لا يموت حق وراءه القمم العربية

لا يموت حق وراءه القمم العربية

في قمة سرت 2010 (Getty)

عقد العرب، منذ إعلان تشكيل الجامعة العربية سنة 1945، ما يناهز ست وثلاثين قمة عربية ما بين عادية واستثنائية. وقد ناقشت تلك القمم مستجدات العالم العربي ومشاكله المتزايدة. دعا الملك فارق الأول لعقد القمة العربية الأولى عام 1946، لمعالجة مسألة وقف هجرة اليهود لفلسطين والاستيطان فيها، وتم الشجب والتنديد بالهجرة اليهودية لفلسطين العربية، وجرى زجرهم وتوبيخهم بأعنف الألفاظ الممكنة مثل "الحق العربي لا يضيع"، كما جرى العمل على تشكيل حكومة تضمن حقوق جميع سكان فلسطين الشرعيين، دون تفرقة على أساس ديني أو عرقي أو مذهبي، والعمل على تحقيق استقلال فلسطين، وتوالت لاحقًا القمم العربية لتسجل انتصارات هائلة.

في قمة 1967، صرخ القادة العرب بملء أفواههم "لا" بوجه الكيان الصهيوني الغاصب، واستمروا بالصراخ سنتين بدون كلل أو ملل

في 1964، في شهر كانون الثاني/يناير، دعا الرئيس جمال عبد الناصر لعقد قمة، وجاء انعقاد القمة العربية في القاهرة، لبحث موضوع تحويل إسرائيل لنهر الأردن، لأن العرب يؤمنون بأن من يفرط بنهر قد يفرط ببلد، وبمجرد انتهاء تلك القمة كانت إسرائيل تئن تحت وطأة العطش الشديد، فالقمم العربية لا ترحم أعداء العرب أبدًا.

في قمة 1967، الشهيرة بقمة "اللاءات الثلاث" والتي عقدت بعد النكسة واقتطاع الجولان من سورية وسيناء من مصر والهيمنة على كافة الأراضي الفلسطينية، تم تبني الشعارات الصارخة "لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف". صرخ القادة العرب بملء أفواههم "لا" بوجه الكيان الصهيوني الغاصب، واستمروا بالصراخ سنتين بدون كلل أو ملل أو تعب، حتى أفضى صراخهم إلى قمة "الرباط" في شهر كانون الأول/ديسمبر من عام 1969، وهي قمة لم تكتمل، ولم تصدر بيانًا ختاميًا، وكان هدفها وضع استراتيجية موحدة لمواجهة إسرائيل، فالعرب لا يهمهم البيانات حين تقتضي الضرورات التاريخية المواجهة.

لكن أيلول الأسود في العام التالي عطل الاستراتيجيات، ودفع لعقد قمة عاجلة من العام 1970 لحل الخلاف الفلسطيني- الأردني، ومصالحة الملك حسين مع ياسر عرفات، وذلك لعدم السماح لإسرائيل بالتشفي والشماتة بالعرب، فالعرب لا يقبلون شماتة الأعداء على الإطلاق.

في الجزائر سنة 1973، شدّدت القمة العربية على ضرورة التحرير لكامل الأراضي التي احتلتها إسرائيل في 1967، وقرّرت القمة الاستمرار في استخدام النفط سلاحًا في المعركة حتى لو برد الشعب العربي كله عن بكرة أبيه، فالمهم هو الالتزام الكامل بمقررات القمة، وتم التشديد على تلك الضرورة. واستمر البرد القارس مدّة لا بأس بها، حتى لاحت بوادر عقد القمة السداسية في الرياض، لمعالجة وضع الحرب الأهلية في لبنان، وضرورة فض النزاع وإرسال قوات ردع عربية للمنطقة الملتهبة، وفعلًا تم عقد القمة في الرياض وتبعتها في العام نفسه، أي 1976، قمة طارئة في القاهرة للتصديق على مقررات القمة السابقة في السعودية، وتم الردع على مدار سنين طويلة في لبنان، لأن الحرب لم تنته كما اعتقد الكثيرون.

بعد ثماني سنوات، خرج العراق من الحرب مع إيران بآلاف الشهداء وملايين الأغاني

لكن الكوارث السابقة جميعها لم تذهب دون فائدة ترجى، فقد استفادت القمم العربية اللاحقة من خبرتها الطويلة تلك على مدار السنين، وخاصة في قمة 1987 التي عقدت في عمّان، بمناسبة اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية، والتي شددت على دعم العراق، والوقوف إلى جانبه في حربه التي استمرت ثماني سنوات، وخرجت بآلاف الشهداء وملايين الأغاني.

وفي 1990، عقدت قمة رائعة في بغداد، أدانت وشجبت واستنكرت تكثيف الهجرة إلى فلسطين مجددًا، لأن القمم العربية لا تنسى الثوابت، ولذلك فقد عقدت بسرعة شديدة وبعد عشر سنوات، في عام 2000، قمة مستعجلة في القاهرة لحماية المسجد الأقصى من الاعتداءات اليهودية، وتم شجب السلوك الصهيوني مجددًا، وأكدت قمة العام التالي في 2001 على ضرورة مقاطعة إسرائيل والحد من تغلغلها في العالم العربي، وكان التأكيد قاطعًا جازمًا، مما قاد إلى قمة العام 2002 في بيروت لمناقشة وإقرار مبادرة السلام العربية - الإسرائيلية، على أساس الأرض مقابل السلام، وتضمنت إقرار العرب للسلام مع إسرائيل وتطبيع العلاقات معها مقابل أن تنسحب الأخيرة انسحابًا كاملًا من الأراضي العربية التي احتلتها في العام 1967، فالعرب لا ينسون حقوقهم التاريخية، والقمم العربية لا تسامح من يستهين بحق العرب. 

في قمة تونس التي عقدت في 2004، وافق القادة العرب على العمل على "تفعيل" المبادرة العربية للسلام مع إسرائيل، على أساس مبدأ الأرض مقابل السلام، لأن القمم العربية والعرب يحبون السلام بطبعهم ويسامحون من أساء لهم، حتى لو كان عدوًا مجرمًا، فالتسامح طبع أصيل عند العرب، ولكن القمة نفسها أدانت إقامة إسرائيل لجدار الفصل العنصري، وأكّدت على رفض الاستيطان الإسرائيلي، لأن المسامحة وطلب السلام لا تعني عند العرب الضعف والاستسلام للعدو. هكذا نصت بيانات القمة التي عقدت في الجزائر من العام 2005، لاحقًا، على ضرورة "تفعيل مبادرة السلام العربية مع إسرائيل"، لأن العرب أوفياء ولا ينكثون بوعد قطعوه ولو كان الوعد لعدوهم.

وفي الرياض قررت القمة العربية الجديدة في العام 2007 ضرورة "إحياء وتفعيل مبادرة السلام العربية الإسرائيلية"، وطالبت إسرائيل بالالتزام بها على أساس مبدأ الأرض مقابل السلام، لأن العرب لا ينسون حقوقهم ويطالبون بها دائمًا.

يتمسك العرب بالسلام ولو كان مع العدو، وهذا من شيمهم

في دمشق 2008، عقدت قمة عربية أكدت على "التمسك" بمبادرة السلام العربية مع إسرائيل، لأن العرب يمدون يدهم لمن يطعنهم، ويتمسكون بالسلام ولو كان مع العدو وهذا من شيمهم. وصبر العرب سنة كاملة وهم يمدون يدًا ويبدلونها بيد وإسرائيل الغادرة لا تكترث، مما دعا إلى قمة 2009 التي عقدت في قَطر لدعوة إسرائيل للوفاء بالتزاماتها وتحديد إطار زمني لذلك، لأن العرب لا يمكنهم الصبر على الظلم والتسويف، وهذا من مقتضيات الشجاعة لديهم.

أما في القمم اللاحقة فقد كانت الهموم العربية الشاغل الأكبر بالنسبة للجامعة العربية، فالثورات العربية تعصف شرقًا وغربًا بالبلدان وهذه أولوية لا يجوز إهمالها، فالعرب لا يهملون أولوياتهم. ذلك كله يحضر الآن بقوة بينما تعقد مؤتمرات دولية لنقاش الوضع السوري دون حضور جهة تمثل السوريين أنفسهم، ويحضر بقوة بينما تنتفض فلسطين المحتلة من جديد، ويقتل أبناؤها على عينك يا تاج، أما التاجر العربي والتاجر العالمي فمشغولان بالتحضير لقمم قادمة لا تقل أهمية عن أي قمة سبقت، سينسقان فيها حتمًا لوضع البذار الجديدة المناسبة للزراعة في المخازن الخلفية لمباني الاجتماعات، لتهيأ لبذر أرض عربية مختلفة باتت غنية التربة بعد كل هذا الموت.

اقرأ/ي أيضًا:

السينما المصرية.. شريط يروي حكاية قرن

مالك السوري الحزين