"لخاطر آدم": عن الصواب في انتزاع طفل من أمّه
31 أغسطس 2026
من جو خانق كتيم، وجغرافيا مغلقة الحدود كما لو أنها تمثل كونًا بحاله من المعاناة والألم، من عائلات محطمة، وأجساد أكثر هشاشة وتعرّضًا للمخاطر، لا الجسدية فقط بل الاجتماعية والنفسية، هناك في مستشفى مليء بمرضى كثر وكادر طبي محدود، يأتينا ويغادرنا فيلم "لخاطر آدم" (L'intérêt d'Adam).
ثمانٍ وسبعون دقيقة لا تغادر فيها الكاميرا هذا المبنى ولو مرة واحدة. لا نوافذ تُفتح على العالم الخارجي، ولا استراحات تسمح بالتقاط الأنفاس. كأن المستشفى جزيرة معزولة عن الزمن، أو نسخة مصغّرة من مجتمع كامل انغلقت حدوده على نفسه. داخل هذا الفضاء المكتظ بالألم والانتظار، تتحرك الممرضة لوسي بين الغرف والممرات والسلالم في مناوبة واحدة تكاد تستغرق زمن الفيلم نفسه، فيما يلاحقها فريديريك نوارهوم بكاميرا محمولة تلتصق بجسدها حتى تكاد تتعثر معها.
كل شيء هنا مضغوط إلى أقصى حدوده: الأسرّة، الأجساد، الأصوات، والوقت. الوجوه التي تمرّ في الخلفية لا تنال فرصة الاستقرار في العين، تظهر ثم تتوارى داخل تشويش دائم، وكأن الفيلم يتعمّد سلب المرضى فرديتهم ليحوّلهم إلى جزء من كتلة بشرية مثقلة بالوهن. أما الشريط الصوتي، فلا يمنح المشاهد لحظة هدوء؛ صفارات، عجلات أسرّة، أبواب تُفتح وتُغلق، بكاء أطفال، واستدعاءات متلاحقة للكادر الطبي المحدود. ليس المقصود أن نفهم الإرهاق، بل أن نختبره جسديًا. هذا بالضبط ما سعت إليه المخرجة لورا فاندل: أن تجعل المشاهد يمشي مع لوسي، يلهث معها، ويشعر بثقل هذا العالم المغلق وهو يطبق تدريجيًا على صدره.
لا يتحدث "لخاطر آدم" عن إساءة معاملة الأطفال بقدر ما يتحدث عن السلطة. ليس سلطة القانون وحده، بل سلطة تعريف مصلحة الطفل نفسها
داخل هذا الكون الضيق تتجاور مصائر كثيرة لا نكاد نعرف عنها شيئًا، لكنها تملأ المكان بظلالها. عائلات تتصدع بصمت، أطفال يدفعون أثمانًا لا يملكون تفسيرها، وآباء وأمهات يجدون أنفسهم فجأة في مواجهة سلطات أكبر منهم. المستشفى، بالرغم من كونها مؤسسة للعلاج، لكن معناها يتفتح على مفاهيم عدة، كما لو أنها نقطة تقاطع لهشاشات متراكمة: هشاشة الجسد المريض، وهشاشة الروابط العائلية، وهشاشة الفئات الاجتماعية التي لا تملك سوى هذا المكان العام ملاذًا أخيرًا لصحة أولادها.
الحكاية، في ظاهرها، بسيطة. آدم طفل في الرابعة من عمره أُدخل إلى قسم الأطفال بقرار قضائي بعد أن وصل سوء تغذيته إلى مرحلة خطيرة. العلاقة بينه وبين أمه ربيكا اعتُبرت علاقة التحامية تضرّ بالطفل أكثر مما تحميه، فحُدّدت ساعات زيارتها ومُنعت من البقاء إلى جواره. لكن لوسي، رئيسة التمريض، تتجاوز القرار وتسمح للأم بالبقاء بعد انتهاء المدة المسموح بها. من هذه المخالفة الصغيرة يتولد كل شيء.
عن ماهية الخير والشر وسؤال الأسرة والمؤسسة
في جوهره، لا يتحدث "لخاطر آدم" عن إساءة معاملة الأطفال بقدر ما يتحدث عن السلطة. ليس سلطة القانون وحده، بل سلطة تعريف مصلحة الطفل نفسها. فالجميع هنا يتكلم باسم آدم: القاضي الغائب الحاضر بقراراته، مندوبة الخدمات الاجتماعية، الإدارة، الممرضة، والأم. الجميع يزعم أنه يعرف ما يحتاجه الطفل، فيما يبقى الطفل نفسه موضوعًا لتلك القرارات لا شريكًا فيها.
حين يقول آدم لأمه إنه يريدها لكنه لا يريد أن يموت، يعثر الفيلم على مركزه الأخلاقي. فجأة تتهاوى يقينيات الجميع. الأم ليست بريئة لمجرد أنها تحب، والمؤسسة ليست محقة لمجرد أنها تملك القانون.
الأهم أن لورا فاندل ترفض حسم السؤال. فهي تحجب عمدًا السبب الطبي المباشر الذي أوصل آدم إلى هذه الحالة، ولا تمنح المشاهد ما يكفي لإدانة الأم أو تبرئتها.
الفقر وجدرانه الصلدة
مثل كثير من الأفلام الذكية، لا يقدّم "لخاطر آدم" موضوعه الاجتماعي بصورة مباشرة. الفقر حاضر في كل مكان، لكنه نادرًا ما يُذكر. لا نراه في أحياء مهمشة أو بيوت متداعية، بل في غياب الخيارات.
في لحظة تبدو ثانوية، يرفض أب أن تفحص ابنه طبيبة امرأة، فترد لوسي ببرود مهني وتقترح عليه الذهاب إلى عيادة خاصة. أي أن من يستطيع تحمّل تكاليف العيادة الخاصة، يقرر شكل العلاج والمعالج أيضًا.
العنف بلا فاعل
أصعب ما في الفيلم وأفضل ما فيه أنه يخلو ممن يلعب دور الشرير التقليدي. نحن نمشي فوق خطوط الحكاية، بلا طبيب متغطرس، أو مسؤول فاسد، أو حتى موظف عديم الرحمة. هذا ما ترك لنا كمًّا هائلًا من الغمّ، فكلنا معرّض لما حدث. العنف لم يحضر بسبب قرار فردي، بل نتيجة آلية كاملة. إنه عنف البيروقراطية حين تُجبر على إدارة المآسي بالجداول والتعليمات والنماذج. لهذا لا يحتاج الفيلم إلى خصم واضح. يكفي أن يراقب كيف تطحن المنظومة العاملين فيها كما تطحن من يقصدها طلبًا للمساعدة. بينما لوسي نفسها ليست بطلة منقذة. الفيلم أذكى من ذلك. مخالفتها للتعليمات تبدو في البداية موقفًا أخلاقيًا نبيلًا، لكنها تنكشف تدريجيًا شكلًا من أشكال التورط الشخصي أيضًا. ما تدافع عنه ليس حالة سريرية فحسب، بل تصورها الخاص للأمومة. هنا تصبح حدود الواجب المهني أقل وضوحًا مما تبدو عليه.
عالم حداثي وقيم مُستغنى عنها
إذا كان فيلم كريستيان مونجيو "فيورد" يضع المؤسسة في قفص الاتهام من الخارج، فإن "لخاطر آدم" يفعل العكس تمامًا. إنه يدخل إلى أحشائها، ويختار أضعف حلقاتها: ممرضة لا تصنع القرار، لكنها مضطرة إلى تنفيذه.
من هنا ينبع اختلاف النبرة بين الفيلمين. مونجيو ينظر إلى جهاز حماية الطفولة والمحاكم بعين الشك، ويفحص كيف يمكن للسلطة أن تتحول إلى أداة إقصاء ثقافي وديني. أما فاندل فتنظر إلى الأشخاص الذين يعملون داخل تلك السلطة، وتكشف أنهم بدورهم ضحايا لآليات لا يسيطرون عليها بالكامل.
لكن الفيلمين يلتقيان عند النقطة نفسها تقريبًا: العائلة لم تعد المرجع الوحيد للطفل، والمؤسسة التي تحاول الحلول محلها ليست قادرة دائمًا على تقديم البديل الأكثر إنسانية.
مثل كثير من الأفلام الذكية، لا يقدّم "لخاطر آدم" موضوعه الاجتماعي بصورة مباشرة. الفقر حاضر في كل مكان، لكنه نادرًا ما يُذكر. لا نراه في أحياء مهمشة أو بيوت متداعية، بل في غياب الخيارات
لماذا الآن؟
يصعب فصل "لخاطر آدم" عن اللحظة الأوروبية الراهنة. فالقارة تستقبل منذ سنوات أعدادًا متزايدة من العائلات القادمة من خلفيات اجتماعية وثقافية مختلفة، حاملة معها تصوراتها الخاصة عن التربية والغذاء والسلطة والعلاقات الأسرية. حين تدخل هذه العائلات في تماس مع مؤسسات الدولة، لا يحدث الخلاف داخل فضاء نظري أو ثقافي، بل داخل غرف تحقيق ومحاكم ومستشفيات. الفيلم لا يصرّح بشيء من هذا كله، لكنه يترك صداه يتسلل عبر التفاصيل.
نحن الآن في نقاش مفتوح حول واحدة من أكثر الأسئلة إلحاحًا في المجتمعات المعاصرة كلها، لهذا لا ينتهي نقاش "لخاطر آدم" عند حدود قصة أم وطفل وممرضة. إنه يتحدث عن زمن كامل تتوسع فيه سلطة المؤسسات باستمرار، فيما تزداد هشاشة الأفراد الذين يُفترض أنها تحميهم. ربما لهذا السبب يبدو الفيلم، رغم ضيق مكانه وصغر حكايته، أوسع بكثير من جدرانه الأربع. فخلف الممرات المكتظة والوجوه المنهكة، يطل عالم كامل متماسك المنطق والسلطة، يحاول أن يقرر سؤال الأهلية تبعًا لشروط، وحده من يصوغ شكل اللعبة التي تتبعها.