لبنان.. من غرفة الإنعاش

لبنان.. من غرفة الإنعاش

من المضحك أن يصدّق هؤلاء فعلًا أن لبنان أمام مخطّط حربٍ أهلية (Getty)

"هذا الحراك مشبوه"، "من هم المنظمون وعلى أي أساس وأجندة يعملون؟"، "تحرك مشبوه هدفه خدمة حزب الله"، "تحرك مدعوم من أمريكا لنشر الفوضى بعد فشل فريق 14 آذار بمحاصرة المقاومة". المئات من السيناريوهات والتّهم المعلّبة، اختلفت الوجوه والانتماءات الحزبية، اختلفت الولاءات، لكن الاتهام دائمًا حاضرٌ وموحّد. يعكس عقلية تربينا عليها منذ الحرب الأهلية، عقلية التّبعية للزعيم، ظالمًا كان أم مظلومًا.

من المفارقات اتفاق الفرقاء على أن محاربة الفساد صارت تعتبر وقودًا للحربٍ الأهلية

عند انطلاق الحراك الرّافض لغرق لبنان في النّفايات، لم يعره السّياسيون اللبنانييون ولا مؤيّدوهم أي اهتمام، ليقينهم حينها أن الحراك مآله الفشل، كحراكات سبقته كإسقاط النّظام الطّائفي بين عامي 2010 – 2011، لكن المفاجأة كانت في زخم المشاركة في الحراك. المشاركة الكثيفة صدمت أقطاب السّلطة من 8 و14 آذار، لم يتوقعوا أن الشّعب قادرٌ على الانتفاض أو التّعبير، وكيف لمن يعيش في وادٍ وشعبه في وادٍ آخر أن يتنبّأ بما يفكّر مواطنوه. من الطّبيعي على من اعتاد غيابه عن مهامه إن في التّشريع أو التّنفيذ، واستبدلها بلائحة مواقع سياحية كي يزورها بدل القيام بعمله أن يستغرب فقر الشّعب وعوزه.

"ليأكلوا البسكويت، أين المشكلة؟"، مقولة ماري أنطوانيت ابنة إمبراطور فرنسا، عند رؤيتها الشّعب الفرنسي متظاهرًا أمام قصرها لانعدام قدرته على شراء الخبز تتكرر اليوم، لكن ماري أنطوانيت استنسخت نفسها أحزابًا، نوابًا، وزراء وقياداتٍ صمّاء، تقتل شعبها كل يوم بهدف محاصصة المكاسب وتوزيعها، حتّى النّفايات لم تسلم من محاصصتهم، ففضلوا إغراقنا بها ظنًا منهم أننا قد نكون أداة ضغطٍ يستخدمونها في حروبهم الاستنفاعية، غير آبهين بخطورة انتشارها على الطّرقات، لما قد يسببه ذلك من أمراض، أبرزها الكوليرا الذي سيطرق بابنا مع حلول فصل الشّتاء وهطول المطر، لتمتزج مياهنا الجوفية، بسمومٍ فعلية تضاف إلى السّموم اليومية التي نبتلعها خوفاً من التّغيير، أو حتّى المطالبة فيه.

يكفي تصريحٌ واحدٌ لمسؤول خائفٍ على كرسيه، كي تبدأ المؤامرة بالتّكشّف، مناصرو الثّامن من آذار، الضّليعون دومًا في لعبة كشف الغطاء عن المؤامرات المحاكة، كشفوا ولاء الحراك لأمريكا، ومن بعدها تموّله من دولة عربية صغيرة، بحسب تعبير وزير الدّاخلية، الرّاقص على شواطئ اليونان، طبعًا، رفضوا المشاركة فيه، رافضين وصول الرّبيع العربي إلى لبنان، وخوفًا من الفوضى، ليسوا، بحسب قولهم، على استعدادٍ للدخول في فوضى استطاع لبنان تحييد نفسه عنها طوال هذه المدّة. 

من المضحك أن يصدّق هؤلاء فعلًا أن لبنان أمام مخطّط حربٍ أهلية، أو أنهم لم يعايشوا فترة الحرب السّورية والاحتقان في الشّارع اللبناني، لم يسمعوا بأحداث التّبانة – جبل محسن في طرابلس، ولا معارك عبرا التي هاجم فيها أحمد الأسير الجيش اللبناني.

يعيش لبنان، منذ سنواتٍ، على إبر المورفين والإنعاش القلبي

هذه الأحداث لم تشكّل هاجس حربٍ أهلية لهم، لكن تظاهرة أو حراكًا جامعًا لأطياف المجتمع اللبناني، مثّل ويمثّل برأيهم، رافعة لمشروع الفتنة والحرب الأهلية، مع أن الحراك لم يحمل يومًا مادّة قد تمسّ طرفًا، إلّا إذا اعتبر هؤلاء ومعهم مناصرو الرّابع عشر من آذار، أن محاربة الفساد هي وقود حربٍ أهلية، عندها، يمكن القول أنّنا نستحق أن نُحكم من فاسدين، وكما نحن يولّى علينا، مناصرو الرّابع عشر من آذار الذين ومنذ ال 2005 بايعوا قيادةً أرقت ليلنا بالحديث عن الدّولة المدنية والعبور إليها، دولة قائمة على المساواة والعدالة الاجتماعية، طرقوا عبر صحافييهم ناقوس الفتنة الطّائفية ومارسوا لعبة التّحريض الطّائفي، دفاعًا عن الوزير "السّني"، فهبّوا يا أهل السّنة، جماعة العبور إلى الدّولة يستنجدون بكم لحماية فسادهم، وهم الخبراء في ركوب الثّورات، كيف لا، وقد بدّلوا بنادقهم من كتفٍ إلى كتفٍ في آذار 2005، بعد أن كانوا ينتظرون صاغرين على أبواب عنجر لمقابلة المندوس السّامي السّري، أصبحوا رموزاً للثورة الشّبابية التي طردته، لكنهم وعلى ما يبدو، أدركوا اليوم أن حراك 2015 لا يمكن أن يُركب، ففضلوا محاربته بالقمع والتّحريض الطّائفي.

الإصرار على إلباس الحراك لبوس العمالة للخارج، أمريكا تحديدًا مُحزن، لا لكون أمريكا الدّاعم الرّئيسي لحكومة سلام، وتكرر دعمها يوميًا، بل مُحزنٌ ومؤسفٌ أن فئةً من الشباب اللبناني، تتوق للتغيير، لمحاربة الفساد، للقضاء على المحاصصة، للحصول على فرص عمل، على تعليمٍ مجاني واستشفاء، كي لا يموت المواطن على باب المستشفى لعجزه عن دفع الرّسوم، تتوق لبلدٍ يستخرج نفطه، يوظّف إمكانياته البشرية والتّنموية، بلدٍ يعكس تطلّعات وأحلام شبابه، لكنها لا تستطيع، قيادتها الحزبية ترفض ذلك ربمّا، فبدل دعم الحراك والمشاركة فيه، تطلق سهامها ونيرانها عليه، ظنّاً منها أنّها، أي هذه الفئة من الشّباب، بقتلها هذا الحراك تحمي نفسي وتحفظ لها حظاّ مستقبياً للمشاركة في التّغيير، كي تُبعد نفسها قدر الإمكان عن صفحات كتب التّاريخ التّي سيُكتب فيها يوماً، أن شعباً حاول الانتفاض لكسب حقوقه، بينما حاربه إخوانه في الوطن، خوفاً على مكتسبات زعمائهم.

يعيش لبنان، منذ سنواتٍ، على إبر المورفين والإنعاش القلبي، نظامه مات منذ التّمديد الأول، وحكومته مشلولة، بينما رئيسه غائبٌ لإنعدام الحاجة الجدّية لوجوده طالما أن مجلس الوزراء لا يلتئم أصلًا، قد يكون الحراك الحالي غير قادرٍ على التّغيير الجذري، لكن أقلّه كان واضحًا في الإضاءة على جوانب استترت بفعل التعوّد على وجودها، كالفساد، وتدمير البنى التّحتية المجتمعية والتّنموية وحتّى الأساسية لقيام النّظام، بهدف تعميم ثقافة الزّبائنية والعوز الشّامل لكل شيء، طبابة، تعليم، توظيف إلخ، يكون مرجعيتها الزّعيم وأبناؤه من بعده، لكن الإيمان بالتّغيير لا شكّ أنه موجود، أن يرفع الآلاف علم لبنان فقط بعد سنين من رميه في الأدراج، بحدّ ذاته إنجاز، أن يواجه الشّباب الديناصورات الحاكمة دون خوف، وحده إنجاز، لن تخمد الحراك اتهاماتٌ لا تشفي إلى عقد النّقص التي تسيطر على صاحبها، بل ستعطيه دفعًا للاستمرار، علّ صاحب العقد يتغيّر هو، وينزل مطالبًا بأبسط حقوقه، أن يكون على قيد الحياة والأمل، لا أن يكون جسدًا مستهلكًا للأوكسيجين، فقط يتنفّس.