لقاء القدس: تحجيم لإيران أم عقد صفقة معها؟

لقاء القدس: تحجيم لإيران أم عقد صفقة معها؟

هناك تقارير عن تحالف إسرائيلي أمريكي روسي (Getty)

يُبشّر محللون عسكريون وسياسيون إسرائيليون، بولادةِ حلف ثلاثي روسي-أمريكي-إسرائيلي، لحماية إسرائيل واستمرار وجودها وتفوّقها، ستتمُ صياغته في لقاء القدس القادم، المنوي عقده هذا الشهر، وقد عبّر عن ذلك المُستشرِق الإسرائيليّ د. تسفي بارئيل، في صحيفة هآرتس العبريّة، حيث كتبَ يقول إنّ الهدفَ من عقد الاجتماع المرتقب، أنّه ولأوّل مرّة سيتشكّل ما أسماه بــ"الحلف المُقدّس الثلاثيّ"، ضدّ إيران وتواجدها العسكريّ في سوريا، بدعوةٍ من النظام الحاكم في دمشق.

يُبشّر محللون عسكريون وسياسيون إسرائيليون، بولادةِ حلف ثلاثي روسي-أمريكي-إسرائيلي، لحماية إسرائيل واستمرار وجودها وتفوّقها، ستتمُ صياغته في لقاء القدس القادم، المنوي عقده هذا الشهر

هذه الأقوال خطيرة في فحواها، خطيرة لا لعلاقتها بإيران فقط، بل بأي عدو لإسرائيل؛ عربيًا كان أم فلسطينيًا، فالمسألة لا تتعلق بالوجود الإيراني، بل بالوجود اليهودي واستمراره في وضعِ الاحتلال ونظام الأبرتهايد في فلسطين المحتلة، وإذا كان هذا الوجود يحظى بدعمٍ وحماية دول الغرب الأوروبي وأمريكا سابقًا، إلا أنّه باتَ حاليًا محميًا من القوتين العظمتين؛ الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية، وفي ذلك عودة لسنوات ما قبل عام 1967، وهي السنة الّتي تحوّل فيها الاتحاد السوفيتي، الذي ورثته روسيا الاتحادية، من حليف للصهيونية إلى عدو لها.

أقرأ/ي أيضًا: بعد تعزيز واشنطن ترسانتها العسكرية.. هل ينتظر الشرق الأوسط حربًا شاملة؟

قد يبدو غريبًا ما يتحدّث عنه بارئيل في هذا التحليل، وهو أن تتفقَ القوتان العظمتان مع دولة الاحتلال على محاربة إيران في سوريا، حيث يصفُ أقواله بأنّها مبنية على معلومات نقلها عن جهات رسمية في القيادة الإسرائيلية، لذلك قد تجد مصداقية ما.

قد يكون من المفهوم أنّ الطرفين؛ الأمريكي والإسرائيلي، هما في حلفٍ رسمي معلن، ويُناصبان إيران العداء بالنظر إلى سلوكها المعادي للمصالح الأمريكية في المنطقة، ومن ضمنها إسرائيل. وهي حالة عداء ظاهرة وليست مستترة، فتلك استراتيجية إيرانية ما فتئت تُطبّقها الجمهورية الإسلامية، منذ انتصار ثورتها عام 1979 رافعة شعار "الموت لأمريكا والموت لإسرائيل"، ومع أن تلك الاستراتيجية، تخطّت في مراحلٍ عدّة الشعارات إلى دائرة الفعل، بنقلِ السلاح وتدريب عناصر المقاومة في لبنان وفلسطين، إلّا أنّ الكثيرين يعتبرون ذلكَ، ليس أكثر من أوراق مساومة في إطار النفوذ لا حقيقة وجوهر.

هناك شك في التحليل الذي يورده تسفي بارئيل، وربما القصد منه زرع بذور الشك بين إيران وحليفتها روسيا، فمن غير المنطقي أن تدخل روسيا ضمن هذا الحلف الثلاثي المعادي لإيران، حيث إن روسيا تمتلك علاقات واسعة مع إيران، تصل إلى درجة التحالف في بعض الملفات، خصوصًا في سوريا، لكن يعترضُ قولنا بعض التقارير، الّتي تُرجّح وجود خلافات روسية إيرانية في سورية تحديدًا. وعليه، فلهذا القول ما يؤيده ولو جزئيًا، فإذا لم يصدق كليًا فإنه يحملُ في أبعاده مضمونًا آخر، وهو تقاسم وظيفي بين الأطراف الثلاثة في منطقة الشرق الأوسط، والذي يأتي في أسوأ وضع تعيشه المنطقة العربية منذ الاستقلال، حيث أدّى فشل موجة "الربيع العربي" إثر اعتلائها من قبل الجماعات الإسلاموية المتطرفة، وتحوّل صراع الحكم إلى أزمة دولية وإقليمية مُعقدة، والّتي يُظن أنها صُنعت أمريكيًا؛ لتمنع أي تغيير ديمقراطي ينهضُ بالأمة، وقادت إلى تدمير البنى والأنسجة الاجتماعية للدول.

 نتائج التدخل الإقليمي والدولي وخيمة على المنطقة برمّتها، فقد تمّت إعادة إنتاج الأنظمة القديمة بشكل أكثر قمعية في بعض دول الربيع العربي، وفوضى عارمة وتعدد السلطات في بعضها الآخر، وقضتْ تلك الموجة على آخر شكل من أشكال منظومة الأمن القومي العربي، ولو بحدها الأدنى، وفقد العالم العربي برمته وزنه وقيمته الدولية، وأصبح ساحة لتقاسم المصالح.

من هنا، لا نستبعد مبدئيًا حصول هذا التحالف، خصوصًا بعد مطالعتنا لأقوال نائب السفير الروسي في تل أبيب ليونيد فرولوف، في مقابلة نشرها موقع "تايمز أوف إسرائيل" البريطاني، في 15 شباط/فبراير 2018، حيث صرّح: "في حال مهاجمة إيران لإسرائيل، فإن موسكو سوف تقف إلى جانب الدولة اليهودية"، وأضاف: "في حال الاعتداء على إسرائيل، لن تقف الولايات المتحدة وحدها إلى جانب إسرائيل، بل روسيا أيضًا ستكون إلى جانب إسرائيل.. العديد من مواطنينا يسكنون في إسرائيل، وإسرائيل عامة هي دولة صديقة، ولهذا لن نسمح بأي اعتداء ضدها".

كلام المسؤول الروسي واضح وصريح بالانحياز لإسرائيل في أي مواجهة قادمة مع إيران، رغم الإشارة إلى عبارة "إذا اعتدت إيران" أي أنّ المساندة الروسية مشروطة، لكن جوهرها الحفاظ على أمن إسرائيل بغير شروط، مبررًا ذلك بأن فيها مواطنين إسرائيليين من أصل روسي، وعليه الأمل الإسرائيلي بتكوين الحلف الثلاثي، ربما لا يأتي من فراغ، بل له ما يبرره، لكن وسائل الإعلام الأمريكية الّتي ذكرت الخبر، لم تذكر شيئًا حول الحلف الثلاثي، بل أوضحت أن اللقاء سيدرس مسائل مثل إيران وسوريا والقضية الفلسطينية. هذه الملفات الثلاثة متشابكة، وهي الملفات الأسخن في المنطقة، والذي يجعل في الأمر مدعاة للشك، هو عدم دعوة أي طرف عربي أو إقليمي، كمصر أو السعودية للاجتماع، فتقرير مصير المنطقة ومناقشة ملفاتها دون وجود العرب، يطرحُ علامات استفهام كبيرة عن حقيقة هذا اللقاء.

وحسب مصادر صحيفة الشرق الأوسط السعودية -لم تذكرها- فإن واشنطن ستقترح "خريطة طريق"، تهدفُ من خلالها إلى حثّ روسيا على اتخاذ "إجراءات ملموسة"، تتعلقُ بضبط دور إيران والعملية السياسية في سوريا، مثل تشكيل اللجنة الدستورية وتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2254، المُتعلق بوقف إطلاق النار والتوصل إلى تسوية سياسية. وإن إسرائيل والولايات المتحدة تنويان الاقتراح على روسيا، أثناء اللقاء، الاعتراف بشرعية رئيس النظام السوري بشار الأسد ورفع العقوبات عن السلطات هناك، مقابل موافقة موسكو على ردع انتشار التأثير الإيراني في هذا البلد، كما ستُقلّص واشنطن بموجب هذه الصفقة العقوبات المفروضة على روسيا.

هذا ما يُشاع من أطراف معادية لإيران، وربما ما تناقلته من أخبار ليس إلّا مجرد أمان، فالمتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، علّق على تلك التقارير والتحليلات، داعيًا إلى التأني إزاء الأنباء المزيفة المختلفة التي تنتشر في وسائل الإعلام. كما أن نائب رئيس البعثة الدبلوماسية الأمريكية في روسيا أنتوني غودفري، قال أثناء مؤتمر في مدينة فلوغدا: "إن إسرائيل والولايات المتحدة قلقتان جدًا إزاء دور إيران في المنطقة، وإنهما لا تخفيان ذلك في اتصالاتهما مع شركائهما الروس"، وتابع غودفري: "سمعنا مرارًا أنّ روسيا ترى جوانب من سياسة إيران في المنطقة، لا تتماشى مع الأهداف الروسية، أملي أن نجد طريقًا أنجعَ بعد هذا اللقاء، لوضعِ رؤية مشتركة تُمكننا العمل معًا، للتخلص من مصدر الاضطرابات الأساسي في الشرق الأوسط، وهو جمهورية إيران الإسلامية".

من الواضح إذًا، أنّ التقارير الإسرائيلية تستبقُ الأحداث، وتُعبّر عن أمل أمريكي إسرائيلي بتخلّي روسيا عن إيران، وإزاحتها من المشهد السوري، وتحجيم دورها وحلفائها في المنطقة، لكن ذلك يبقى أملًا، وربما لن يتحوّل إلى واقع، رغم وجود خلافات روسية إيرانية لا تُنكر في الملف السوري، لكنها لم تصل إلى درجة العداء، وما زالت روسيا بحاجة إيران، ولولا التدخّل الإيراني وحلفائه المُبكر في الأحداث السورية، ما كان للنظام السوري أن يصمُد، حتى الدخول الروسي المتأخر.

اقرأ/ي أيضًا: أمريكا أولًا.. ما أهم ملامح إستراتيجية الأمن القومي الجديدة لإدارة ترامب؟

ما هو متوقع، أن تحدث صفقة برعاية روسية، يتمُ بموجبها خروج القوات الإيرانية وحلفائها من سوريا، وبقاء مستشارين لها هناك، مقابل إنهاء الوضع في لمصلحة النظام، ومنحه شرعية أمريكية، وعودة للاتفاق النووي الأمريكي الإيراني، مع تعديلات قد لا تكون جوهرية عليه، ورفع العقوبات عن إيران، مع تعهّد إيراني بعدم تعطيل الجهود الأمريكية فيما يخص "صفقة القرن"، بما تحملهُ من حلٍ ظالم للقضية الفلسطينية، وكذلك أن تقنع حليفها حزب الله بعدم تعطيل موضوع ترسيم الحدود البحرية والبرية مع لبنان، وكذلك قبول روسيا بدور الضاغط على الفلسطينيين؛ لقبول الحلول الأمريكية المطروحة لقضيتهم، مقابل رفع العقوبات الأمريكية عن روسيا، والتغاضي عن ضمّها لشبه جزيرة القرم.

ما هو متوقع، أن تحدث صفقة برعاية روسية، يتمُ بموجبها خروج القوات الإيرانية وحلفائها من سوريا، مقابل إنهاء الوضع لمصلحة النظام، ومنحه شرعية أمريكية، وعودة للاتفاق النووي الأمريكي الإيراني، مع تعديلات

لا يُمكن أن يمرَّ اللقاء دون صفقات، روسيا لن تُضحّي بحلفائها دون ثمن، وستبقى محافظة على القانون الدولي ما استطاعت، دون الحصول على ثمن باهظ من قبل الولايات المتحدة في ملفات عدةٍ تخصها.