لبنان الضعيف.. لبنان القوي

لبنان الضعيف.. لبنان القوي

فشلت الترسانات الأمنية في الدول العربية في إخماد الحركات الشعبية وتطويقها (أنور عمرو/أ.ف.ب/ Getty)

مع استمرار الحركة الاحتجاجية في لبنان واتساعها، يمكن للمتابع أن يتساءل حول قدرتها على التغيير في إحداث أية تبدلات في البنية السياسية للدولة اللبنانية، لا سيما وأن أصواتًا كثيرة داخل تلك الحركة المطلبية بدأت تتعالى وتيرتها في انتقاد الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان، بشكل يشبه، وإن على نحو خجول، ما حدث في البلدان التي اجتاحتها ثورات الربيع العربي.

هل يمكن أن تتحول الحركة المطلبية الاحتجاجية في لبنان إلى ثورة؟

بمعنى، هل يمكن أن تتحول الحركة المطلبية الاحتجاجية في لبنان إلى "ثورة" سياسية كما حدث في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن، مع إدراك الفارق النوعي في طبيعة الدولة في بلدان الربيع العربي وبنية الدولة اللبنانية؟ وهل يستطيع اللبنانيون، الذين يتظاهر بعضهم على خلفية مشكلة النفايات، تجاوز أنفسهم والارتقاء بحركة احتجاجهم ضد "النفايات السياسية" كما دعاها رئيس الحكومة اللبنانية تمام سلام، على اعتبار أن مشكلة النفايات التي يغرق فيها لبنان، ليست أكثر من عرض لمرض المحاصصة السياسية والطائفية في لبنان؟

وكيف ستواجه الدولة اللبنانية هذه المعضلة؟ هل ستسفيد من تجارب دول الربيع العربي في التعامل مع ثورات شعوبها؟ لقد فشلت الترسانات الأمنية في تلك الدول في إخماد الحركات الشعبية وتطويقها، بما فيها ما يعرف "بالدولة العميقة" في مصر، التي لم تستطع الإمساك بزمام المبادرة ثانية، إلا عبر "ثورة مضادة" باركت ودعمت نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي.

ولكن فعلّا هل يواجه نظام الحكم في لبنان أزمة تهدد بالثورة والانقلاب عليه، وهل تنطوي مطالب المحتجين اللبنانيين على حقوق سياسية، في الحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية، أسوة بأشقائهم في تلك البلدان؟

للإجابة على كل تلك التساؤلات لا بد من أخذ بعين الاعتبار تلك المقولة التي راجت في مواسم الثورات العربية وأثارت الكثير من السخرية، فإذا كانت التجارب قد أثبتت أن مصر كتونس، وليبيا كمصر، وسوريا كاليمن، فإن واقع الحال يقول، هذه المرة، إن لبنان ليس كتونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن، كما أن النظام الحاكم في لبنان ليس كالأنظمة الحاكمة في تلك البلدان. وأكثر من ذلك، بما ينطوي عليه الأمر من مفارقة مثيرة للسخرية، فنظام الحكم في لبنان هو أقوى من الأنظمة التي حكمت تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا لعقود وعقود، بالحديد والنار. ومكمن القوة لا يتمثل في ضعف النظام اللبناني وهشاشته، رغم أن مقولة "قوة لبنان في ضعفه" ما تزال رائجة في بعض الأدبيات السياسية، بقدر ما يتمثل في كون النظام اللبناني السياسي ممثلًا لتركيبة المجتمع اللبناني. فقوة الدولة تنبع في العمق من تمثيلها لطبيعة تعقيدات المجتمع الذي تحكمه. 

وقد أثبتت التجارب، في السنوات الأخيرة خصوصًا، أن الدولة في بلدان الخليج العربي رغم بنيتها القبيلية والعشائرية، ما قبل المدينية، هي أقوى حتى من "الدولة العميقة" في بعض البلدان العربية، كمصر مثلا. والسبب أن نظام الحكم القبلي في الدول الخليجية يحكم مجتمعًا قبليًا وعشائريًا بآليات وأعراف تخفف من حجم التصادمات والتناقضات بين الدولة والمجتمع.

وبالعودة إلى لبنان، فإن متابعة تداعيات المشهد الاحتجاجي فيه تشير إلى أنه من الصعب أن يتطور إلى حركة ذات مطالب سياسية تتطلع إلى إعادة النظر في هيكلية الدولة، لا سيما وأن اللبنانيين عايشوا، في المدى القريب، حربا أهلية لمدة خمسة عشر عامًا من دون أن يتمكنوا، لأسباب كثيرة، من إجراء عمليات جراحية عميقة في النظام السياسي اللبناني، وانتهوا إلى تطويب أمراء الحرب كزعامات سياسية استمرت بالتناحر والتقاتل عبر فصول متتابعة من "الحرب الباردة"، منذ ما بعد "اتفاق الطائف" حتى الآن.

الحرب ما تزال مستمرة وماثلة في أذهان اللبنانيين بكل تفاصيلها، اللهم ما عدا بيان اللواء عبد العزيز الأحدب الذي أعلن عن انقلاب عسكري على شاشة التلفزيون اللبناني في 1976، ولم يمتثل له أحد من اللبنانيين، سياسيين ومدنيين، واكتفوا بإطلاق لقب "جنرال التلفزيون" عليه.