لبنان بين الهدوء العسكري والحراك السياسي
11 يوليو 2026
رغم الهدوء النسبي الذي يسود الجبهة اللبنانية، باستثناء الغارات الإسرائيلية المتفرقة، يشهد المسار السياسي حراكًا دبلوماسيًا ساخنًا، في ظل عدم انسحاب جيش الاحتلال من المنطقتين التجريبيتين في جنوبي لبنان، وعدم إحراز أي تقدم يُذكر في تنفيذ الاتفاق الإطاري، واستمرار التحضيرات لمفاوضات روما، بالتزامن مع تقارير عن وصول وفد عسكري أميركي إلى بيروت للإشراف على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وحديث إسرائيلي عن تجميد العمليات العسكرية "الحساسة" في الجنوب.
وفي موازاة ذلك، أجرى رئيس الحكومة اللبناني نواف سلام مباحثات مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تناولت تطورات الملف اللبناني.
وفد أميركي لمتابعة تنفيذ الاتفاق
في هذا السياق، ذكرت صحيفة "فايننشال تايمز" أن وفدًا عسكريًا أميركيًا وصل إلى لبنان للمساعدة في تنفيذ الاتفاق الهادف إلى إنهاء المواجهة بين إسرائيل وحزب الله، وسط تزايد المخاوف في بيروت من تعثر تنفيذه.
وقال مسؤولان لبنانيان كبيران إن وفدًا من القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم" وصل، الجمعة، قبيل محادثات مرتقبة بين لبنان وإسرائيل في روما الأسبوع المقبل، حيث يُتوقع أن تناقش فرق فنية تفاصيل الاتفاق الإطاري الموقع في 26 حزيران/ يونيو.
وبموجب الاتفاق، وافقت إسرائيل على الانسحاب من منطقتين تجريبيتين في جنوب لبنان، حيث تنتشر قواتها داخل أراضٍ لبنانية، على أن يتولى الجيش اللبناني الانتشار فيهما لاحقًا.
وكان حزب الله قد رفض خطوات المناطق التجريبية، مطالبًا بالانسحاب الإسرائيلي الكامل، فيما اعتبر رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري المناطق التجريبية على أنها فح، ووصف الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط الاتفاق الإطاري على إنه إملاءات إسرائيلية في خطاب حاد ضد الاتفاق.
ولم يحدد الاتفاق جدولًا زمنيًا للانسحاب الإسرائيلي، كما لم يُنشر الملحق الأمني الذي يتضمن تفاصيل انتشار الجيش اللبناني وآلية الانسحاب، وهو ما أثار جدلًا واسعًا داخل لبنان.
غير أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عرض، خلال مؤتمر صحفي، خريطة أظهرت تجمعين صغيرين من القرى قال إنهما سيشكلان المنطقتين التجريبيتين.
وأكد مسؤولون لبنانيون لصحيفة فايننشال تايمز أن هاتين المنطقتين هما المقصودتان بالاتفاق، رغم أن معظم أراضيهما لا تخضع حاليًا للاحتلال الإسرائيلي.
وقال مسؤول أميركي إن الاتفاق دخل "مرحلة التنفيذ"، مشيرًا إلى أن الفرق الفنية في روما ستناقش "جميع القضايا" المرتبطة به.
وأضاف أن تنفيذ المنطقة التجريبية الأولى سيبدأ خلال أيام، مع التخطيط لمناطق تجريبية إضافية، مؤكدًا أن القيادة المركزية الأميركية تنسق مع لبنان وإسرائيل للمضي في تنفيذ الاتفاق. كما قال مسؤولان لبنانيان كبيران إن الولايات المتحدة ستتولى الإشراف على تطبيقه.
قالت الحكومة اللبنانية إن اللقاء مع أردوغان جاء في مرحلة إقليمية دقيقة تتطلب أعلى مستويات التشاور والتنسيق بين الدول الصديقة
في المقابل، قال مسؤولون لبنانيون وأشخاص مطلعون على الملف إن قضايا أساسية، تتعلق بآلية الإشراف ودور الوفد الأميركي وإجراءات التحقق، لم تُحسم بعد.
كما أفاد مسؤولان لبنانيان كبيران ودبلوماسي غربي بأن بيروت تتوقع "حدوث بعض التحرك" من الجانب الإسرائيلي في إحدى المنطقتين التجريبيتين قريبًا، إلا أنهم استبعدوا حصول ذلك قبل اجتماع روما، رغم أن الحكومة اللبنانية تعتبر أي انسحاب أولي بادرة حسن نية ضرورية لإنجاح المفاوضات.
إسرائيل تجمد العمليات "الحساسة"
في سياق متصل، أفادت هيئة البث الإسرائيلية بأن المستوى السياسي أصدر تعليمات إلى الجيش بتجميد جميع العمليات التي تُصنف بأنها "حساسة" في جنوب لبنان، بناءً على طلب أميركي.
وأضافت أن هذه التعليمات ستبقى سارية حتى صدور توجيهات جديدة، وإلى حين اتضاح مسار التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، وكذلك مآلات المفاوضات بين إسرائيل ولبنان.
وأوضحت الهيئة أن المسؤولين الأميركيين أعربوا عن خشيتهم من أن تؤدي أي عمليات إسرائيلية واسعة إلى جرّ إسرائيل نحو مواجهة أوسع، في وقت تشهد فيه العلاقات بين واشنطن وطهران مزيدًا من التعقيد والتوتر.
وفيما يتعلق بالمنطقتين التجريبيتين، ذكرت الهيئة أن الجيش الإسرائيلي يُتوقع أن يبدأ الانسحاب منهما اعتبارًا من الأسبوع الجاري.
حراك تركي على خط الأزمة
على صعيد آخر، تتقاطع الأزمة اللبنانية مع المشهد الإقليمي المتوتر، في ظل محاولات تركية للقيام بدور داعم للمسار السياسي.
وفي هذا الإطار، التقى رئيس الحكومة اللبناني نواف سلام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في إطار زيارة رسمية إلى تركيا.
وقالت الحكومة اللبنانية إن اللقاء جاء في "مرحلة إقليمية دقيقة تتطلب أعلى مستويات التشاور والتنسيق بين الدول الصديقة"، مضيفة، عبر حسابها على منصة "إكس"، أن سلام أكد تمسك لبنان باستقلالية قراره، وبسط سيادة الدولة على كامل أراضيه، ومواصلة العمل، بالتعاون مع الدول الصديقة والشقيقة، من أجل وقف الاعتداءات الإسرائيلية وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية.
من جانبه، جدد أردوغان تأكيد وقوف تركيا إلى جانب لبنان، ودعمها لجهوده الرامية إلى ضمان انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي اللبنانية، كما شدد على التزام أنقرة بدعم استقلالية القرار اللبناني.
وكان الرئيس التركي قد صرح في وقت سابق بأن "أمن تركيا من أمن بيروت ودمشق".
ويُعتبر التمدد الإسرائيلي في سوريا ولبنان يمثل تهديدًا للأمن القومي التركي، وأن من مصلحة أنقرة عدم وجود أي توغل أو نفوذ عسكري إسرائيلي في الدول المجاورة.
كما أن اللقاء اللبناني التركي جاء بعد قمة الناتو في أنقرة، التي التقى خلالها أردوغان مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
انقسام حول مسار التفاوض
في المقابل، وفي الوقت الذي يرفض فيه حزب الله المفاوضات المباشرة مع إسرائيل ويدعو إلى التراجع عن هذا المسار، شدد الرئيس اللبناني جوزاف عون على المضي في خيار التفاوض.
وقال عون: "لن أتراجع عن قرار التفاوض الذي اتخذته، مع إصراري على أن تتضمن جميع مواقفي توضيحات للشعب اللبناني حول أهمية المسار الذي نسير فيه".
وأضاف: "اتخذت خيارًا صعبًا، والطريق ليس معبدًا، بسبب موازين القوى، والحسابات الإسرائيلية، والوضع الأميركي – الإيراني، وغيرها من التعقيدات، لكن هذا الخيار يثبت سيادة الدولة اللبنانية وحقها في التفاوض بنفسها عن نفسها، ويخرجها من تداعيات الحرب التي فرضت عليها."
تقرؤون المزيد في: ما الذي يتضمنه الملحق الأمني السري بين لبنان وإسرائيل؟