لبنانية مرشّحة لخلافة غوتيريش.. إيفون عبد الباقي بصمة سلام فوق الحروب
31 يناير 2026
يطلّ لبنان على الساحة الدولية بترشيح الدبلوماسية اللبنانية الأصل إيفون عبد الباقي لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، لخلافة أنطونيو غوتيريش، في خطوة تعيد الحضور اللبناني إلى أحد أبرز المحافل الدولية.
وليست هذه المرة الأولى التي يحضر فيها لبنان في هذا الإطار، إذ ترأس السياسي والدبلوماسي والمفكر اللبناني شارل مالك الجمعية العامة للأمم المتحدة بين عامي 1958 و1959، وكان من أبرز الشخصيات العربية التي شاركت في إعداد وصياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، بصفته رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة.
ترشيح لبنان
بدأت الاستعدادات مبكرًا لهذا الاستحقاق المرتقب في الخريف المقبل، أي بعد انتهاء ولاية الأمين العام أنطونيو غوتيريش في 31 أيلول/سبتمبر 2026. وفي رسالة مشتركة في نوفمبر الماضي، دعا مجلس الأمن المكوّن من 15 دولة ورئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، المكونة من 193 دولة، جميع الدول الأعضاء إلى تقديم أسماء المرشحين لتولي المنصب، مشجعًا على ترشيح النساء.
وزارت السياسية والدبلوماسية الإكوادورية وطنها الأم، حيث أمضت نحو شهر التقت خلاله كبار المسؤولين والشخصيات الفاعلة، لا سيما رئيس الجمهورية جوزاف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام، إضافة إلى العديد من السفراء، في إطار حملتها التحضيرية لهذا الاستحقاق ورغبتها في الحصول على ترشيح رسمي من الدولة اللبنانية.
تخوض عبد الباقي منافسة قوية مع أسماء بارزة، بدأ التداول ببعضها، لا سيما رئيسة تشيلي السابقة ميشيل باشليه، ورئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، والكوستاريكية ريبيكا غرينسبان، التي تتولى حاليًا رئاسة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)
وأشارت مصادر مقربة من حملة عبد الباقي لموقع "الترا صوت" إلى أن الأجواء كانت إيجابية جدًا خلال لقاءاتها في بيروت، ويبدو أنها ستحصل على ترشيح لبنان لها، بالإضافة إلى دعم بلدها الثاني، الإكوادور.
وتلفت المصادر إلى أن عبد الباقي تدرك قيمة لبنان كجسر بين الشرق والغرب، وكمختبر حضاري مهم نظرًا للتنوّع الفكري والديني الذي يحتضنه، وهي لا تخفي تأثرها بوصفه من قبل البابا الراحل يوحنا بولس الثاني بأنه "أكثر من وطن، هو رسالة".
منافسة قوية
تخوض عبد الباقي منافسة قوية مع أسماء بارزة، بدأ التداول ببعضها، لا سيما رئيسة تشيلي السابقة ميشيل باشليه، ورئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، والكوستاريكية ريبيكا غرينسبان، التي تتولى حاليًا رئاسة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد).
ويشير الجدول الزمني إلى أن أعضاء مجلس الأمن سيبدأون عملية الاختيار بحلول نهاية تموز/يوليو 2026، على أن يتفق أعضاء الدول الخمس دائمة العضوية على المرشح النهائي. ويقدّم مجلس الأمن توصيته الرسمية إلى الجمعية العامة، التي تنتخب الأمين العام لولاية مدتها خمس سنوات تبدأ في 1 كانون الثاني/ يناير 2027، مع إمكانية التجديد مرة واحدة.
حظوظ مرتفعة
تقدمت عبد الباقي، المولودة في الإكوادور في 23 شباط 1950، إلى هذا التحدي مستندة إلى عقود من العمل السياسي والدبلوماسي الحافل. شغلت منصب سفيرة الإكوادور لدى الولايات المتحدة، كما شغلت المنصب الدبلوماسي في كل من قطر، العراق، الأردن، لبنان، سلطنة عمان، سوريا وفرنسا.
وخلال محطات حياتها المختلفة، سواء كسفيرة أو كوزيرة للتجارة الخارجية والصناعة والتكامل الاقتصادي والصيد البحري بين عامي 2003 و2005، أو كرئيسة لبرلمان دول الأنديز في 2007، نسجت شبكة واسعة من العلاقات العابرة للتناقضات. هذا الوجود الدبلوماسي يمنحها قدرة على تجاوز أي "فيتو" قد يواجه المرشحين لمنصب رفيع، سواء من الشرق أو الغرب، حيث تمتدّ شبكة نفوذها من واشنطن إلى موسكو وبكين، مرورًا بالعالم العربي، ما يوفر لها فرصًا حقيقية للفوز.
يُشار إلى أن عبد الباقي رشّحت سابقًا لرئاسة الجمهورية في الإكوادور لكنها لم تفز، كما كانت مرشحة في 2009 لوظيفة سكرتيرة منظمة "اليونسكو" في باريس، لكنها انسحبت لصالح مرشح آخر. كما عيّنتها مؤخرًا المديرة العامة لـ"اليونسكو"، إرينا بوكوفا، سفيرة للنوايا الحسنة لدى المنظمة.
ابنة الحربين
يمكن وصف عبد الباقي بأنها "ابنة الحربين": ابنة المغترب اللبناني فؤاد خويص، الذي هاجر من قرية بتاتر في قضاء عاليه إلى الإكوادور، عاصرت الحرب الأهلية اللبنانية في العام 1975 وأدركت تداعياتها الكارثية، كما شهدت الحرب بين الإكوادور والبيرو، حيث لعبت دورًا أساسيًا في تحقيق السلام بين البلدين في العام 1998، حين كانت مستشارة للرئيس الإكوادوري اللبناني الأصل جميل معوض وسفيرة في واشنطن.
هذا الدور تحديدًا، وتأثيرها في صناعة السلام، يشكّل الرافعة الأكبر لمسيرتها، إلى جانب خبرتها المباشرة في متابعة النزاعات والحروب وتأثيرها الكارثي على الدول والشعوب والأمن والسلام العالميين.
تطوير الأمم المتحدة
"آن الأوان لتطوير الأمم المتحدة"، بهذا الهدف تختصر عبد الباقي دوافعها لخوض غمار هذا التحدي. فهي ترى أن الجمعية العامة بحاجة إلى مقاربات جديدة تسمح بتطوير عملها وتعزيز فاعليتها وتأثيرها عالميًا، مستندة إلى التجارب القاسية الأخيرة في مناطق متعددة، لا سيما حرب غزة وغيرها.
تؤكد دائمًا: "أنا عربية قبل كل شيء، ولا أنكر جذوري اللبنانية، لكن الإكوادور هو وطني، حيث عشت معنى الحرب والسلام، ولذلك كرست حياتي لأجل الإنسان".
وإن كانت مهمة عبد الباقي محفوفة بالتحديات، فإن الأمم المتحدة لم تعد الجهة الوحيدة المكلفة بحفظ السلام عالميًا. ففي خطوة أثارت الانتباه، أنشأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب ما يُعرف بـ"مجلس السلام" في غزة، مع احتمال توسيع هذه التجربة إلى مناطق أخرى، ليشكّل إطارًا رديفًا للمؤسسة الأممية التي تأسست منذ نحو قرن من الزمن.
الفن أقوى من الحروب؟
ربما يكون الطريق إلى الأمم المتحدة أسهل على عبد الباقي من التحديات التي ستواجهها لاحقًا إذا فازت، وإن كانت تجيد خمس لغات بطلاقة.
قد يستغرب الباحث عند اكتشاف أن هذه الشخصية مجازة من معهد السوربون في باريس في الرسم والفنون، لا في العلوم السياسية أو الحقوق، وأنها تكتب الشعر بثلاث لغات، وحائزة على ماجستير في الإدارة العامة من جامعة " Harvard Kennedy School " عام 1993.
ربما تستوحي عبد الباقي من خلفيتها الأدبية ما يجعلها قادرة على تقديم العالم بعض ما يحتاجه من سلام، فهل يكون الفن أقوى من السياسة والمصالح والحروب؟