للغائب سبعون ألف عذر

للغائب سبعون ألف عذر

تيم ديرفين/ بلجيكا

عُمري واحدٌ وثلاثون عامًا، في كل عامٍ أربعة فصول، وكل فصل خمسون ألف خطيئة، وزفاف، وولادة، وغيث وجرح، في كل عامٍ تبكي عمتي ابنها المسافر، ويبتلُ التراب كثيرًا من زيارة الأحياء وحديثهم المبلل للموتى، في كل عامٍ يبنى سور خلف سور بين أحبة، ويهدم ألفُ حائطٍ بين من ظنوا يومًا أن لا حب بينهم لو هزت الرياح كل نخيل العراق مهددة بوقوعه أرضًا حتى الموت، في كل فصلٍ من كل عام تموت وردة لتحيي ابتسامة حبيبة أحد أبناء المدينة، وتولد أخرى لنفس الغرض، في كل عامٍ عتمةٌ يزداد سوادها، وانتظارٌ يطول، وليلٌ يجرح، في كل عام تزيد نسبة الذين يموتون من شدة الحنين، وجرعاتُ انتظار تزيد ورم الذاكرة، في كل ليلةٍ من كل فصل أقبل صورة عمي الغائب الحاضر، مضى واحدٌ وثلاثون عامًا مني على حب عدن، ومثلها اثنان وأربعون عامًا من صديقتي، أظن أن حب اليمن لا ينتهي مع ولادة كل يمني أو يوم ميلاد له.
 
تزوجت، واليوم تسكن في أحشائي طفلة لا تزال ملامحها تتشكل، اخترنا لها اسمًا لا أظنها ستحبه، كل شيء مهيئ، الدين والوطن كما اسمها، ولو أستطيع يا عمي أن أهيئ لها قدرًا لما خفت هكذا كأنها ستخرج من رحمي إلى ظلام لا يصير فيه صبح، يخطئ الطبيب في كل مرة أذهب فيها لفحص الجنين، أقول له دائمًا يكبر الجنين في قلبي لا في رحمي، ويضحك قائلًا: لديكِ شعور مبكرٌ في الأمومة أم أنها غريزة تولد مع كل فتاة؟ أثق يا عمي كل الثقة لو أنك بيننا اليوم لكنت الوحيد الذي سيصدق أنها تكبر في قلبي، أذكر مرةً كيف أنك كنت مذهولًا من مريم ابنة العم مروان يوم تبرعت بإحدى عينيها لابنها الأصغر، لا تغيب عن ذهني أبدًا حين قلت: يزيد صمام القلب واحدًا مع كل ولادة ليصبح عند كل أم خمسة صمامات. تستطيعون أن تحبوا الأبناء بطريقة أخاف أن أضع لها حدًا. تخيلي أن يعيش شخص داخل شخص آخر، ويخرج منه.
 
تشتاقك عدن يا عمي أظن أن هذه الرساله كان لا بد أن تكتب منذ زمن لكن ظروف الحياة تجعلنا ننسى، أو أننا نختلق الظروف لنتناسى لا أدري، ولا أدري أيضًا إن كان بالإمكان أن يصل مكتوبي إلى هنغاريا، أخذتك الحياة من عدن لكن لم تستطع يومًا أن تأخذك مني، كنت عمي الثائر الوسيم العنيد إلى حد يثير غضب أبي الشديد وباقي أعمامي، كنت دائمًا تقول لي علينا في بداية الأمر أن نرفض كل ما يقولونه، قولي لا، وسيكون كل شيء على ما يرام. أذكر ليلة بكيت فيها كثيرًا، أبعدوك عني يومها ظنًا منهم أنك من يزرع في رأسي أفكارًا تخرج عن عاداتهم، يوم أخذتني إلى معلمة من أصول عراقية لتعلمني العزف على العود. كنت أتعلم في البداية السلم الموسيقي حتى عرف أبي وحرمني من العود إلى الأبد.

لا تزال ابنة صباح تحبك، تقول لي في كل مرة أراها، يزيد البعد  قلب المحب تعلقًا وتمسكًا، لا أزال أهيم بعمك الشجاع، أشعر به هنا يلامس كفي خده، وعيناه تخترق قلبي، تقول: قال لي عمك في آخر مرة تقابلنا فيها إن الحب دين ونهج يسير عليه ويؤمن به مجموعة من الناس، وقلت له إن الحب ليس إلا وباء يتسلل بعدوة أو بدون الى القلب لا شفاء منه.

أكتب إليك من حبيبتك عدن، أيها المنصف القوي المتين مثل الحبل السري الذي يربطني بطفلتي، أكتب لأنني جائعة. قلت لي مرة إن قلمنا هو خبزنا، لذلك أكتب كثيرًا لأشبع حواسي، ولكن ماذا عنك؟ إن كنت أنت الماء وأنا العطشى لرؤيتك؟ أغار عليك من هنغاريا تلك الجميلة التي سرقتك مني ومن اليمن ومن ابنة صباح، كانت حبيبتك الوحيدة، تفكر دائمًا بعد كل شجار مع أبي بالهروب إليها، قلت لك مرة ما سرُّ حبك الشديد لهنغاريا تحديدًا يومها لم تجب قط، لكنني أظن أنني اليوم عرفت الجواب.

كنت أفكر قبل يومين كيف يمكن أن نكون ألف شخص في شخص، كنت في الحافلة وكان الركاب قرابة الثلاثة عشر راكبًا وراكبة، فكرت لو اصطدمت الحافلة ومات من فيها، سأموت أنا وأمي معي لأنني حياتها، وتضعف حيلة أبي ويذبل عمر أختي، وأترك فراغًا في صباح أحدهم، وتفتقدني الصديقات، فكرت كم أننا محصورون في بعضنا البعض، وكم شخصًا نخسر بعد رحيل واحد منا.

أخيرًا، أتت خزامى، مرَّ حوالي الشهرين أو أكثر، لم تنسح لي الفرصة لأكمل المكتوب علّه يصل مبكرًا، انقطعت عنك، لكن خزامى جاءت إلى الحياة، بل جاءت إلى هذا العالم الأسود حياة من بعض أسمائها خزامى، لا أعلم يا عمي، لكنها كمية لا تحصى من الحب، اليوم صرت لها، أعيش لأجل خزامى، وأقطع الشارع بهدوء جم لأجل خزامى، لم أعد ملكي، اليوم عرفت جيدًا، كيف أنني عمر أمي وبدوني يذبل ذاك العمر، علقت عليها أحلامًا كثيرة، ستتعلم العزف جيدًا بدلًا مني، وتفعل كل ما لم أستطع فعله، أخاف الحياة بدون خزامى أخافها كثيرًا يا عمي.

مرَّ الكثير من الوقت، لم تتعلم النطق جيدًا، لا تزال تتلعثم في الحروف، لكن مخارج الحروف سليمة، أعدك يا عمي أن أول بطل في حكايا ما قبل النوم سيكون أنت، سأبدأ حديثي معها دائمًا يقول عمي، لا الأسطورة تقول، سأخبرها عن شجاعتك ووسامتك وإخلاصك لأمها، سأخبرها أني يوم رحلت أنت صرت كفيفة عن كل شيء، كفيفة عن خيمة يفصل بيني وبينها صورتك المعلقة التي كتب عليها، الشهيد البطل كنعان محسن، وأعلمها أن تختلق للغائب سبعين ألف عذر ولو كان ميتًا.
 
اقرأ/ي أيضًا:
 
رسالتي إلى الله

حدث في المنفى