لبنان.. دولة بوليسية تحت الطبع

لبنان.. دولة بوليسية تحت الطبع

غرافيتي لـ علي رفاعي في الجميزة/ بيروت

تكررت في أكثر من موضع عمليات "خطف" قامت بها الأجهزة الأمنية اللبنانية لناشطين في الحراك الشعبي المطالب بحل لأزمة النفايات. "خطف" لأن طريقة الاعتقال التي نفذتها القوى الأمنية في حق بعض الناشطين، لا تمت بصلة إلى أي من أصول التوقيف القانونية. 

هل تتوفر في ممارسات السلطات والأجهزة الأمنية اللبنانية الحالية صفة "الدولة البوليسية"؟

ببساطة تصل سيارة سوداء بزجاج داكن، بداخلها مدنيون مسلحون، يخطفون ناشطًا ويضعونه في السيارة، ثم بعد هرج ومرج واعتراضات واعتصامات من زملائه الناشطين، يخرج أحد الأجهزة الأمنية التابعة لوزارة الداخلية ببيان يؤكد فيه عملية الاعتقال، وبعد ساعات تحت ضغط الشارع، ولعدم وجود أي مسوّغ قانوني للتوقيف، يطلق سراح الناشط. حدث هذا الأمر مرات عدة في الأيام الماضية، وهو ما يُخشى أن يتكرر في الأيام المقبلة، مع كثرة الحديث لدى الناشطين في لبنان عن "دولة بوليسية" يؤسس لها وزير الداخلية الحالي نهاد المشنوق.

هل تتوفر في ممارسات السلطات والأجهزة الأمنية اللبنانية الحالية صفة "الدولة البوليسية"؟ بالنسبة إلى اللبنانيين تعريف "الدولة البوليسية" يستند دائمًا إلى مقارنة بما يسمونه زمن الاحتلال السوري، وبعضهم يسميه وصاية، أي زمن احتلال الجيش السوري واستخباراته للعاصمة اللبنانية وانتشارهم في عدد كبير من المناطق بقاعًا وشمالًا وجنوبًا. وقد بني على هذا الاحتلال "روابط أخوّة وتعاون" بين البلدين "الشقيقين". وهذه الروابط وجدت صورتها "الأنصع" في ما سميّ "النظام الأمني السوري- اللبناني المشترك"، وهذا النظام الأمني هو بالضبط مرادف "الدولة البوليسية". لا بل إن المصطلح الأخير يعتبر تخفيفًا لما مارسه "النظام الأمني المشترك" في لبنان، خلال سنوات "وصايته" على الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية لللبنانيين. 

كان يقال في تلك الفترة، إن هذا النظام يتدخل حتى في تفاصيل العلاقات الحميمة بين الأزواج. وإنه كان يتنصت على أدق التفاصيل، من تعيين رؤساء الجمهوريات والحكومات والمجالس النيابية إلى صياغة اللوائح الانتخابية وفرز الأصوات وإعلان النتائج، وما يسبق هذه الأمور ويلحقها من قمع ممنهج، وتنكيل وإرهاب واعتقالات لمعارضين وكمّ افواه لكل من تسوّله نفسه النطق باعتراض، أو إطلاق الـ"آخ" المكتومة في الصدور.

لم يتخلص اللبنانيون من هذا النظام الأمني- البوليسي، إلا بعد اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري بتفجير إرهابي. حينها انفجر الشارع ضد الوجود العسكري والاستخباراتي السوري في لبنان، وأنتهى الأمر بسحب الغطاء الدولي والإقليمي عن هذا الوجود، ليضطر النظام السوري إلى سحب عسكره وعناصر استخباراته من لبنان في نيسان من العام 2005. وليتنفس كثيرون الصعداء بعد هذا الإنسحاب ظنًا منهم أن أوصال "الدولة البوليسية" تفككت، غافلين أن المشاركين في صياغة هذه الدولة، والمشرفين على تمتين النظام الأمني المشترك، هم أنفسهم الذين انقسموا حينذاك بين شاكر لـ"سوريا الأسد"، وبين داع لرحيلها، فيما برز يومها صوت من شقيقة الشهيد الحريري، يقول: "... بل إلى اللقاء سوريا". 

تتناسى السلطات اللبنانية أن سبب ويلات الربيع العريي هو أسلوب تعاطي الأنظمة مع مطالب الشعوب

اليوم يتربع ورثة الرئيس الحريري، ممثلين بنهاد المشنوق، على رأس وزارة الداخلية، والتي تضمن الأجهزة الأمنية كلها، وبالأخص قوى الأمن الداخلي، وفرع المعلومات المحسوبان بشكل رئيسي على فريق تيار المستقبل. يتصرف المشنوق اليوم ومعه هذان الجهازان، والأجهزة اللبنانية الأخرى المحسوبة على قوى الثامن من آذار (استخبارات الجيش والأمن العام)، بمنطق النظام الأمني السوري اللبناني المشترك: يقمع التظاهرات، يعتقل الناشطين (يخطفهم)، وينعت المتظاهرين بالمندسين لتبرير قمعهم. هذا منطق يطمح إلى منطق "شدّوا الجرذان" الذي اشتهر به معمّر القذافي.

كتب الراحل سمير قصير الذي اغتيل على يد النظام الأمني المشترك إياه، مقالته الشهيرة "عسكر على مين". وكان يحارب بها منطق الدولة البوليسية، ودفع دمه ثمنًا لذلك. اليوم يصح القول: "بوليس على مين؟". لم تتعلم السلطة اللبنانية شيئًا مما حدث في العالم العربي. يحذرون الناس من "الربيع" الذي اتى بالويلات على الدول المجاورة، متناسين أن سبب الويلات هوأسلوب تعاطي الأنظمة مع مطالب الشعوب. كل من يطالب بحقوقه المدنية والإنسانية والمعيشية في العالم العربي اليوم هو مندس وعميل وإرهابي وسواها من الاتهامات. ويجب قمعه أو التخلص منه بأي طريقة. 

ليس ربيعًا ما يحدث في لبنان. بعيد جدًّا الربيع. أمامنا خريف وشتاء، وقد يتأخر بعدهما الربيع أيضًا. وقد ينقلب الربيع المنشود إلى دم مسفوك. لكن، لا، ليس من يرفع صوته مطالبًا بحقوقه البديهية مسؤولًا عن موت الزهور. بل الجزمات البوليسية التي تدهسها. 


عن تونس.. إطلاق سراح "دولة البوليس"