لبنان.. موسم الهجرة مِن الشمال

لبنان.. موسم الهجرة مِن الشمال

الرحلة ليست سهلة (جافي جوليو/الأناضول/Getty)

يتجهز محمد وربيع، أبناء حارة "ترب الإسلام" في ميناء طرابلس (شمال لبنان)، للسفر إلى تركيا، والخروج من هناك عبر قوارب غير شرعية إلى اليونان. يحلم الشابان بمغادرة جحيم الحياة الموقوفة في مدينتهم. تغريهم رحلة "الحلم" إلى أوروبا والتي نجح رفاقهم في الوصول إليها، بعد معاناة في عرض البحر، حيث خاطروا بحياتهم وهم يأملون بأن تكون أوروبا خلاصهم الأخير.  

يأخذ محمد ما يلزمه من مال قليل جمعه من عمله السابق في أحد مصانع النجارة، التي أغلقت في حي مار الياس، وهو يحاول أن ينهي علاقته بمدينته. يذهب كل يوم إلى أحد مخاتير المينا ومن هناك إلى سرايا طرابلس ويجول داخل مكاتب الأمن العام لتخليص معاملاته للحصول على جواز يسمح له بدخول تركيا.

 يعرف الشاب العشريني، أن لا فيزا بين لبنان وتركيا، وهذا أمر يضمن له على الأقل الدخول إلى تركيا كسائح، ومن هناك سيتدبر أمره مع أحد المهربين. يقول محمد عبر اتصال هاتفي لـ"الترا صوت" أن المهربين كثر. لكنه لا يثق إلا بواحد فقط، وهو شاب ثلاثيني من آل خزما من الميناء قام بتهريب عشرة من رفاقه، ووصلوا بخير إلى اليونان، "الرجل لديه علاقات وهو رجل أعمال ويساعده الكثير من اليونانيين"، الذين يعانون من أزمة مالية خانقة، تدفعهم إلى التعامل مع المهربين غير الشرعيين للحصول على مال بات نادرًا تدفقه في ظروف العيش السيئة التي يمر بها اقتصاد اليونان.

أحوال الطقس في بحر ايجه سيئة وقد تكون هذه الرحلة محفوفة بخطر الغرق

يحكي محمد بجرأة عن رحلة "لن تكون سهلة"، لا سيما أن "أحوال الطقس في بحر ايجه سيئة، وقد تكون هذه الرحلة محفوفة بخطر الغرق". لكنه لن يتوانى يومًا عن التجربة. يقول إنه ينتظر لحظة انتهاء باسبوره للسفر، "إنها فرصة العمر. ربما أموت في عرض البحر وربما أنجو. في كلا الحالتين لا شيء أخسره هنا في حياة البؤس هذه"، يقول بصوت هادىء، ويشرح عن قيامه بشراء هوية سوري من ريف إدلب يعيش في أحد دكاكين الميناء الضيقة، ولا يملك المال ليدفع لأي مهرب رحلة العبور مع عائلته، مؤكدًا أن "مصائب قوم عند قوم فوائد"، موضحًا اشتريت بقيمة ألفي دولار هويته كنت جمعتها من عملي في أحد منتجعات شكا، وستكون الهوية بمثابة إثبات لحصولي على لجوء كسوري هارب من الحرب.

اقرأ/ي أيضًا: من اليرموك إلى أوروبا.. اللجوء متواصل

يؤكد محمد أن أمه لم توفق في ردعه ومنعه من اتخاذ هذا القرار، "كنت أود أن لا أخبرها. لكني لم أقو على ذلك.. "أمي معترة كتير ويجب أن تعرف بالأمر"، مشيرًا إلى أن رفاقه وصلوا بخير، وهم يقولون له إنهم بدؤوا في خطة للذهاب والتوزع داخل دول أوروبية محددة"، ويضيف بحماس، "لست خائفًا أريد أن أنجو من حياة القرف التي أعيشها. أيام أعمل وأيام أجلس متفرجًا على الشارع. لم أؤسس أي شيء لي. لا مستقبل لي هنا".

أما علي، وهو شاب من حي الزراعة الشعبي في المينا، فوصل عبر قارب إلى اليونان. يرسل علي لرفاقه صورًا عب تطبيق "واتساب" يثبت لهم وصوله ثم مقاطع فيديو يخبرهم بها أنهم وصلوا بسلام إلى شواطىء اليونان. لا يهم علي الذي ترك عائلته خلفه وطفله الصغير في شقة ضيقة ماذ سيحل به. يحلم فقط في الحصول على صفة لاجىء في أوروبا. علي الذي يحتفظ بوجه طفولي، ويملك وشمًا على كتفه الأيسر، يطير فرحًا  بوصوله بأمان إلى اليونان، وبقصة شعره الـ"سبايكي"، يبتسم في لقطة سلفي ربما تكون هي اللحظة الفاصلة لحياتين، الأولى في مدينة رحبة تضيق الخناق على أولادها، والثانية لتيه رحب، ربما يكون مآلا ضيقًا لأحلام مبتورة. الشاب الذي يبتهج بشرب عبوات الـ"ايفس" والاستماع إلى نعيم الشيخ، والسباحة في زيرة البقر، والرقص على موسيقى التاكنو، لا تسعه الدنيا وهو يعد نفسه ناجيًا من خراب البلد وحيتانه، "هنا يمكنني على الأقل الوقوف على رجلي. لدي ثلاث مصالح بيدي. أنا حلاق وسمكري ودي جاي، ويمكنني العمل لساعات طويلة، أستطيع هنا أن أؤمن حياة أفضل لطفلي الصغير". سيسعى علي الذي يقول عبر اتصال "واتساب" بصوت شجي ومتفائل أنه سيبني أحلامه هنا ولا شيء سيعيده إلى المينا، "محل ما بترزق الزق"، يقول وهو يؤكد أنه سيذهب إلى ألمانيا، بعد أن يبصم ويأخذ الخرائط من الشرطة اليونانية.

يقول أحد مخاتير الميناء في اتصال مع "الترا صوت"، رفض ذكر اسمه، أن أكثر من ألفين وأربعمائة طلب تم تقديمها في أقل من أسبوع، موضحًا أن طلبات جواز السفر وإعداد أوراق إخراجات القيد العائلية بمثابة عمل يومي، ولا ينتهي، متخوفًا من تفريغ البلد من شبابها وهم يهربون إلى "آمال حلم القارة العجوز".

اقرأ/ي أيضًا: الخارطة السورية لأوروبا.. دليلك إلى اللجوء