19-يوليو-2016

مظاهرات ضد كل أنواع العنف تجاه المرأة في لبنان(صورة أرشيفية/باتريك باز/أ.ف.ب)

ضجّت مواقع التّواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام منذ أسبوعٍ بحادثةٍ فظيعة، ثلاثة شبّانٍ تناوبوا على اغتصاب فتاةٍ قاصرٍ في طرابلس. الجريمة أودت بحياة أمّ أحد الشّبان، والتي فارقت الحياة بعد إصابتها بسكتةٍ قلبية فور سماعها بجريمة ابنها، كما أُصيب جدّ الفتاة بسكتةٍ قلبيةٍ كادت تقتله.

تعاني ضحايا الاغتصاب اليوم في بعض الدّول من ظلم القوانين، فتُجبر على الزّواج من مغتصبها وفي حال رفضها الانصياع، سيتفنّن المجتمع في احتقارها

تناوب الشّباب على اغتصابها لمدّة قاربت ثلاثة أشهر، استغلوا يُتمها وسفر والدها، فسهّلت هذه العوامل -إضافةً إلى أنّها تقطن في منزل جدّها- لهم ظروف جريمتهم. صمتت الفتاة لشهرين، إلى أن أخبرت جدّها وعمّتها، وبعد زيارة طبيبٍ مختصّ، تأكّدوا من الجريمة، فقصدوا طبيبًا آخر ليثبّت على الجناة جريمتهم. انتشار الخبر واهتمام الإعلام به، دفع القضاء للتحرّك وإلقاء القبض على الشّبان الثّلاثة وإيداعهم السّجن.

اقرأ/ي أيضًا: في الأردن.. القانون في خندق المغتصب

بعد سجنهم، بدأت السّيناريوهات تتوالى لتبرئتهم وتحويل الفتاة الضّحية إلى مذنبة، السّيناريو الأول كان كالتالي: الفتاة على علاقة بأحد الشّباب، أغوته ومن ثم رفاقه، وعندما كُشف أمرها، اتهمتهم باغتصابها ولجأت للشرطة. السّيناريو الأول أثبت فشله، بفعل تقارير الأطباء وحديثهم عن تعرّضها لجنسٍ عنيف.

أمّا السّيناريو الثّاني، فألبس الفتاة صفة الدّعارة، وتحدّث عن ممارستها الجنس بشكلٍ منتظم، وأنّها ذائعة الصّيت في الحي كفتاة تمتهن الدّعارة، وهكذا نجحت في التّعرّف على الشّبان وإيقاعهم في فخّها، السّيناريو الثّاني ساقط بحكم كون الفتاة قاصرًا، فممارسة الجنس مع قاصر بحسب القانون يعني التّعرض لعقوباتٍ تصل للسجن، مما يعني أن سجن الشّبان كان منطقيًا وقانونيًا.

الإعلام أيضًا، بمعظمه شارك في الجريمة، فاغتصبت الفتاة مرّتين، الأولى أثناء الجريمة والثّانية عند وقوف إحدى المراسلات أمام باب منزلها، تتباهى بالسّبق الإعلامي، وتذيع اسم الفتاة الثّلاثي، مكان سكنها، وسيرتها الذّاتية كما العائلية.

في حيٍّ فقير، شيوع خبرٍ كهذا مع تحديد هوية الضّحية والمرتكبين، يجرّ على الضّحية عارًا مجتمعيًا بينما لا يعيب على المجرمين فعلتهم، بل يتناساها لاحقًا بفعل ذكورية المجتمع. لم يقتصر السّبق الإعلامي على إعلاميةٍ داست على المبادئ والأخلاق، بل تعدّاه ليشمل مواقع التّواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية الإلكترونية: ترويجٌ لروايات، واختلاقٌ لسيناريوهات، الضّحية مُغيّبة عن الإعلام، بينما الذّئاب الثّلاثة يجدون من يدافع عنهم حتّى وإن لم يعرفهم.

صمت المغتصبات في بعض المجتمعات سمح لحالاتٍ أخرى بالطفو على السّطح، كالتّحرش الذي أصبح أمرًا عاديًا في شوارعنا

اقرأ/ي أيضًا: اغتصاب الأطفال في المغرب في ارتفاع.. إلى متى؟

المفاجأة كانت بإعلان القاضي والنّائب العام في الشّمال، عن نيّته إطلاق سراح المجرمين نهار الثّلاثاء، 19 تمّوز/يوليو، معوّلًا على ذاكرة اللبنانيين الشّبيهة بذاكرة السّمكة، ونسيانهم القضية بفعل مرور الوقت، لتُطهّر الجريمة لاحقًا بزواج الضّحية بأحد المجرمين، أو انتحارها بسبب الضّغط المجتمعي ونظرة المجتمع لها، كغيرها من الفتيات المنتحرات سابقًا.

تعاني ضحايا الاغتصاب اليوم في بعض الدّول من ظلم القوانين، فتُجبر على الزّواج من مغتصبها، أي أن القانون يشرّع الجريمة ويسمح بإعادة تمثيلها يوميًا، وفي حال رفضها الانصياع للقوانين، فبطبيعة الحال، سيتفنّن المجتمع، في أغلب الأحيان، في احتقارها وإذلالها وإعدامها مجتمعيًا.

صمت المغتصبات في بعض المجتمعات سمح لحالاتٍ أخرى بالطفو على السّطح، كالتّحرش الذي أصبح أمرًا عاديًا في شوارعنا، وتراخي القوانين مع هكذا ظواهر سمح للمرضى النّفسيين بقتل زوجاتهم والخروج من السّجن بعدها، فجريمة الشّرف لا يُسجن فاعلها إلّا بضعة أشهرٍ أو سنوات.

ويبدو أن القضاء في لبنان قرّر أن يجعل من هذا الشّهر، تمّوز/يوليو، شهرًا لاضطهاد المرأة وحقوقها، وسيفرج عن المجرمين الثّلاثة مغتصبي القاصر، ليتبعهم إلى الحرّية مجرم قاتلٌ آخر، هو محمّد النّحيلي، الذي قتل زوجته منال عاصي بطريقةٍ وحشيةٍ منذ قرابة 5 سنوات سجنية، يعني أن القضاء قرّر مخاطبة السّاديين المرضى، ورفع شعار: اقتلوا واغتصبوا وإننا عن جرائمكم لصامتون.

اقرأ/ي أيضًا:

#اعرفي_حقك.. ضد اغتصاب المرأة السودانية وتجريمها

العنف الزوجي وزواج القاصرات.. أرق المغربيات