لبنان يفاوض بلا أوراق ضغط.. كيف سيتأثّر بانهيار مباحثات إسلام آباد؟
12 ابريل 2026
انهارت المفاوضات الأميركية الإيرانية في إسلام آباد على نحو أسرع من المتوقع، وإن كانت الأجواء غير مشجعة منذ انطلاقها في ظل الشروط عالية السقف من الجانبين. إلا أن الساعات الـ15 من المباحثات المكثّفة أوحت بأن فرصًا حقيقية قد تؤدي إلى قواسم ما مشتركة، وإذ بالنتيجة تأتي سلبية تمامًا مع إعلان نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، عدم التوصّل إلى اتفاق والعودة إلى أميركا.
سيترك فشل مفاوضات باكستان تداعيات كبيرة على منطقة الشرق الأوسط، ومن ضمنها لبنان، الذي لم يشمله الاتفاق الأخير إلا أن قبول إسرائيل بالتفاوض مع بيروت بوساطة أميركية كان بسبب مفاعيله والضغط الأميركي على تل أبيب. ما يجعل السؤال مشروعًا حول مصير المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة المرتقبة يوم الثلاثاء في واشنطن.
سلام يلغي الزيارة
كان من المفترض أن يتوجّه رئيس الحكومة اللبنانية، نواف سلام، اليوم الأحد، إلى واشنطن، قبل ساعات من انطلاق مفاوضات مباشرة، يوم الثلاثاء، بين لبنان وإسرائيل للمرة الأولى منذ العام 1983.
إلا أن جديدًا طرأ على حسابات الرئيس سلام، قبل فشل مفاوضات باكستان، دفعه إلى الإعلان عن إلغاء الزيارة، التي كان سيلتقي خلالها وزير الخارجية الأميركية، ماركو روبيو، قبل أن يشارك في اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، حيث يتمثّل لبنان بوفد وزاري على رأسه وزيري المال والاقتصاد.
ضغط الشارع
إعلان سلام جاء على وقع التحرّكات في الشارع، حيث شهدت العاصمة اللبنانية بيروت، في منطقة السراي الحكومي بساحة رياض الصلح، على مدى يومين، اعتصامات رفضًا للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل، في ظل شعارات تطال رئيس الحكومة، وأعلام حزبية لكلٍّ من حزب الله وحركة أمل. وقد بقيت هذه التحركات من دون أي تبنٍّ رسمي لها، وهو ما أكده البيان المشترك لـ"الثنائي"، الذي دعا لعدم التظاهر.
ترمي إسرائيل كرة النار بوجه اللبنانيين، فارضة سلاح حزب الله بندًا أساسيًا، مشترطة على الدولة اللبنانية تطبيقه
تقلق لعبة الشارع الساحة اللبنانية بعد تجارب مريرة طوال العقود الماضية. وفي ظل التسريبات التي تحدثت خلال الأيام الأخيرة عن وجود نيّة لإسقاط الحكومة وخلق بلبلة داخلية، أعلن سلام، أنّه "في ظلّ الأوضاع الدّاخليّة الحاضرة، وحرصًا على القيام بواجبي كاملًا في الحفاظ على أمن اللّبنانيّين ووحدتهم، قرّرتُ تأجيل سفري إلى الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأميركية، لمتابعة عمل الحكومة من بيروت".
انطلاق المفاوضات
تشير مصادر سياسية مقرّبة من سلام، عبر موقع "الترا صوت"، إلى أن لا أسباب أخرى غير التي أعلنها البيان الرسمي. إلا أن تساؤلات عدة تطرح نفسها نظرًا لتزامن الزيارة مع موعد انطلاق المفاوضات مع إسرائيل، والتي كانت فرصة للبنان الرسمي يأمل منها تحصيل مكاسب حقيقية تدعم موقفه الداعي إلى تفعيل الديبلوماسية، وصولًا إلى وقف لإطلاق النار، وأن لبنان هو مَن يفاوض عن نفسه وليس أي جهة أخرى، في إشارة إلى فصل المسارات عن إيران.
إلا أن الأوراق عادت لتُخلَط من جديد بعد وصول المفاوضات الإيرانية الأميركية إلى حائط مسدود، واحتمال العودة إلى التصعيد العسكري، إلا أن موضوع وقف إطلاق النار سيكون مادة النقاش الوحيدة على الطاولة الثلاثاء، إذا بقي الاجتماع في موعده بعد التطورات الأخيرة.
وكان السفير الإسرائيلي لدى واشنطن، يحيئيل ليتر، قد أعلن، عقب مكالمة هاتفية مع السفيرة اللبنانية ندى حمادة معوض، أن "إسرائيل وافقت على بدء مفاوضات سلام رسمية مع الحكومة اللبنانية لكنها رفضت مناقشة وقف إطلاق النار مع حزب الله".
وعليه فإن مصير هذه المفاوضات يرتبط باللقاء المباشر الأول وقدرة لبنان على الضغط لفرض وقف النار كشرط لاستكمال التفاوض، لا سيما وأن حصول الدولة على الغطاء الداخلي من قِبل بعض الفرقاء، وتحديدًا رئيس البرلمان نبيه بري يتوقّف على هذا الأمر، وكان بري أعلن دعمه لمبادرة رئيس الجمهورية جوزاف عون بشرط وقف النار أولًا.
الموقف الإسرائيلي نفسه عاد وأعلنه بنيامين نتنياهو، مؤكدًا أن شرطيه للتفاوض هما عقد سلام دائم ونزع سلاح حزب الله.
فهل سيكون لبنان قادرًا على الالتزام بنتائج هذه المفاوضات؟ والأهم هل سيتمكن من تنفيذ التزاماته؟
تساؤلات في واشنطن
يعتبر الكاتب السياسي، المقيم في الولايات المتحدة الأميركية، جواد الصايغ، في حديث لموقع "الترا صوت"، أن "المفاوضات المباشرة هي خطوة للحكومة اللبنانية في سبيل فصل لبنان عن ملفات المنطقة، وإعادة القرار إلى الداخل ومحاولة فرض قرار السلم بعدما فرض قرار الحرب بأيدي خارجية". ورغم أهمية الخطوة هناك تساؤلات عديدة مطروحة في واشنطن، أهمها مدى قدرة الشرعية اللبنانية على الالتزام بالوعود، خصوصًا وأن موضوع الطلب الرسمي من السفير الإيراني مغادرة لبنان لم ينفذ، وأيضًا عدم صحة ما أعلنت عنه الحكومة حول بسط السيطرة على جنوب الليطاني وخلوه من السلاح".
ويشير الصايغ إلى أن "هذه الأمور مجتمعة تجعل المطلعين يراقبون بحذر النوايا والقدرة على التنفيذ، وهناك من يقول أن كل ما يريده لبنان هو وقف النار فقط مقابل التواصل المباشر على مستوى السفراء من دون الشروع في تفاوض جدي للتوصل إلى اتفاق سلام".
ويضيف "الولايات المتحدة لا تريد العودة إلى المربع الأول أي الهدنة، والإدارة الحالية تريد تحقيق إنجاز يتعلق بالتوصّل إلى اتفاق سلام ليضاف إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، وبالتالي فإن محاولة الحصول على وقف إطلاق نار من دون التفاوض نحو السلام سيزيد من ابتعاد واشنطن عن لبنان".
وحول إمكانية التوصّل إلى وقف لإطلاق النار في لبنان، يجيب: "لا أعتقد، ولكن بأحسن الأحوال قد يحصل وقف نار كالمرحلة السابقة بحيث تواصل إسرائيل استهدافاتها، وتبسط سيطرتها وتعززها في المناطق التي دخلتها منذ مطلع آذار/مارس".
تحييد بيروت
وفي السياق، بدأ الحديث في وسائل الإعلام الإسرائيلية عن نصف هدنة عمليًا مع لبنان، وقد أفادت هيئة البثّ بأن "الجيش الإسرائيلي سيخفض عمليّاته في لبنان وخاصّة في بيروت قبل مفاوضات الثلاثاء".
بالتالي، تفرض إسرائيل على لبنان التفاوض تحت النار، ووفق شروطها، وأقصى ما يمكن أن تعطيه للبنان هو اتفاقًا يشبه تفاهم نوفمبر/تشرين الثاني 2024، حيث تم تحييد بيروت والضاحية الجنوبية، مع احتفاظ تل أبيب بحرية العمل العسكري، الامر الذي استمر طوال 15 شهرًا كانت الاستهدافات والاغتيالات خلالها بشكل يومي، على قاعدة "سأضرب متى شئت".
كرة نار
ترمي إسرائيل كرة النار بوجه اللبنانيين، فارضة سلاح حزب الله بندًا أساسيًا، مشترطة على الدولة اللبنانية تطبيقه.
وأشارت هيئة البث الإسرائيلية إلى أن "إسرائيل ستبلغ وفد لبنان الثلاثاء بضرورة تحرّك الجيش اللبناني ضد حزب الله".
كما نقلت صحيفة "هآرتس" عن مصادر أن "إسرائيل ستطلب من الجيش اللبنانيّ تشديد عمليّة نزع سلاح "حزب الله" في مناطق جديدة وليس في الجنوب فقط"، وأنها "تسعى إلى أن يصادر لبنان أموال وممتلكات "حزب الله" وإلى خسارة تأثيره السياسيّ".
في المقابل، تفيد مواقف صادرة عن أوساط نيابية مقرّبة من حزب الله برفض أي مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، مع التشديد على اشتراط وقف إطلاق النار قبل أي خطوات لاحقة، إلى جانب أولوية انسحاب القوات الإسرائيلية وعودة النازحين.
يقف لبنان أمام مفترق طرق خطير ودقيق جدًا، فهو مفاوض من دون أوراق ضغط، لا بل في موقع ضعف، فيما ستُفرَض عليه مهمات قد تكون شبه مستحيلة أو بتكلفة كبيرة جدًا.
في هذه الأثناء، يتقدّم السؤال الأهم حول مصير لبنان بعد انهيار مفاوضات إسلام آباد، وهل سيصمد فصل المسارات بين لبنان وإيران أم أن تطورات كبرى قد ترخي بثقلها في الأيام المقبلة على الجميع؟