لقاحات كورونا الموعودة.. إلى أي مدى يمكن التفاؤل بنتائج التجارب السريرية؟

لقاحات كورونا الموعودة.. إلى أي مدى يمكن التفاؤل بنتائج التجارب السريرية؟

النجاعة السريرية للقاح تختلف عن فعاليته في العالم الحقيقي (Getty)

يبدو أن الشركات الكبرى المطوّرة للقاحات فيروس كورونا الجديد حول العالم تتعمّد استخدام أوصاف عامّة مبهمة في وصف الفعالية الحقيقية المأمولة للقاحات التي تعمل على تطويرها، بشكل يخلط بين نتائج الاختبارات السريرية على المتطوعين، ونسبة الفعالية العمليّة للقاحات في حال إنتاجها وتوزيعها على الناس. إذ يشير بعض الخبراء إلى أنّ النسب المعلن عنها لفعالية اللقاح قد لا تعني بالضرورة الحصول على نسبة مماثلة من الفعالية خارج ظروف التجارب السريرية. في هذا المقال المترجم بتصرّف عن نيويورك تايمزّ سنستعرض ما تعنيه نسب "الفعالية" التي أعلنت عنها شركات فايزر وموديرنا، ونفرّق بين مصطلحات أساسيّة في عالم اللقاحات تساعدنا على معرفة الإمكانات الحقيقية لهذه اللقاحات في احتواء جائحة كورونا في الأشهر المقبلة. 


يبدو أن اثنين من أبرز اللقاحات الواعدة المرتقبة قد حققت نتائج تفوق جميع التوقعات. فلقاح فايزر-بيونتيك قد حقق فعالية وصلت إلى 95%، أما نتائج لقاح شركة موديرنا فقد وصلت إلى 94.5%. ثمّة لقاحات أخرى اقتربت من هذه النسب أيضًا، ومنها لقاح "سبوتنيك" الروسي، الذي ادّعت الجهة المطورة له أن فعاليته قد تجاوزت 90%.

يقول الدكتور غريغوري بولاند، وهو باحث مختص باللقاحات في مستشفى مايو كلينيك، معلقًا على هذه الأرقام: "هذه اللقاحات غيّرت قواعد اللعبة تمامًا. لقد كنا نتوقع نتائج بالكاد تصل إلى 70 بالمئة، حتى أن إدارة الغذاء والدواء الأمريكية قد كانت على استعداد لمنح اعتماد استثنائي لأي لقاح يحقق فعالية تبلغ 50 بالمئة وحسب.

أداء اللقاح في العالم الحقيقي، خارج ظروف التجربة السريرية، سيعتمد على عدد كبير من العوامل والمتغيرات التي لا نملك حتى الآن المقدرة على التحكم فيها

عبر تصفح سريع لعناوين الأخبار المتعلقة بهذه اللقاحات- والتي قد يبدأ البعض بالحصول عليها في غضون أسابيع- قد نفهم أنها توفّر الوقاية من المرض لما لا يقل عن 95 شخصًا من كل 100 شخص حصلوا عليه. لكنّ نتائج التجارب على اللقاحات لا تعني ذلك بالضرورة. فأداء اللقاح في العالم الحقيقي، خارج ظروف التجربة، سيعتمد على عدد كبير من العوامل والمتغيرات التي لا نملك حتى الآن المقدرة على التحكم فيها، ومنها مثلًا قدرتنا على التأكد من أن الأشخاص الذين يحصلون على اللقاح قد يصابون بالعدوى ولكن دون أن تظهر عليهم أية أعراض، إضافة إلى تقدير عدد الناس الذين سيحصلون على اللقاح في نهاية المطاف.  


تستخدم الشركات لغة محيّرة في وصف نتائج اختباراتها على اللقاحات التي تطوّرها (Getty)

 

ما الذي تعنيه الشركات حين تعلن أن اللقاح فعال بنسبة 95%؟

المنطق الأساسي المعتمد في نتائج التجارب على اللقاحات اليوم تعود إلى جهود خبراء في علوم الإحصاء منذ أكثر من قرن من الزمن. فالباحثون يجربون اللقاح على مجموعة من الناس، بينما تحصل مجموعة أخرى على "لقاح وهمي" (Placebo)، ثم ينتظرون أن تظهر أعراض المرض على المشاركين، ويحددون نسبة من أصيبوا بالمرض من كلتا المجموعتين.

وفي حالة لقاح فايزر، استعانت الشركة بعدد من المتطوعين في التجارب بلغ 43،661 شخصًا، وانتظر الباحثون أن يصاب 170 شخصًا بأعراض كوفيد-19 وفحصهم للتأكد من إصابتهم بعدوى الفيروس والتأكد من كون نتيجة الفحص موجبة. من بين هؤلاء المتطوعين البالغ عددهم 170 شخصًا، كان 162 منهم قد تلقوا حقنة وهمية، أما البقية (8 أشخاص)، فكانوا قد حصلوا على جرعة اللقاح الحقيقية.

وبناء على هذه الأرقام، فإن الباحثين في شركة فايزر قد حسبوا نسبة المتطوعين في كل واحدة من المجموعات التي ظهرت عليهم أعراض المرض. وقد كانت نسبة المتطوعين الذين لم يحصلوا على اللقاح الفعلي وأصيبوا بالمرض أكبر بكثير من نسبة من أصيبوا بالمرض بعد الحصول على اللقاح. ثم عمد العلماء إلى محاولة تحديد الفرق النسبي بين المجموعتين، حيث يعبرون عن هذا الفرق بقيمة تعبّر عمّا يصطلحون عليه بكلمة "Efficacy" (نجاعة سريريّة). فإن لم يكن ثمة فرق بين المجموعة التي حصلت على اللقاح وتلك التي حصلت على اللقاح الوهمي، فإن نجاعة اللقاح تكون صفرًا، أما في حال لم يصب أي شخص من المجموعة الملقّحة، فإن نجاعة اللقاح تكون 100%.

ولا شكّ أن تحقيق نجاعة تبلغ 95% للقاح ما يعدّ دليلًا قويًا على أن اللقاح واعد ويحقق النتيجة المطلوبة، إلا أن هذه النسبة لا تعبّر عن النسبة الدقيقة لاحتمال تعرّض الناس للمرض في حال الحصول على اللقاح. كما أنّ هذه النسب المعلن عنها لا تخبرنا مثلًا عن مدى قدرة اللقاح الفعليّة على احتواء تفشي الجائحة في بلد مثل الولايات المتحدة الأمريكية، التي تعدّ حاليًا الدولة الأكثر تضررًا على مستوى الإصابات وعدد الوفيات من كوفيد-19.

ما الفرق بين النجاعة السريرية والفعالية؟

يفرق خبراء اللقاحات هنا بين كلمتين مرتبطتين فيما بينهما في هذا السياق، وهي كلمة "Efficacy" (نجاعة سريريّة)، وكلمة "Effectiveness" (فعّالية)، ويؤكدون على ضرورة التفريق بينهما. يخبرنا ناؤور بار زئيف، وهو عالم مختص بالوبائيات في جامعة جونز هوبكنز الأمريكية، أن النجاعة تقيس أداء اللقاح في ضمن ظروف التجارب الخاصة به قبل إنتاجه، أما الفعالية فتقيس أداء اللقاح في العالم الحقيقي.

ومن المحتمل أن تكون نسب فعالية اللقاح مماثلة لنسب نجاعته في التجارب السريرية، إلا أن تاريخ اللقاحات السابقة يخبرنا أن الأمر لم يكن كذلك على الدوام.

والسبب في ذلك هو أن الأشخاص الذين يتطوعون للمشاركة في تجارب اللقاحات ليسوا سوى عينة قد لا تعبر بشكل مثالي عن المجتمع أو المجتمعات التي سيحصل أفرادها على اللقاح. ففي العالم الحقيقي مثلًا ثمة العديد من الأشخاص الذين قد يعانون من نطاق واسع من الاعتلالات الصحية المزمنة التي قد تؤثر على فعالية اللقاح.

ما الذي تعدنا به هذه اللقاحات بالضبط؟

لقد صُمّمت الاختبارات السريرية التي أجرتها فايزر وسواها من الشركات بشكل مخصوص لفحص قدرة اللقاح على وقاية الناس من الإصابة بمرض كوفيد-19. إذ كانت تتم مراقبة المتطوعين، وفي حال ظهور أعراض كارتفاع الحرارة أو السعال، فكانوا يخضعون لفحص لتحديد ما إذا كانوا مصابين حاملين لفيروس كورونا الجديد.

لا شكّ أن تحقيق نجاعة تبلغ 95% للقاح ما يعدّ دليلًا قويًا على أن اللقاح واعد ويحقق النتيجة المطلوبة، إلا أن هذه النسبة لا تعبّر عن النسبة الدقيقة لاحتمال تعرّض الناس للمرض في حال الحصول على اللقاح.

لكن ثمة العديد من الأدلة التي تؤكد أن البشر يمكن أن يصابوا بعدوى فيروس كورونا الجديد دون أن تظهر عليهم أية أعراض، ولذا فإنه لا يستبعد أن عددًا من المتطوعين الذين حصلوا على اللقاح في التجارب السريرية قد تعرضوا للعدوى هم أيضًا، دون أن يكتشف أحد ذلك. ولو افترضنا وجود حالات كهذه بالفعل، فإن نسبتهم ليست مشمولة في نسبة النجاعة التي أعلنت عنها الشركات، والتي وصلت في حالتي فايزر وموديرنا إلى 95%.

 

ومن المعروف أن الحاملين "الصامتين" للفيروس، أي أولئك الذين أصيبوا بالعدوى دون أن تظهر عليهم أية أعراض، يستطيعون نقل العدوى لغيرهم، علمًا أن بعض الدراسات تشير إلى أنهم يحملون عددًا أقل من الفيروسات الممرضة، ما قد يجعل تهديدهم على صحّة الآخرين أقل مقارنة بالأشخاص الذين يصابون بالعدوى وتظهر عليهم أعراض المرض. لكن الإشكال يتمثل في أن الأشخاص الذين سيحصلون على اللقاح سيعمدون إلى التخلي عن استخدام الكمامات واتباع الإجراءات الوقائية اللازمة، ما يزيد من فرص نشر العدوى في المجتمع في حالوا كانوا حاملين صامتين للفيروس، ما يجعلنا أمام حالة عجيبة، يؤدي بها اللقاح الموعود، إلى مزيد من انتشار المرض، بحسب تعبير الدكتور بار زئيف من جامعة جونز هوبكنز.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

لقاح جامعة أكسفورد يظهر فعالية مناعيّة عالية حتّى لدى كبار السنّ

ما الذي يعنيه نجاح لقاح "موديرنا" الأمريكي للدول الأكثر فقرًا؟