لاجئ سوري في سهل البقاع في لبنان (Getty)

كما لو أنهم من كوكب آخر، ومن عوالم أخرى احتلت أفواه وبطون شعوب الجوار العربي، ومنعت عنهم مقادير رزقهم وهواءهم العليل، وأحالت شبان ذلك الجوار إلى عاطلين عن العمل، والجراد السوري الهارب من المحرقة يلتهم كل ما يمكن من نعميم  تلك البلدان الآمنة.

يرى لبنان في اللاجئين السوريين حواضن إرهابية تقلق هناءة استقراره

كأن هذه الشعوب كانت تعيش في بحبوحة ورغد حتى وصل هؤلاء الأوغاد من خارج الحدود ليحيلوا الحياة إلى سقم وبؤس، وأن هذه الدول الهانئة كانت تعوم على بحر سعادة جفّ بسبب عطش اللاجئين إلى التنفس وسط أجواء الديمقراطية والمدنيّة، التي يفتقدها الهمج القادمون من وراء الحدود.

اقرأ/ي أيضًا: إرهاب الأوبئة

في لبنان الشقيق "اللزم" الذي طالما اعتاش على خيرات مدن الحدود السورية، ويذهب مواطنوه أينما شاؤوا ومتى شاؤوا في الأراضي السورية من جهاتها الأربع... لبنان العنصري الصغير الذي يلتذ كثيرٌ من أبنائه بالتشفي بالسوريين وإهانتهم، واعتبارهم لعنة حلت بالوطن الصغير الطائفي الذي صدّر فلسفة القتل على الهوية طوال عقود الاقتتال الأهلي.

لبنان الذي لا يحتمل ماديًا (وهذا محق) عبء الملايين التي اندفعت هاربة من الموت إلى حدوده، لبنان الذي يرى في هؤلاء حواضن إرهابية تقلق هناءة استقراره... هذا اللبنان لا يعيش السوري فيه متسولًا بل عاملًا قبل وبعد المحرقة عندما كان أبناؤه يرفلون بنعيم الدولار، والفن السابع والثامن، وتجارة الحشيش والسلاح.

في المخيمات المجاورة للحدود السورية اللبنانية، وفي القرى التي طالما كانت معابر تهريب بين البلدين يعيش السوريون بأموال عرقهم بخرائب لا تسكنها البهائم مقابل مئات الدولارات هذا عدا عن عدم تسديد أجور الكثيرين من العاملين كليًا أو جزئيًا، واستغلالهم، وفي الشوارع توزع اللافتات التي تمنع تجوال السوريين مساء، وأما في بيروت فحدث ولا حرج عن كومة الإهانات خصوصًا تلك التي تنفخها وسائل الاعلام العنصرية عن بيوت الدعارة والمجرمين السوريين الذين يديرونها ويؤسسون عصابات السرقة والقتل.

الأردن الذي يشبه درعا في مأكلها ومشربها وغنائها يرى أحد محاميه في آخر ما حرر عن عنصرية عربية أن العراضات الشامية تحتل عمان وتغير ملامحها التاريخية، في حين يجول السواح الإسرائيليون في شوارعها، ويرفرف علمهم وسط المدينة دون أن يلوث سماءها.

ثمة من يرى العراضات الشامية تحتل عمان دون أن يبالي بتجوال الإسرائيليين في شوارعها!

في عمان تعنون صحيفة أردنية "بلدية... تقتل آلاف الكلاب السورية الشاردة"، وتحلل بأن هذه الكلاب دخلت بسبب الحرب الدائرة في سورية عبر الحدود.. فأي لغة عربية تلك التي تصف الكلاب بالسورية؟ وأي إعلام يهين جيرانًا لا إخوة كانوا قبل سنوات قليلة معبر الماء والطعام لبلد بلا مقدرات وإمكانيات كالأردن.

اقرأ/ي أيضًا: الرقة.. عزف منفرد للموتى والهاربين

لعنة السوري تمتد إلى كل البلدان الشقيقة تلك التي لم تستقبل سوريًا واحدًا، وفرضت تأشيرات دخول على العائلات التي لم تجد مفرًا من الموت إلا إليه في البحر أو في بلدان اللجوء باستثناء السودان الفقير بشعبه الطيب، ولعنة السوري لم تأخذ بعد شكلها الفجائعي الذي بدأت تتضح صورته خرائط موت قادمة لمن ظنوه لعنة منفردة. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

العفو الرئاسي في مصر... فرح ناقص

حراك الريف المغربي وأزمة العقل السياسي المخزني