعي لهم على قضايا المجتمع عبر ربط النضال النقابي بالنضال المجتمعي.

فعندما تحدثت وكيل نقابة الأطباء عن الحق في العلاج، والإشارة ولو على استحياء لتوسيع جبهة المتضررين من إجراءات تحرير سعر العملة لتشمل الجميع نتيجة لقرارات سياسية فاسدة.

سبب الهجمة على منى مينا ونقابة الأطباء الآن ليس على الإطلاق دورهم النقابي، على العكس، فالسبب هو تجاوزهم لهذا الدور النقابي الضيق

فالنظام يعلم تمامًا أن هذه هي الخطوة الأولى نحو ربط المطلبي بالسياسي، وهو ما يهدد وجودهم في مقتل، خاصة مع التوحش غير المسبوق في تطبيق الإجراءات التقشفية، والغضب الجماهيري الناجم عن هذا، فما يريده النظام هو التضخيم الدائم من رؤية العمال، والمهنيين، للنضالات اليومية، من أجل بدل الوجبة وبدل العدوى، على حساب النضال ضد نظام السوق نفسه لتعزيز الذاتية والوعي النقابوي لديهم على حساب الوعي الطبقي. وبالتالي الانشغال بالنضال ضد نتائج ممارسات النظام وليس النظام نفسه، كما يفتت من إمكانية خلق تحالف طبقي ضده، مما يخلق حاله من التوافق الضمني على أبدية النظام الحاكم واستحالة تغييره.

اقرأ/ي أيضًا: عن الدولة التي خدرها بنج الأطباء

ويذكرني هذا بنفس الهجمة الشرسة على نفس المجلس بعد الاعتداء على أطباء المطرية، والذي تزامن مع العديد من الحالات التي مارست فيها الداخلية العنف ضد المواطنين من كافة القطاعات، وهدد بتشكيل موجة احتجاجية مجتمعية ضد بلطجة الداخلية تحت شعار "الداخلية بلطجية".

وبالفعل نجح النظام في فبراير بهذه الهجمة، إعادة مجلس النقابة إلى حظيرته النقابية وإفشال أي محاولة للانفتاح النقابي على النضال المجتمعي وتكوين جبهة نقابية مجتمعية ضد بلطجة وزارة الداخلية. ويعود هذا بالأساس للسيطرة البيروقراطية النقابية على المجلس وغالبية اليسار.

وبيت الداء في البيروقراطية النقابية هو الفصل التعسفي بين ماهو اقتصادي وما هو سياسي، وبالتالي ترى النقابات في التحليل الأخير كيانات إصلاحية دورها خوض نضالات من أجل رفع مستوى معيشة العمال، وتحسين ظروف عملهم وحياتهم ضمن النظام، فهي أداة لتحسين شروط الاستغلال الرأسمالي لا للقضاء عليه، كما ترى في جهاز الدولة كيانًا محايدًا عابر للطبقات.

وهذه الرؤية الناتجة عن الفهم الخاطئ للطبيعة التاريخية للنقابة والعلاقة الجدلية بين الاقتصاد والسياسة تساهم بشكل ضمني في هيمنة خطاب الطبقة الحاكمة.

نتيجة لهذه الرؤية القاصرة أدى الفشل في تحقيق تصعيد مناسب ونتائج ملموسة على الأرض إلى خلق حالة إحباط كبيرة بين الأطباء، وخصمت من رصيد المجلس لدى قواعده من الأطباء كما رأينا في الجمعية التالية بعد شهر تقريبًا، والتي لم يحضرها سوى 100 طبيب، مما عزز من توحش جهاز الداخلية وثقته في نفسه لدرجة تجرئه على اقتحام مقر نقابة الصحفيين، والقبض على صحفيين داخله، وهو ما تسبب في موجة غضب داخل نقابة الصحفيين أجهضها نفس الفكر الإصلاحي النقابوي المنغلق على القضايا المجتمعية.

أدى الفشل في تحقيق تصعيد مناسب ونتائج على الأرض إلى خلق حالة إحباط كبيرة بين الأطباء، وخصمت من رصيد مجلس النقابة لدى قواعده

وعلى إثر هذا التراجع والإحباط والفشل في خلق قيادة لمناهضة النظام العسكري النيوليبرالي الحاكم، تم تمرير العديد من القوانين والإجراءات التقشفية المعادية للجميع والحجر على الحق في الإضراب ومحاكمة المضربين، كما حدث في الترسانة البحرية، وعمال النقل العام ومنهم نقابيون.

اقرأ/ي أيضًا: مصر.. هل يرفع الأطباء "الكرت الأحمر" بوجه النظام؟

ومن جديد مجلس نقابة الأطباء، تحت ضغط الإجراءات التقشفية العنيفة وما يصاحبها من إجراءات قمعية وتأميم للحياة العامة وانحياز واضح من الدولة لرجال الأعمال، مضطر لأن يتجاوز الفكر البيروقراطي، الذي يحتاج بعض الحياد المظهري للدولة ليستمر، ويخوض جولة جديدة على استحياء للانفلات من حظيرة النظام النقابية والانفتاح على القضايا المجتمعية.

ولكن لو لم يتعلم هذا المجلس من تجربته السابقة هو وباقي مجالس النقابات والقوى السياسية ويقومون بالتخلص من هذا الفكر النقابوي الضيق، وتقديم المصالح الطبقية على المصالح النقابوية -وليس التخلي عنها بالطبع- والانفتاح على قضايا المجتمع الملحة، وخلق رأس حقيقية للنضال ضد إجراءات التقشف، فالقادم سوف يكون أكثر ظلمة وأشد سوءًا. لذلك #أدعم_منى_مينا.

اقرأ/ي أيضًا:
هل يحمل الأطباء لواء الثورة؟
التجربة التركية.. الطبقة الوسطى في مواجهة العسكر