لبنان.. لا سينما بوجود الرقيب

لبنان.. لا سينما بوجود الرقيب

ملصق دعائي لفلم تجاري على جاج مركبة جنوب لبنان (الأناضول)

لطالما اعتقدت أن فكرة "الرقيب"، بالمعنى الحرفي للكلمة، بأنها صفة نابية يحملها الشخص الذي يصنف نفسه بإطار العمل كرقيب. كلمة تشعرني بالانزعاج. وكأن أحدهم يُراقبني حين أستحم. شخصٌ بمهنته يُشعرني بعدم الراحة في أكثر المواقف الحياتية. وبالطبع من يُصنف نفسه بصفة "رقيب أفلام" فلهذا الشخص أيدي وأعين خشبية ومعدنية قادرة على تمزيق أي فيلم، تمرير أي فيلم، وإلغاء معظم حفلات العرض في السينما.

قام الأمن العام اللبناني خلال عام 1994 بإعادة مونتاج فيلم كوينتن تارانتينو

في 1994، وبعد إنجاز المخرج الأمريكي كوينتن تارانتينو فيلم "بالب فيكشن"، وصل الفيلم إلى صالات السينما العالمية ليُبهر النقّاد والكتّاب السينمائيين بعبقرية صناعة هذا الفيلم. فيلم مُقطع بأسلوب يُعلِّق المشاهد للبقاء حتى الجينيريك الأخير، بعبثية المونتاج والتسلسل المشاهدي إخراجيًا. 

اقرأ/ي أيضًا: ميريل ستريب: أنا لست دومًا سعيدة

بوصفٍ آخر، ينتهي المشهد الأول في المشهد الأخير، وكل المشاهد تكمل بعضها، وعلى سبيل المثال أيضًا بالوصف الأسهل: "المشهد رقم 5 ينتهي خلال المشهد رقم 12، والمشهد رقم 3 ينتهي خلال المشهد رقم 6. عبثية إخراجية، اعتبرها الأمن العام اللبناني خطأ سينمائيًا فادحًا. أيُعقل أن تارانتينو لم يكن مُقنعًا كمخرج سينمائي وكاتب رائع أمام سيادة الأمن العام اللبناني -قسم الرقابة السينمائية؟ أيُعقل أن يكون تارانتينو وبعظمته أرسل الفيلم غير كامل الإنتاج للعرض في لبنان؟ يجيبكم الأمن العام اللبناني حين قام بإعادة مونتاج فيلم "بالب فيكشن" حسب الترتيب المشاهدي الذي يتخيله دفتر الأعمال الذي يحمله الطالب المدرسي، ليُطبق كل فرض منزلي بوقته وبالتسلسل الزمني. نعم قام الأمن العام اللبناني خلال عام 1994 بإعادة مونتاج هذا الفيلم حسب الترتيب الزمني لقصة الفيلم. وبالطبع سحبت شركة التوزيع هذا الفيلم التي أوصلته إلى لبنان بعد الخطوة غير اللائقة بحق المخرج، وكل من شاهد الفيلم للمرة الأولى في صالات العرض السينمائي من قبل تلك الشركة بالأصل في السماح بإعادة المونتاج.

في الجدول التالي خمسة عشر فيلمًا من أصل المئات من الأفلام الممنوعة في أدراج الرقابة والأمن العام اللبناني. لائحة من المخرجين والأفلام اللبنانية من الذين تعرضوا لاضطهاد السلطات البصرية ومقص الرقابة الذي لا يرحم الفيلم، الذي لا يحترم تعب الدقيقة التصويرية، الذي لا قيمة عنده لأي ثقافة سينمائية، إن كانت وثائقية، روائية، قصير، طويلة أو تجريبية، لا يكترث الرقيب إلا أن لا يخدش الحياء. أي حياء؟ لا تسألوني عن الحياء، فأنا لا أعترف، بصفة شخصية على الأقل، بأن على المخرج أن يُراعي أي مشاعر خلال إنتاج أي فيلم خاص به. أعترف بمن يُعارض، بمن ينقد، بمن ينتقد، بمن يحيي الفيلم ويهجيه، بمن يُعبر عن فرحه بعد مشاهدة الفيلم ومن يُعبر عن استيائه. أعترف حتى بمن سينظم حملةً شعبية ضد أي مخرج، وأي فيلم، لكن لا يحق لأحد أن يمنع أو يحذف أي شيء من أي فيلم. لا أتوقع أن يكون المشاهد ينتظر مشاهدة الفيلم الجديد لمخرجه المُفضل "على ذوق" الأمن العام أو الجهات الراعية لـ "خدش الحياء".

سبب المنع 

المخرج

الفيلم

إثارات جنسية ومشاهد عارية

دانيال عربيد

الرجل التائه 

إثارات جنسية ومشاهد عارية - بالإضافة لظهور ابنة أحد الوزراء السابقين في المشهد العاري أو الجنسي

مارك أبي راشد

HELP

ظهور مشهد لمثليين جنسيا

دارين حطيط

I Say Dust

الاقتراب من الطوائف اللبنانية في مناقشة الحرب الأهلية

رين متري

لي قبور على هذه الأرض

تطبيع إنتاجي مع إسرائيل

زياد دويري

الصدمة 

مشاهد عارية وإثارات جنسية

يوسف نصّار

المعرض

أسباب سياسية وإدراج الطائفية في الفيلم

ديغول عيد

شو صار

أسباب سياسية

مارون نصار

شارع

إثارات جنسية وعري

فرح الشاعر

وهبتك المتعة

مشاهد عارية وإثارات جنسية

ديان بو شديد

أصداء

مشهد يذكر معركة سياسية كان لوليد جنبلاط علاقة مباشرة بها

سيمون الهبر

سمعان بالضيعة

الإساءة للكنيسة الكاثوليكية

جو بوعيد

تنورة ماكسي

أسباب سياسية، التعرض للرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد

نادر دافودي

أحمر، أبيض وأخضر

مُنع من قبل قوى الأمن الداخلي بسبب تواجد مشهد اعتبر مسيئًا للمؤسسة وللدرك

سمير سرياني

إلى بعلبك

قصة عن مثليين جنسيًا

سامر دعبول

صوت جريء

بين العري، والتطبيع، والطائفية، والسياسة، والكنائس والمساجد، والمثلية الجنسية، لا تجد المديرية البصرية والرقابة السينمائية في الأمن العام اللبناني أسبابًا أخرى لكي تمنع الفيلم. هذه هي الأسباب نفسها، بالتصنيفات ذاتها، مع الجمل التي تُستعمل بالنسخ واللصق على كل كرّاس أو شريط لا يُلائم شروط "المجتمع"، و"الطبقة السياسية"، و"الطبقة الدينية"، ليبقى المخرج محصورًا بما يريده الجمهور السطحي.

السينما اللبنانية بحاجة إلى بعض الرقابة، لكن على الأفلام التجارية الفاشلة

لا أنكر أو أنفي عدم ميولي أو محبتي لـ"الطاقم الأمني الاجتماعي" لكن أحيانًا أعتقد أن السينما اللبنانية بحاجة لبعض الرقابة. أي الرقابة على الأفلام التجارية الفاشلة. وأنا على علم أن الصحافي الذي ينتقد فيلمًا بتسميته "فاشلًا" يكون على انحياز لنقده بدون أن يتروى بعدم خدش مشاعر الفريق الذي عمل على هذا الفيلم.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم where to invade next.. الحلم الأمريكي إلى أين

أفلام مثل "فيتامين"، و"بيبي bebe"، و"السيدة الأولى"، و"Welcome To Lebanon"، و"Bingo". هي الأحدث في السوق البصري اللبناني التجاري. أفلام إن شاهدها الضليع سينمائيًا أو الـ"مذوق" قبل الناقد السينمائي، وبالتالي السينمائي الحقيقي، سيخرج بالطبع مستاءً بعد مشاهدته الفيلم كاملًا بالطبع احترامًا لكل من تعب جسديًا وفكريًا لإنتاج هذا الهراء البصري.

لن يستاء المشاهد بسبب سطحية النصوص، عدم براعة الممثلين، أو الماكياج المُستعمل على وجوه الممثلات اللواتي يستيقظن دائمًا على السرير الأبيض الموضب بكامل أناقتهن فحسب. بل ستستاء هذه الطبقة الفنية والشعبية أن أفلامًا جديرة بالمشاهدة كان قد منعها الأمن العام اللبناني مُقابل "أفلام السوق" أو "أفلام المجتمع المثالي". 

علينا أن لا ننسى أن كل تلك الأفلام التجارية تُقدم أسوأ الصور، وأسوأ التوجيهات في السيناريو عن المجتمع اللبناني. كما تُقدم هذه الأفلام التجارية صورة ملونة ومنقحة ومعدلة وموردة ومزينة بالأفراح، بالقصور والسيارات الفخمة. وطبعًا لا ننسى الرجل الفحل الذي يخون زوجته وعندما تكتشف الأمر تقوم بمحاولة الانتحار مرتديةً فستانًا فضيًا ومطرزًا بالماس، وبالطبع وجهها مليء بالماكياج. لا ننتحر في لبنان كذلك، ننتحر ولا نُذكر. نحن شعب نمر مرور الكرام على الثقافة البصرية. نكره ونعلم الكره، إن كان للسلطة السياسية أو إن كان للمجتمع الذي لن يتقبل أن في القرن الواحد والعشرين أصبح المشهد العاري حقيقةً لمن يقدم نفسه كممثل محترف، مع فريق محترف، وبالطبع الدولة ووزارة الثقافة تحترم الجسد وجماليته البصرية!

عزيزي الرقيب، ستبقى تمنع وتقطع وتمرر ما تشاء إلى صالات السينما، لكن الإنترنت أقوى

أيها الرقيب، كيف يمكن لك أن تمنع أساطير سينمائية بسبب الجسد العاري؟ ألم تكن عاريًا من قبل؟ هل تستحم بالماكياج والماس؟ وبالطبع لا ننسى بأن الرقيب سيُخون كل فيلم لا يُناسب قوميته العربية، ففي الجدول أعلاه تجدون ما يسركم من أسبابٍ سياسية لمنع تلك الأفلام. من التطبيع إلى التطرق لمسائل سياسية قديمة أو أيضًا مسائل طائفية. الرقيب يُلطف لكم الفيلم ليُسعد العائلة جمعاء في صالات العرض السينمائية.

اقرأ/ي أيضًا: أليس" على طرف الجحيم"

وما بالك بالمثلية الجنسية؟ أتريد أن تلغي مجتمعًا بأكمله ضمن نطاق هذا المجتمع؟ هل هي حرب إلغاء الفئات أيضًا يا أيها الرقيب؟ تُرعبك القبلة بين رجلين؟ أو بين امرأتين؟ نستنتج بهذا الكلام أن الرقيب لا يمنع الأفلام فحسب بل يضع المخرج أيضًا أمام الأمر الواقع بأنه ليس مرحبًا بأفكاره البديلة عن التجارة (بكل بساطة) ليعرضها في لبنان. يضع الرقيب حدًا لهذا الهراء أيضًا، ويدعوكم أحيانًا لتصوير أفلامكم في لبنان والحصول على أوسكار بدون موافقة الدولة اللبنانية على عرض الفيلم في صالات السينما اللبنانية. وبذلك يكون هذا الرقيب قد قام بعملية سطو على وجود المخرج بلبنانيته، وقدمه كمظلوم في المجتمع المدني أمام المشاهدين التلفزيونيين، وألغى السينما المحلية منه، جعل منه سلعةً لأماكن لم يكن ربما سيختارها، وإن احترمه كمخرج.

عزيزي الرقيب، لا تتجسس على كل شيء، اترك لي خصوصيتي من الأفلام الممنوعة لكي أشاهدها على لابتوبي البسيط. ستبقى تمنع وتقطع وتمرر ما تشاء إلى صالات السينما، لكن، يا صديقي الرقيب، الإنترنت أقوى. وبالمناسبة أحيي كل "هارد ديسك" مليء بالأفلام المقرصنة.

اقرأ/ي أيضًا:

طلال الناير.. إقامة دائمة في شرايين أفريقيا

الدراما السورية منشغلة بالتطرف