لا يولد الناس أحرارًا في الشرق

لا يولد الناس أحرارًا في الشرق

محمد سباعنة/ فلسطين

نولد في الشرق في محيط مليء بالرضوخ والقناعة المرتبطين أساسًا بالكسل والخمول الفكري والبدني الناشئ، إلى حد بعيد، عن المناخ الحار. لكن القدر المناخي الفيزيولوجي لا يكسره إلا قرار منبثق من العقل والضمير معًا، قرار بالتحرر من القدر الأرضي، وهذا القرار هو إلى حد بعيد قرار سماوي، فكل ما يتعلق بالعقل هو من السماء أو الأثير، وكل مايتعلق بالجسد هو من الأرض. وانتصار العقل على الجسد والظرف أمر لا شك فيه عند الأحرار أصحاب العقول الحرة.

ليست الحرية فعلًا إلهيًا كفعل الخلق، إنها تحصيل بشري له أشكال وكيفيات متعددة بتعدد البشر والمجتمعات والتجارب

مع ذلك ليست الحرية فعلًا إلهيًا كفعل الخلق. إنها تحصيل بشري له أشكال وكيفيات متعددة بتعدد البشر والمجتمعات والظروف والتجارب. لربما كان الأفضل أن نتحصلها بالقانون. وقبل القانون بخلق وعي بضرورة الحرية. في كل حال لا بد من شخص حر أول، كما عقل أول، يمارس الحرية ويدعونا إليها.

اقرأ/ي أيضًا: وفاة الصحفي تامالت.. عودة لجدل الحريات في الجزائر

هذا الشخص سيوجد دائمًا في كل زمان ومكان، لكنه بفعل وجود السلطة المحتاطة ضد أي فكر حر أو صاحب دعوة للحرية، يتم اعتقاله أو قتله أو إبعاده أو عزله عن المحيط عند أول بادرة حرية منهم.

لكن التحرر السياسي كما الحرية الاجتماعية الفردية لا يكون إلا بالدعوة إلى الحرية كخيار أفضل للإنسان، وبعد الدعوة لا بد من الفعل، والفعل يبدأ بتنظيم مدني سلمي أو عنفي في حال الحرية السياسية، أو تنظيم مدني سلمي في حال الحرية الاجتماعية. دون أن ننسى أن الأنظمة المستبدة تواجه كلا الدعوتين على السواء بالاعتقال والعنف أو القتل.

مراحل الحرية

نقارب موضوعنا الآن لنقول إن الحرية إما أن تكون قضية خارجية نرغب بممارستها فتكون عندها اختبارًا من أهم اختبارات الحياة أو تكون انبثاقًا من ذات الفرد وأعماقه بعد أن يختبرها فتصبح موضوعًا داخليًا متماهيًا مع الذات، وفي المرحلة الثالثة تصبح الحرية متماهية مع الذات بحيث لا نفرق بين الاثنتين، تصبح الذات الحرة طبع عند صاحبها فكل ما يصدر عنه يصدر عن ذات حرة.

الحرية كموضوع خارجي تُختبر من الإنسان الذي يرغب أن يكون حرًا، فيصطدم أولًا مع ذاته التي اكتسبت العبودية أو العادات غير الحرة من الأسرة والمجتمع والإعلام وهنا يصطدم بالأكثر خطورة، بالأفكار النمطية التي تأتي من الاعتقادات الشعبية والدين والسلطة السياسية، ومن ثم يصطدم مع أسرته التي تريد ضبطه بقيود "الأخلاق الخاصة بها"، ومن ثم يصطدم مع مجتمعه الصغير قريته أو حارته التي لها أخلاق خاصة أيضًا، ومن ثم يصطدم بطائفته، ومن ثم يصطدم بالمجتمع الكبير، وهو أقل المراحل صعوبه.

في مرحلة الاصطدام يتم اختبار الحرية، وفي كل مواجهة يتم إعادة برمجة الذات والعقل بحيث تتغير قناعات الإنسان طالب الحرية بشكل مستمر إلى أن يستقر على قناعة ما في نهاية هذه المرحلة العصيبة، مرحلة اختبار الحرية.

اقرأ/ي أيضًا: المرأة الأردنيّة في 2016: عقد منفرط

قليلون من يصلون آخر الطريق بنجاح لكن بعد أن يخسرون الكثير أولًا ذاتهم الأولى الفطرية، وثانيًا سلام الأسرة أو الأسرة كلها وبالتأكيد سيخسر محيطه الاجتماعي وطائفته ولابد أن يصطدم مع السلطة السياسية فيدفع ثمنًا من حريته في اعتقال أو ملاحقة.

التحرر السياسي كما الحرية الاجتماعية الفردية لا يكون إلا بالدعوة إلى الحرية كخيار أفضل للإنسان، وبعد الدعوة لا بد من الفعل

الحرية كموضوع داخلي تتحق حين النجاح في اختبار الحرية عبر الصراع مع الذات الفطرية الأولى، ومع العامل الخارجي أي الأسرة والمجتمع والطائفة والسلطة السياسية، هنا تصبح الحرية موضوعًا داخليًا ذاتيًا، ويصبح الإنسان حرًا فيبدع لذاته أساليب وسلوك وأفكارًا تحميه وتحوله إلى كائن مستقل شبه كامل عن الخارج -أي العالم-، يتحول في المرحلة الثالثة إلى مايشبه الشرنقة، أو الصوفي الذي لا يرى سوى بعين ذاته الحرة فيصل إلى الأخلاقية الكاملة.

ختامًا، لا بد من القول، تذكية لها، باعتبارها حالة مناسبة تمامًا للنفس والعقل والوجود، إن الحرية حالة صحية تمامًا بالمعنى النفسي على الأقل، على خلاف الانغلاق والقمع والاستبداد والخوف. فالحرية حالة دماغية أولًا أو عقلية، تؤدي إلى حالة نفسية تورث الطمأنينة والتوازن والقوة والاحترام والفاعلية والنجاح. على خلاف القمع والانغلاق الذي يورث الاستبداد والكراهية والخوف وينتج عنها أمراضًا شتى نفسية وجسدية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تفجير الكاتدرائية.. الرب لن يقاتل عنكم

الدول العربية بعد 68 سنة من ميثاق حقوق الإنسان