لقاء سوري إسرائيلي في باريس.. الجنوب أولى خطوات التفاهم
25 يوليو 2025
في تطوّر دبلوماسي غير مسبوق منذ أكثر من 25 عامًا، عقد وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، اجتماعًا مباشرًا مع وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي، رون ديرمر، في العاصمة الفرنسية باريس، بوساطة من المبعوث الأميركي إلى سوريا، توماس باراك.
ونقلت وكالة "فرانس برس" عن مصادر دبلوماسية أن باراك هو من مهّد لهذا اللقاء الذي استمر نحو أربع ساعات، وتركز على الوضع الأمني في جنوب سوريا، ولا سيما محافظة السويداء التي شهدت خلال أسبوع واحد اشتباكات دامية أوقعت أكثر من 1200 قتيل.
وكتب باراك في حسابة على منصة "إكس": "اجتمعت هذا المساء مع مسؤولين سوريين وإسرائيليين في باريس. كان الهدف هو الحوار وخفض التصعيد، وقد أنجزنا ذلك بدقة. جميع الأطراف جدّدت التزامها بمواصلة هذه الجهود".
عقد وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، اجتماعًا مباشرًا مع وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي، رون ديرمر، في العاصمة الفرنسية باريس، بوساطة من المبعوث الأميركي إلى سوريا، توماس باراك
من جهته، كشف موقع "أكسيوس" أن لقاء باريس تناول تفاهمات أمنية لتثبيت وقف إطلاق النار في جنوب سوريا ومنع التصعيد، خصوصًا بعد سلسلة من الغارات الإسرائيلية المكثفة على دمشق.
وأفادت مصادر مطلعة لموقع "أكسيوس" بأن انضمام وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي، رون ديرمر، المقرّب من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، جاء في إطار إدارة ملف الحوافز الأميركية المقدّمة لسوريا، ضمن مسعى لدفع دمشق نحو اتخاذ خطوات تطبيعية لاحقة.
أشارت "أكسيوس" إلى أن آخر لقاء جمع مسؤولين سوريين وإسرائيليين على هذا المستوى يعود إلى عام 2000، حين استضاف الرئيس الأميركي بيل كلينتون كلا من رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إيهود باراك ووزير الخارجية السوري السابق فاروق الشرع، في بلدة شيبردستاون بولاية فيرجينيا الغربية، ضمن مسعى أميركي للتوصل إلى اتفاق سلام شامل بين سوريا وإسرائيل.
ما وراء الاجتماع: مسار سرّي طويل
الاجتماع في باريس لم يكن حدثًا مفاجئًا، بل جاء تتويجًا لسلسلة لقاءات سرّية بدأت منذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024. وكانت العاصمة الأذربيجانية باكو قد استضافت في 12 تموز/يوليو الجاري لقاءً غير معلن على هامش زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع، شارك فيه ممثلون عن الطرفين.
جغرافيا متفجرة: السويداء في قلب الاشتباك
برزت محافظة السويداء، ذات الغالبية الدرزية، في الأشهر الأخيرة كساحة محورية لنشاط استخباراتي إسرائيلي متزايد، تزامنًا مع تصاعد الاشتباكات بين فصائل محلية ومقاتلين من العشائر، ما فتح الباب لتدخلات خارجية مباشرة وغير مباشرة، لا سيما من قبل إسرائيل.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "يسرائيل هيوم"، فإن مسؤولًا أمنيًا إسرائيليًا رفيعًا يشارك فعليًا في مفاوضات تهدف إلى ترتيب صفقة تبادل أسرى بين فصائل محلية في السويداء ومقاتلي العشائر، وذلك بوساطة أميركية غير معلنة.
ووفقًا للصحيفة، فإن هذا المسؤول بات على تواصل مباشر مع شخصيات درزية بارزة داخل المحافظة، في خطوة تشير إلى تحول استراتيجي في نمط تعامل إسرائيل مع الجنوب السوري، من العمل الاستخباراتي إلى الانخراط الدبلوماسي والأمني المباشر.
وتسعى إسرائيل، بحسب تقديرات أمنية، إلى ترسيخ سيطرتها على منطقة عازلة داخل الأراضي السورية، تقول إنها احتلتها مؤخرًا في إطار "عمليات وقائية" تهدف إلى منع تموضع جماعات مسلحة موالية لإيران أو لحزب الله قرب الشريط الحدودي مع الجولان المحتل.
وتخشى تل أبيب من أن تتحول هذه المناطق إلى قاعدة انطلاق لهجمات قد تستهدف مستوطنات إسرائيلية قريبة من خط وقف إطلاق النار، خاصة في ظل التوتر الإقليمي المرتفع واستمرار الحرب في غزة.
في المقابل، يرى مراقبون أن التدخل الإسرائيلي في السويداء يتجاوز الاعتبارات الأمنية المباشرة، ليأخذ أبعادًا طائفية وسياسية. إذ تعمل إسرائيل، بحسب محللين، على استثمار التوترات بين مكونات الجنوب السوري، خاصة بين الدروز والبدو، لتكريس واقع تقسيمي يساعدها في تثبيت منطقة نفوذ حدودية مستقرة.
وقد سبق لمسؤولين إسرائيليين أن أعربوا عن "تعاطفهم" مع المجتمع الدرزي في سوريا، خاصة في ظل العلاقة التاريخية التي تربط المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بالطائفة الدرزية داخل إسرائيل.
يرى مراقبون أن التدخل الإسرائيلي في السويداء يحمل أبعادًا طائفية وسياسية، إذ تستغل تل أبيب التوترات بين مكونات الجنوب السوري لتكريس واقع تقسيمي يخدم مصالحها
مشاريع متداخلة
المشهد السوري يتحرك تحت سقف استراتيجية أميركية تُعرف بـ"الفوضى المنضبطة، ، وهي مقاربة تقوم على تحقيق التوازن بين عدة أهداف: دعم جزئي لقوات سوريا الديمقراطية "قسد" لضمان النفوذ في شمال شرق سوريا، وتوفير غطاء لإسرائيل لمواصلة ضرباتها الجوية ضد البنية التحتية العسكرية السورية، مع الحفاظ على النظام السوري كطرف ضعيف وغير قادر على بسط سيادته الكاملة، دون السعي إلى إسقاطه أو تغييره بشكل جذري.
إلى جانب ذلك، تعيد إسرائيل تفعيل ما يُعرف بـ "خطة ينون"، الهادفة إلى تقسيم سوريا إلى كيانات طائفية وعرقية، لضمان أمنها الاستراتيجي ومنع استعادة سوريا لدورها كقوة إقليمية موحّدة.
أما تركيا، فقد حذرت على لسان وزير خارجيتها، هاكان فيدان، من أي محاولة لتقسيم سوريا، مهددة بـ"تدخّل مباشر" لمنع قيام كيان انفصالي في البلاد.
غياب عربي وصمت إقليمي
مع تزايد التحركات الدولية، تبدو العواصم العربية الكبرى غائبة عن المشهد السوري، وسط شعور متنامٍ لدى السوريين بأن خريطة بلادهم تُرسم في عواصم أخرى لا في دمشق.
وبينما تتقاطع الأجندات الدولية على الأرض السورية، تبرز مفارقة مؤلمة: إما سلام مفروض من الخارج، أو تقسيم واقع يؤسس على الطوائف والخسارات.