لبيدرو مايرال.. في مديح النقصان

لبيدرو مايرال.. في مديح النقصان

الكاتب الأرجنتيني بيدرو مايرال (1970

لعقود متوالية، اعتاد القارئ العربي على تذوق آداب أمريكا اللاتينية في إطار ضيق لا يتجاوز منطقة "الواقعية السحرية"، حتى بعد أن صارت تلك الكتابة مسار تندر وسخرية من بعض الكتاب اللاتينيين (الروائي والشاعر المُجدِّد روبرتو بولانيو على سبيل المثال)، بتحوّلها على يد مقلِّدين كثر إلى "فولكلور لاتيني" مطعَّم بالكليشهيات الروائية التي تضمن انتشارًا في الدول الأجنبية، من أشباح وحكايات أسلاف وغانيات وانقلابات عسكرية. السرد المضطرد والحكايات المتشعبة كانا كفيلين بجعل أغلب روايات جيل الستينات والسبعينات لروّاد الواقعية السحرية في أمريكا اللاتينية من "ذوات الكعب"، أي تحتوي على عدد صفحات كثير، ولكن بعض الكتاب الشباب اللاحقين نجا من ذلك الإغراء واستطاع إنجاز أعمال روائية لا تنفصل تمامًا عن ميراث الواقعية السحرية وترتبط في الوقت ذاته بجماليات الكتابة الجميلة المفتوحة على التأويل.

اعتاد القارئ العربي على تذوق آداب أمريكا اللاتينية في إطار ضيق لا يتجاوز منطقة "الواقعية السحرية"

183 صفحة هو عدد صفحات رواية "سالباتييرا" (الكرمة، 2016) للكاتب الأرجنتيني بيدرو مايرال (1970) بترجمة رائقة للمترجم المصري الشاب مارك جمال، صفحات مكثّفة ومحمّلة بأفكار هائلة لا تتوقف عن التدفق بامتداد الحكاية الغريبة لرسام أخرس بالنسبة إليه أن يحيا حياته يعني ببساطة أن يرسمها. العنوان الأصلي للرواية "سنة خوان سالباتييرا المفقودة" يمكن أن يقودنا إلى مفتاح حكايتها، فالسنة المفقودة المشار إليها تخص إحدى اللفائف القماشية التي استعان الرسام سالباتييرا بالآلاف منها من أجل أن يرسم لوحة شاسعة يدوِّن فيها كل شيء رآه واختبره في حياته. تبدأ رواية بيدرو مايرال بمقطع يحكي فيه أحد أبناء سالباتييرا عن لوحته الفريدة التي صارت إحدى نسخها بحوزة أحد المتاحف الهولندية، تحتل فيه رواق ضخم ملتو تحت الأرض بطول 30 مترًا، ويجلس أمامها طالبو الراحة متطلعين إلى اللوحة المنسابة كنهر بطيء. "تستغرق يومًا لإكمال دورتها. ما يقرب من أربعة كيلو مترات من الصور تتحرك ببطء من اليمين إلى اليسار"، يقول الابن.

اقرأ/ي أيضًا: باتريك زوسكيند.. قصة مشّاء

بعد وفاة سالباتييرا، كان لا بد لولديه من التعامل مع ذلك العدد الهائل من اللفائف القماشية المليئة برسوماته التي تسجّل كل شيء طيلة 60 عامًا أمضاها بعد زواجه: صور لأبنائه في مراحل حياتهم المختلفة، طفلته التي غرقت في النهر، النهر نفسه، القرية التي عاش فيها، الأشجار، الأضواء، الصيادون، الأنوار، الانقلابات السياسية التي شهدتها الأرجنتين، النساء، عشيقته أوخينيا روكامورا، وتلك الأخرى التي أنجبت منه طفلًا. في البداية، حاول الشقيقان الاهتداء إلى أفضل مكان لعرض ميراث أبيهم المرسوم، فخاطبوا عدة مؤسسات مانحة واستعانوا بمعارفهم، وبعد تلقيهم بعض المكالمات من أشخاص فضوليين وبعض العروض غير المناسبة من صالات محلية؛ تلقيا عرضًا مُرضيًا من مؤسسة هولندية، وحينها قرّر الشقيق الأصغر البحث عن اللفافة المفقودة، لتبدأ من هنا رحلة اكتشاف الأب.

صمت الوالد الأخرس هو سرّ سحر تلك الرواية، فسالباتييرا كان بحاجة إلى رواية ذاته لذاته وحكاية تجربته الحياتية بالطريقة التي يتقنها، كما يقول ابنه ميغيل الذي يروي أغلب صفحات الرواية، لذا كانت لوحته الهائلة التي أودع فيه خيالاته ووقائعه موضوعًا وفيرًا للبحث في حياته الغامضة، التي يشيّدها بيدرو مايرال بخيوط حكائية مدهشة تستولد متاهة لحياة تبدو ككتاب مفتوح، إلا أنها تبقى مخادعة على الدوام. في إحدى الفقرات القليلة التي يظهر فيها صوت سالباتييرا، يشير الابن إلى طريقة والده في الرسم، حيث كان يمكنه البقاء لساعات واقفًا أمام اللوحة دون أن يرسم شيئًا، أو يجلس دافنًا رأسه بين يديه على خلفية من الضوضاء المنبعثة من محطات الإذاعة المحلية، ثم ينهض فجأة ليشرع في رسم بعض الخطوط أو ليتصفح كتبًا تضم صورًا ونقوشًا تتراكم فوقها الأتربة، وأحيانًا كان يفتش عن شيء ما فوق طاولة ضخمة جلبها من مصنغ تبغ كان يجمع فوقها أشياء متنافرة، ثم يمسك بأحدها ويدرسه عن كثب ليرسمه في مكان ما على القماش. استراتيجية تبدو عشوائية وغير مجدية، ولكنها أوصلت سالباتييرا إلى اعتماد طريقة فريدة في الرسم، تتصل فيها المشاهد المرسومة ببعضها البعض وتستمر في كتلة واحدة سيّالة ومتدفقة، كون قائم بذاته لا تؤطره حدود اللوحة.

صفحات رواية "سالباتييرا" مكثّفة ومحمّلة بأفكار هائلة لا تتوقف عن التدفق

عن ذلك التكنيك والإنجاز، يقول الابن: دائمًا ما عجبت لكيفية ظهور الأشياء في العمل واختفائها. كان القماش بمثابة هواء طلق ممتد حيث يمكن للكائنات الرحيل ثم معاودة الظهور". أمر مشابه يقوم به بيدرو مايرال في كتابة روايته، عبر اعتماده لعبة الوعد والتأجيل مع القارئ، وتوسيع دائرة الرواية وأسئلتها بتوالي السرد الذي يكشف عن آراء الرسام/الكاتب في الفن ووظائفه. فالقماش الذي رسم عليه سالباتييرا تصاويره يصعب وصفه بـ "اللوحة"، لما توحي به الكلمة من تأطير ومحدودية، وهو الشيء الذي سعى سالباتييرا لتجنبه، حين أراد اختراق الحدود في عمله وإعطاء الانطباع بأنه بمجرد إدراج مخلوق ما في اللوحة، يصبح قادرًا على عبور المساحة المرسومة والمضي قدمًا خلال القماش ومعاودة الظهور. الرسام لا يتوقف، ويتعوّذ من شرّ الجمود، وبدوره لا يتوقف القماش عن بذل نفسه مفرودًا أمام ريشة الرسام: "بالنسبة إليه لم يكن القماش يتوقف، وكأنه ينطوي من تلقاء نفسه أبدًا، في اتجاه اليسار، على نحو لم يكن يستطيع تجنبه. لم يكن يسمح بالعودة إلى الوراء. في حال رسم شيئًا ولم يعجب به، كان يعاود رسمه لاحقًا بشيء من التنويع، ولا يصوِّب ما رسم بالفعل. فالمرسوم كالماضي، لا يتبدل". هي مسألة استمرارية إذًا، مثلما يحدث في الحياة، حواف متوالدة ومساحات ممتدة، وكل مخلوق تحت رحمة باقي المخوقات، واقع في شَرَك الطبيعة، وأطراف اللوحة لا تنتهي.

اقرأ/ي أيضًا: "آخذك وأحملك بعيدًا"..رواية عن بؤساء إيطاليا

بهذه الأفكار، وغيرها، مما تواظب الرواية على إثارة التفكير بشأنها، يُدخل بيدرو مايرال قارئه في منطقة تستدعي اللعب والمراوحة بين تأويلات متنوعة، ربما يكون أكثرها وجاهة التأكيد على فكرة المحو والنقصان الإنساني كشرط وجود على الأرض، فبضياع اللفافة التي توثق السنة المفقودة عمدًا في حياة سالباتييرا، تبقى اللوحة الناقصة مدعاة لإثارة الاهتمام والتحقق، وباستكمالها، عن طريق النبش في الماضي وجرح صمته، تحترق وتضيع إلى الأبد.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هكذا صوَّرت 5 روايات نضال الطلاب في مصر

4 روايات عربية من الممكن أن تصبح أفلامًا